الحرب
المفتوحة التي أعلنتها اسرائيل على قطاع
غزة في 27 شباط الماضي ، ليست حرباً جديده
أو اعلان حرب جديد ، كما أنها ليست مقصورة
على قطاع غزة فقط ، فاسرائيل اختارت طريق
الحرب على الشعب الفلسطيني خاصة ، وعلى
العرب بشكل عام منذ قيام الدولة العبرية
في منتصف شهر أيار عام 1948 . وواصلت
حربها بطرق مختلفة حسب الظروف المواتية ،
وحسب الدور الموكول اليها . فمثلاً قامت
عام 1951 بمهاجمة قرية قبية غرب رام الله
ودمرتها وقتلت العشرات من مواطنيها لمنع
اللاجئين الفلسطينيين من التسلل والعودة
الى بيوتهم وأملاكهم ، وفي تشرين أول 1956
قامت مع فرنسا وبريطانيا بمهاجمة مصر
لاجبار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على
التراجع عن قرار تأميم قناة السوريس ، وقد
صاحب هذه الحرب مذبحة قرية كفر قاسم
المسالمة ، والواقعة داخل اسرائيل، لاجبار
من تبقى من الشعب الفلسطيني داخل حدود
الدولة العبرية على ترك وطنهم، والرحيل
الى الشتات خوفاً من أن يلقوا نفس المصير
، ولتبقى الدول العبرية دولة يهودية نقية
من "الأغيار" غير يهود .
وفي
الخامس من حزيران 1967 قامت اسرائيل
بمهاجمة الأردن وسوريا واحتلت ما تبقى من
أراضي فلسطين التاريخية ، اضافة الى
الجولان السورية وسيناء المصرية ، ثم جاءت
حرب تشرين أول 1973 ، وبعدها اجتياح جنوب
لبنان عام 1978 ، ثم اجتياح لبنان في
حزيران 1982 حتى احتلال العاصمة اللبنانية
بيروت.
لكن حرب
حزيران 1967 كانت بمثابة حرب مفتوحة على
الشعب الفلسطيني خصوصاً من بقي منهم في
بيته وعلى تراب وطنه ، وتمثلت هذه الحرب
بتكريس الاحتلال من خلال سياسة مصادرة
الاراضي، والبناء الاستيطاني، وهدم بيوت
الفلسطينيين ، ومن خلال سياسة القتل
والتدمير التي تستهدف البشر والشجر
والحجر،وسياسة الحصار والتجويع،وتشتيت
العائلات .
غير أن
اسرائيل ارتأت أن في مصلحتها التخلي عن
قطاع غزة وتبعاته ، نظراً لضيق مساحته
التي تقل عن 400 كيلو متر مربع، وكثافة
سكانه التي تزيد عن مليون وربع مليون شخص
، وهي أعلى كثافة سكانية في العالم ، وقد
بدأ ذلك واضحاً قبل الاعلان عن اتفاق
أوسلو في أيلول 1993 عندما قال اسحق رابين
رئيس وزراء اسرائيل في حينه ، " فليذهب
قطاع غزة الى البحر " ، ومع أن اسرائيل
فككت مستوطنات القطاع، وانسحبت منه الا أن
احتلالها له لم ينته لأنها بقيت تحاصره ،
وتسيطر على معابره وعلى بحره وأجوائه .
وجاء
الجنرال ماتان فلنائي رئيس أركان الجيش
الاسرائيلي في حربه الجديدة ليهدد مواطني
قطاع غزة " بالمحرقة " وكأنه لم يكتف في
خمسة ايام بقتل أكثر من مائة وثلاثين
فلسطينياً أكثر من نصفهم مدنيون أطفال
ونساء وشيوخ ، والمحرقة أو " الهولوكوست "
هي حرب الابادة الجماعية التي شنها
النازيون ضد يهود أوروبا في الحرب الكونية
الثانية .
وبالتأكيد
فإن الجنرال فلنائي لم يقصد الحرقة
النازية ، لأن الاسرائيليين ويهود العالم
يرفضون ان يشاركهم أحد في هذا المصطلح،
لتبقى مذابح وجرائم النازيين محتكرة
ضحاياها على اليهود فقط ، وأن أحدا من غير
اليهود لم ولن يتعرض يتعرض لمثل هذه
الجرائم البشعة ، لكن الجنرال فلنائي أراد
ايصال رسالة لفلسطينيي قطاع غزة تفيد أن
ردّ الفعل الاسرائيلي على القذائف
الفلسطينية على مدينة " سديروت "
الاسرائيلية سيكون جهنمياً وقاسياً بشكل
شديد ، وهكذا كانت نتائج الحرب المفتوحة ،
فقد كان من بين الضحايا الفلسطينيين أطفال
عمر أحدهم يومان وآخر شهراً ، وآخر سبعة
شهور وهكذا .
ومع أن
الهجوم لم يقتصر على قطاع غزة، بل تعداه
الى مناطق في الضفة الغربية ، فقد سقط في
نفس الفترة ضحايا في مخيم بلاطة قرب نابلس
، وفي رام الله وفي الخليل، إلا أن
استهداف جباليا في قطاع غزة كان بطريقة
أكبر وأشمل وأوسع ، واستعملت فيه الدبابات
والطائرات والمدفعية وغيرها من الأسلحة .
وكانت حجة
اسرائيل في شن حربها على قطاع غزة هو
حماية المدنيين الاسرائيليين من الهجمات
الفلسطينية على " سديروت " وتهديد
المدنيين الاسرائيليين فيها ، وقد لقيت
هذه الحجة تأييداً من البيت الأبيض، ومن
وزيرة الخارجية الأمريكية في زيارتها
للمنطقة، وغيرهم ممن يساندون اسرائيل في
كل الاحوال وفي كل الظروف .
فهل هذا
هو السبب الحقيقي ؟؟ وهل حقاً أن
الفلسطينيين يعتدون على المدنيين
الاسرائيليين ؟؟ ففي الواقع أن من حق جميع
الشعوب - بمن فيهم الاسرائيليون- أن تعيش
في سلام وأمان ، ولكن أحدا لم يتساءل عن
أسباب اطلاق القذائف الفلسطينية البدائية
من قطاع غزة على سديروت ، ولم يتساءل أحد
أو بالأحرى لم يجيبوا ، ولم يقلقهم تحديد
من هو الشعب الذي يفتقد الأمن والسلام ؟؟
ومَن يعتدي على مَن ؟؟ فالاحتلال
الاسرائيلي للأراضي العربية، واستمرار هذا
الاحتلال هو سبب كل المصائب ، وهو المسؤول
الأول والأخير عن اراقة دماء الاسرائيليين
قبل الفلسطينيين ، وأن الشعب الفلسطيني هو
الذي يفتقد الأمن والسلام ، وهو المسلوبة
كرامته ، وهو المعتدى عليه وهو الذي
تُنتهك حرماته ، وتدمر ممتلكاته على أيدي
المحتلين ، وهو المحاصر والمجوع، واذا ما
اعتبر الآخر حماس متطرفة ولا تعترف
باسرائيل ، فإن في اسرائيل أحزاباً ممثلة
في الكنيست – البرلمان – الاسرائيلي،
وبعضها يشارك في الحكومة الاسرائيلية،
وترفض التنازل عن أي شبر من الأراضي
العربية المحتلة،أو الاعتراف بأي حق للشعب
الفلسطيني ، بل ان بعضها يطالب بالطرد
الجماعي للفلسطينيين ، ولا نجد من يحاول
لجم تطرفهم ، فهل من حق اسرائيل أن يكون
فيها هذا التطرف ، ويعاب على الفلسطينيين
أن يكون فيهم حماس ؟؟ ومع أن حماس وافقت
وتطالب بهدنة طويلة المدى مع اسرائيل لكن
أحداً لم يستجب لها .
ويبقى أن
نقول أنه اذا عرف السبب بطل العجب ، فسبب
الحروب والمصائب في الشرق الأوسط هو
الاحتلال الاسرائيلي ، وأنه اذا انتهى هذا
الاحتلال ومخلفاته فسيكون الفلسطينيون
والاسرائيليون في أمن وسلام .