|
"سيادة" الرئيس عباس |
بروفيسور عبدالستار قاسم |
|
Aug 08, 2008 |
لا أظن أن الذاكرة قد خانتك عندما أرسلت لي حوالي خمسين من الأجهزة الأمنية لاعتقالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بتاريخ 28/7/2008. أنا كنت على وشك أن أخوض انتخابات الرئاسة، وحالت دوني وذلك عوامل عدة أهمها أن حماس قررت توفير دعم انتخابي لك في قرارها عدم المشاركة في الانتخابات تصويتا. وقد قال لي أحد قادتهم في حينه أن السيد عباس صديق لنا، وقررنا ألا ندعم أحدا في مواجهته. وإن كان في كلامي عدم صحة، فأنا أطلب منك ومن السيد خالد مشعل نشر محضر جلستكما التي تمت عندما زرت المخيمات الفلسطينية قبل الانتخابات الرئاسية.
لدى الأمم معايير أخلاقية، وتلك الأمم التي لا تضع الأخلاق على سلم أولوياتها سرعان ما تجد نفسها تتهاوى وتتحطم. السجن شرف عظيم لي، كما أن رصاصكم الذي اخترق جسدي يوما يشكل وساما سأبقى أذكره باعتزاز، لكن ما يحز بالنفس هو هذا المستوى الذي وصلنا إليه سواء في الضفة الغربية أو غزة. ونحن لم نصل إلى هذا الدرك إلا في ظل رئاستك. هذا التدهور أنت مسؤول عنه لأنك أنت رئيس السلطة الفلسطينية. رجال الدولة لا يمكن أن يسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا طرفا، أو أن يعززوا الصراعات الداخلية.
شهد التاريخ غلبة القلم على البندقية، وانتصار الفكر على السلاح. سيادتك دكتور في العلوم السياسية، لا بد أنك تحدث مجالسيك ومقربيك حول هذه الحقيقة التاريخية. الذين يخشون القلم ليسوا أهلا للحرب أو للسلام، ولا للقيادة أو التطوير والتقدم. صحيح أن علماء ومفكرين ومثقفين يُقتلون في الطريق ويصلبون ويعذبون، لكنهم في النهاية ينتصرون، وهم يكونون سادة التاريخ.
إذا كانت هناك جرأة على اعتقال أكاديميين ونشطاء سياسيين، فهل هناك جرأة على التكلم بصراحة للشعب الفلسطيني؟ هل من الممكن أن تشرح سيادتك، وأنت الأمين على خزانة الأمة، للناس المبالغ المالية التي تصرف على الأجهزة الأمنية الفلسطينية؟ وأن تشرح لهم عن الذين يقررون بخصوص هذه الأجهزة؟ هل من الممكن أن تشرح عن دايتون، وعن المتطلبات الأمنية الواردة في الاتفاقيات والنصوص السرية التي على الفلسطينيين الوفاء بها؟ هل من الممكن أن تثقف الناس حول تدريب الفلسطينيين وتسليحهم، وعن الأكاديمية الأمنية في أريحا؟ هل من الممكن أن تشرح لنا فيما إذا طافت قوات الأمن نابلس بإرادة حركية حرة أم كان عليها التنسيق مع الصهاينة أولا؟ هل من الممكن أن نشرح للشعب كيف سلمنا لقمة خبزنا لعدونا لكي يتحكم بنا؟ هلا نشرح لهم كيف أصبحنا أسرى للرواتب مقابل تدمير إرادتنا السياسية؟ أنا لا أريد أن أتكلم، وفقط الأمر متروك لكم لكي يكون الشعب على بينة.
أو إن شئت، هل لديكم استعداد لمناظرات علنية حول الأوضاع الفلسطينية؟ أنت تعلم أن الواثق من نفسه المؤمن بما يعمل لا يخشى مواجهة الناس بالحقائق. أو هل لديكم الاستعداد لفتح وسائل الإعلام الفلسطينية أمام المثقفين ليشرحوا ما عندهم؟ أنت تعلم أن الشجاع لا يخشى الرأي الآخر، وفقط الذين يخشون الحقيقة هم الذين يحتكرون الإعلام لأنفسهم ولمن يؤيدونهم.
أقول لك وكمواطن فلسطيني: إسرائيل وأمريكا لن تعطياك شيئا، ولن تحصد منهما سوى الخيبة والفشل. أنا شبه واثق أنك وصلت إلى هذا الاستنتاج، وفقط أشجعك أن تثأر لنفسك وبنيك، ولا تترك الأمر للمؤرخين.
دعك من هذا يا "سيادة" الرئيس، وآمل من رئيس وزرائك أيضا أن يتوقف. أعمال القمع والتنكيل لا تفيد، وتنقلب في النهاية سلبا على من يقوم بها. أنت رئيس سلطة، ومسؤولياتك المفروض أن تكون أكبر بكثير من الفصائل ومناكفاتها. فقط أنظر كيف تهاوت أوضاع الشعب الفلسطيني، وكيف تدهورت صورته أمام الأمم؛ ومن ثم تأمل كيف يتم هذا في عهدك. (لو) كنت مكانك لأحدثت ثورة على الذات، أو لرحلت إن شعرت بعجزي عن القيام بهذه الثورة.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |