إسرائيل تعتذر لتركيا بسبب إهانتها للسفير التركي .. خبر يستحق التوقف عنده
لمقالة، ويستحق التوقف عنده لمعرفة مكانتنا بين الأمم والشعوب ، ويستحق منا
مراجعة الحسابات قليلاً...
نحن العرب قررنا ذات حمية الانفصال عن تركيا ، خرجنا في الشوارع ضد الأتراك، او
لأكون أكثر دقة ينبغي القول: خرج أجدادنا في الشوارع ضد الأتراك وحملوا
"البواريد " التركية ، ذاتها البواريد التي وزعتها السلطنة حينئذ على شعوبنا
للدفاع عن الأرض، كل في حماه ومنزله، وكل بما أوتي من قوة ضد المستعمر
المنتظر، لكن ثارت حميتنا وناصرنا حليفنا الإنجليزي وسرنا نطلب ثأر قرون سرنا
فيها في ركاب العزة والمجد جنباً إلى جنب يوم كان العثمانيون سادة العالم ويوم
كنا وهم أخوة أعزة في الخندق نفسه.
انفصلنا ، أو حسب قوانين "الخلع"
خلعنا أنفسنا من حالة تزاوج والتصاق دامت قروناً طويلة، وبانت عروبتنا من
التتريك الذي كان حجة واهية امتطاها أصحاب النزعة الانفصالية ، وكان بعدها ما
كان:
صرنا إلى حالة تشرذم عربية من المحيط إلى الخليج ...
فرسمت حدود دويلاتنا وانطلق كل أمير وملك ورئيس يخط حلمه وأمنياته ،
ويبلور مستقبل دويلته ، ثم .... ثم يتغنى بسيادته وسيادة دولته الوطنية ،
ويحارب من أجلها كل من سولت له نفسه من الأعاريب أو من المسلمين انتهاك حرمة
قصوره وسيادتها ... لكن حينما تجتاح إسرائيل تلك الدويلة العربية "وليدة سايكس
بيكو" جواً أو براً أو بحراً ... حينما تركل بطرف قدميها دبلوماسياً عربياً يخر
زعيم تلك الدولة ويطلب العفو ، ويسجد ويطيل السجود حتى تأذن له سيدته إسرائيل
بالنهوض، رغم أن الجاني والمهين والمذل هي دولة إسرائيل وساسة إسرائيل، وهذا
حال من أنكر قوة الله واسمائه الحسنى وأحل في قلبه الخاوي إسرائيل مكانها
وسماها المذل القاهر القادر .....
فُرقة
عربية حطت علينا الذلة والمسكنة ، وباءت شعوبنا وحكوماتنا بغضب من الله وعذاب
من الأمم حتى تلك الرخيصة منها ، كما باء حكامنا بذلهم وهم يجمعون ما تبقى من
قواهم وشتاتهم ، وبدل أن ينقضوا على عدوهم للثأر لكرامتهم المهدورة على مدار
عقود نراهم يستلهمونه العفو والمغفرة ، ويقبلون منه اليدين والرجلين وما اشتهى
كبرياؤه عند كل حادثة أو مأزق ، حتى لو كانت الحادثة زلزالاً أو كارثة طبيعية ،
لهب الجميع من ربع "الكفاف" الحمر ليستنكروا على ربنا أن أحل بسيدتهم إسرائيل
تلك الكوارث... وبنفس الوقت تخرج أبواق الحكومات والأنظمة العربية لتتغني
بالحطة الحمراء والصفراء والخضراء ، وتقتسم الألوان كلها ، بينما وبمجرد أن يهز
الدرويش التركي طربوشه العثماني ودون أن يتفوه بكلمة ، تنحني إسرائيل معتذرة
على ما بدر منها ... ألا إن كانت العزة بارتداء ذاك الطربوش وخلع كوفيتنا
الحمراء ، ألا إن كانت العزة بذلك،
فما أحوجنا لكي نستبدل كوفياتنا بكل ألوانها بذاك الطربوش ونعود دراويش في
الحضرة التركية ... وسأكون أول المهللين ، وأظل في حالة دوران حتى تأتينا
إسرائيل معتذرة عن كل جناياتها ضد أمتنا، بل وحتى التحرير لكامل الأرض العربية
من محيطنا إلى خليجنا.
الشعب التركي ومنذ نشأت دولته حرص على الإصلاح والتغيير، فأنقذ بلاده تركيا من
خفايا "الدونمة" الصهيونية التي أطاحت بالسلطان الشهم الغيور عبدالحميد، ثم
أوصل الشعب الأبي برلماناً سعى بكل جهده لمقاومة الفساد في الدولة
التركية، فأفرز حكومة من المخلصين كان على راسهم رجب طيب أردوغان، وأعطى الشعب
ثقته لرئيسهم "غول" ، ولم يرض بأقل من سيادة كاملة ليكون القرار التركي وفق
أجندة تركيا ذاتها لا قراراً تتلقاه من الخارجية الأمريكية ولا من الكنيست
الإسرائيلي.
تركيا في عام 2003 رفضت أن يكون الإجتياح الأمريكي واحتلال العراق من خلال
أراضيها واضعة بلايين الدولارت، في حقيبة المفاوض لينكب عائداً خائباً على
أعقابه ، بينما فتحت دول الجوار العربي حدودها
وأراضيها و.... من أجل ثمن بخس ولكي
لا تغضب سيدتهم إسرائيل صاحبة المصلحة الكبرى بتدمير العراق.
تركيا تبقي جيشها في اراضيها لحماية مصالحها ، بينما
جيوشنا العربية إما ملتهية بحروب داخلية ، وكثير من تلك الجيوش من لبس خوذة
الأمم المتحدة ليباعوا في سوق المرتزقة لحروب العصابات في هاييتي وساحل العاج
وغيرها، ليموت أفراد هذه القوات إما برصاص المتحاربين أو بسبب كوارث
الطبيعة.
تركيا تسعى بكل قوتها لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية ، والتخلص من عبء
الإتفاقيات التي قد لا تلبي حاجاتها ، بينما دولنا العربية صاحبة الجيوش
الجرارة والتي أنفقت المليارات على أسلحة متطورة أنفقتها من خبز الشعب، دولنا
العربية تقيم أحلافاً واتفاقيات دفاع عسكرية هي بمثابة تقنين الاحتلال وترسيخ
أقدام القوى الهدامة في أراضينا العربية.
نعم ... تمنيت يوم انحنت إسرائيل واعتذرت لتركيا لو أنني
تركي المولد والممات ، وتمنيت لو أستبدل كوفيتي الحمراء رمز القوة والأنفة في
أغاني المطبلين في بلادنا العربية بطربوش
"الدراويش" الأتراك، فأنا منذ تلك الساعة بت أهيم بالدروشة إن كانت تصنع العز
وتبني مجد روادها ... وأنا منذ تلك اللحظة "مريد" على مذهب غول وأردوغان وأعلن
أن تركيا هي معبدي الوطني حتى يزيح الله عنا هذا الغم الذي عشناه منذ تولى
الرعاة في بلادنا حكمها ومنذ أطلقت رصاصة الغدر الأولى ...