قيل
أن الشاعر الإغريقي "عرار" كان مغرماً بالنوريات والكأس والسياسة ، وقد نفاه
الملك المؤسس وأبعده عن هواه ، وقيل بأنه تاب لله ولم يبعد لسبب سياسي عن
مجالسة النوريات واحتساء كأس ليلته بحضرتهن، لكن وكما نعرف جميعاً: الإدمان مرض
آخر ، والإدمان يحمل صاحبه على المخاطر وربما الانتحار ... الشاعر الإغريقي
"عرار" تاب ، لكنه غلبه إدمانه ، فعاد للنوريات والكأس وكتب قصيدته التي باع
فيها صلاته وتسبيحاته بجلسة مع نورياته ، وظل على حاله حتى مات .... الحمد لله
أنه لم ينتحر ، ليبقى باب المغفرة مفتوحاً ،
فليرحمه الله لقد كان يحب وطنه
"موزمبيق" ،
وكان يراه في الكأس لينسى مصيبته ...
الحمد لله ، أنا العبد الفقير ومنذ طفولتي لم أعتد من إدمان الخبائث إلا الحديث
في السياسة، فلا صاحبت النوريات ولا حتى الأمريكيات أما الكأس فإنني لا أحتسيه
ولست بحاجة للمزيد من الجنون، إذ يكفيني جنون السياسة الذي استهواني.
قبل أسابيع ليست بالكثيرة ، قمت بوقف الموقع الذي أنشأته موقع "قضايا عربية"
وازدهر بأقلام كتاب مرموقين ، أكن لهم جميعاً كل احترام وتقدير ، وقد تعلمت
منهم الكثير وأدمنتهم وأفكارهم حتى صار الموقع نافذتي التي أطل منها إلى العالم
وعليه لأرى كل ما يدور، فكثيرا ما أمتعتني قصيدة لشاعر أو شاعرة ، أو مقالات
لكتّاب كثر لا أستطيع حصرهم بأسمائهم ، وقد تلقى الموقع الكثير من الإطراء بسبب
هذه النخبة من السادة والسيدات من حملة الأقلام النظيفة الواعية.
بعد إغلاق الموقع قام البعض بالتأنيب لقرار الإغلاق، ولا أريد هنا اختلاق
الأعذار لنفسي وتبرير الخطأ ، فقد كان قرار الإغلاق خطأً ، لكنه يغتفر ، خصوصاً
أنني محاط بجمع من الأحبة القراء والكتاب وجدت منهم هذه المشاعر وأحسستها
بكلماتهم ورسائلهم ، فكانت أساليبهم الرقيقة سبباً لعودة حالة التوازن الذاتي ،
والخروج من شعور الإحباط الذي ولدته الغربة على مدار ما يزيد على عقدين من
الزمن ، وما يتبع هذا النفي من فقدان للهوية عند جيل بقائنا وامتدادنا
"أولادنا" ، وتزداد مشاعر الغربة فينا حينما يصبح الوطن حلماً، وحدوده مليئة
بالحواجز ، ومطاراته تسكن فيها أجهزة الرصد التي لا تدع لنا
وسيلة للتواصل مع تراب الوطن وهمومه ،
فصرنا كقطعة بترت من الجسد أخذت تتحلل مع الزمن ، حتى صارت نسياً منسياً ...
جريمة في عرفنا نحن العرب أن نحب أوطاننا ، فهي التي ترزح تحت نير الاحتلال ،
وهي مسلوبة الإرادة ، وأبناؤها جوعى ومحرومون رغم وفرة الخير ، ورغم المنّ
والسلوى الذي يستاقط على سهولها وجبالها ... حتى صحاريها ... ومع هذا جريمة
كبرى أن ندافع عنها ...
جريمة أن نحب أوطاننا ، حتى صار الدفاع عنها وعن مقدراتها وإنسانها يجعلنا
مطلوبين وعلى قوائم أجهزة الرصد السوداء...
ألا إنه الفخر ، فما كانت لتظهر أسماؤنا على تلك
القوائم السوداء لولا أنها أسماء بيضاء ، لم يتخللها الدنس والرجس ، فهل رأيتم
الكتابة على الصحف تكون بذات اللون ... الحمد لله ... فهذه شهادة تهديها لنا
طبيعة هذه الصحف ... لتظل أسماء من أحبوا بلادهم بيضاء ناصعة ... فلا تضيرها
تلك الصحف السوداء تلونت بلون نفوس من ابتدعوها ....
ورغم إيماني أن قرار الوقف للموقع "قضايا عربية"
والتوقف عن الكتابة حتى في مواقع أخرى كان خطأَ جلياً ارتكبته ، إلا أني لن
أعتذر ، وذلك لأنني إنسان من طبعه أن يخطئ ويصيب ، ثم، لأن الاعتذار لا يكون
إلى الأحبة ممن أدمنوا قولي وأدمنت قراءتهم وتواصلهم ، فيكفيني ويكفيهم هذه
الدرجة من الوصل والتواصل والمحبة ليتفهموا طبيعة مثل هذه القرارات، ولكي لا
يظنوا أن المبادئ قد تغيرت وتبدلت ، بل لازالت
كما عهدناها كل في الآخر ، وما كان للمبادئ أن تتغير أو تتبدل ، بل تظل راسخة
رسوخ الجبال ، ونظل نحملها في قلوبنا وتخطها أقلامنا امتداداً لأرواحنا، حتى
إذا ما غبنا عن هذه الدنيا الفانية ، بقيت مبادؤنا مكتوبة لأجيال تنتظر أن ترى
الحقيقة جلية كي تكمل المشوار.
ليس من السهل علينا جميعاً التخلي عن واجبنا ، فأمتنا لازالت تعاني من "سايكس
بيكو" ، وبدل أن نمحو تلك الوثيقة التي جزأتنا وآثارها، زادت فرقة الأمة وصار
حالنا إلى خلافات تجذرت بأبعاد تلك الوثيقة المذلة، فها نحن نرى العالم بعد أن
هدم سور برلين العنصري ، يبني
بحجارته أسواراً حول وطننا العربي وبين أقطاره ، فسور الفصل العنصري في فلسطين
بني وأقره العالم تشريعاً وقانوناً ، وسور حصار غزة الذي تقيمه الشقيقة الكبرى
مصر يجد من يبرره من ساسة الوطن وحكامه الجبابرة ، بل وراح رهط من أئمة الوعظ
والإرشاد يعطونه الغطاء الشرعي ، ونسوا أو تناسوا أن واجبهم حمل الأمة كلها على
كسر الحصار وتحرير الأرض من مغتصبها.
حالة ليست أقل من الذل ، بل إن الذل أعلى مرتبة وأكبر مقاماً مما نعيشه في
حاضرنا.
صورة الوطن الكبير حزينة كئيبة وقد تكالبت وحوش الكون عليه ، كل له مطامعه
ومطامحه ، ويؤسفنا أن كل ما يريدونه يطبق بأيد عربية استعملتها قوى الاحتلال
وقوى الهيمنة.
لا أشك أن الواقع المر يدعونا لاستعادة قوانا ، ويدعونا
لاستجماع كل طاقاتنا للوقوف في صف الوطن ، فما يكون لنا التولي يوم الزحف، وما
ينبغي أن نرتد على أعقابنا في خضم المعركة، فالوطن بحاجة لما هو أكبر وأعظم ،
لكن هذا ما نملكه ، قلم وفكرة ورأي ... ربما تفعل فعلها في هذه الجموع فتهب
للتغيير ...
من
أجل هذا أعلن توبتي عن التوبة ، وأضع الموقع لرغباتكم وأقلامكم وفكركم ...
فكلنا على ثغرة فلا يؤتين الوطن من
قبلنا ، وكلنا نعيش فيه ويعيش فينا ، وفي سبيله ترخص أرواحنا .... لتمد أقلامنا
بمدادها حتى يأذن الله بنصر من عنده وبوحدة تجمعنا
على بساط عربي إسلامي ، إخوة لا
يفرقنا اختلاف الرأي ، وأهلاً لا يصير فيهم الدم ماءً ، واتباع رسالة لا تنضب
معانيها الخيرة ... فهذي يدي تمتد من جديد غير مكبلة ولا تغلها القيود ... وهذه
روحي فداءً لأمتي وأرضي ووطني ...
أما قصيدة الشاعر الإغريقي عرار ... فأخرجوا منها ما لا
يتلاءم وديننا ، وأخرجوا النوريات والكأس ... واعتبروها قصيدتي ... لأعلن توبتي
عن التوبة .... (تم نشر القصيدة كاملة لأمانة النقل فقط)
توبة عن التوبة
للشاعر مصطفى وهبي التل
وهمت فليس ما سميته الإيمان إيمانا
ولا هذا الذي قد
خلته تقواك فحوانا
أتهذي بالسلو وقد
غرام الغيد أضنانا
وقد للكأس تهفو
نفس من يسلوه أحيانا
وذو الشوق القديم
إذا تذكر عاد ولهانا
فدع عنك الهراء
وقم نذع للناس إعلانا
لو أني أرأس الوزراء أو قاض كمولانا
لألغيت العقاب ولم
أدع للنفي إمكانا
أما وانا من
اتخذوه للإرهاق ميدانا
فمن سجن الى منفى
لآخر شط ابوانا
فهات الكأس مترعة
من الصهباء ألوانا
يطالعنا بها حبب
كعين الديك يقظانا
وهب ( عمان )
ماثلة وظن حميد حمدانا
وهذا الكوخ ديوان
الأميـر وذاك ( رغدانا )
وقل للهبر يا باشا
وسم هديب شوشانا
وعش رغم القوانين
التي آذتك سلطانا
فمثلك من تمرد
كلما ساموه إذعانا
لعمر الحق لن
يتنكب الإخلاص خذلانا
وسوف يظل سيف
النصر للأحرار معوانا
وسوف نهير من هذي
الصروح " الهلس "بنيانا
فلا يخدعك ظاهرها
ولا تهويل مولانا
وقل ان قيل لا عفو
لعل العفو لا كانا
فعين العزم ترمقنا
وعين الحزم ترعانا
ولطف الكاس إثر
الكاس نشربها تولانا
فحسبي بالنخيل الباسق الفينان جيرانا
وبالنورية الحسناء
والصحراء ندمانا