فلسطين تفتقد حياء القادة

بروفيسور عبدالستار قاسم

sattarkassem@hotmail.com

Aug 03,  2008 


 

إذا لم تستح فاصنع ما شئت. هذا هو شعار قيادات فلسطينية كثيرة في هذه المرحلة التاريخية السوداء المظلمة السائدة الآن. قيادات فلسطينية وفصائلية جرّت الشعب الفلسطيني إلى أتون الأحقاد والبغضاء والكراهية، وإلى حمام من الدماء النازفة، والأعمال الصبيانية القاتلة التي تمزق وتضعف، وتدفع الشعب نحو الترهل والاستسلام. قيادات فلسطينية لا تتقي الله، ولا تتقي قيما إنسانية أو وطنية، ولا تمتلك أي معايير أخلاقية تحكم تصرفاتها. (لو) جرى نزر بسيط مما يجري في فلسطين في مجتمع يحترم نفسه لاستقالت كل القيادات ورحلت.

الدم الفلسطيني ينزف، والاعتقالات المتبادلة على قدم وساق، والاتهامات والطعون مستعرة، والقيادات تتبجح على شاشات التلفاز وتملأ الدنيا كذبا وتضليلا وتزويرا. قيادات لا تفتقر إلى الحياء فقط، وإنما لا يساورها أدنى خجل وتردد وهي تكذب وتبيع الناس شعارات فارغة لا يتم تطبيق إلا نقيضها.

أنتم يا حضرات القادة غير الملهمين تسيئون لهذا الشعب كل يوم، وتلحقون به الذل والعار والمخازي والآلام والأحزان. أنتم تتفوقون في أعمالكم الشنيعة على الاحتلال الصهيوني البغيض، وتمزقون، وتسببون له مرّ العيش وضيق الحال وظلمة الليالي. حاول الاحتلال الصهيوني أن يمزق الناس وفشل، وحاول تحطيم بناه الأخلاقية والاجتماعية وفشل، وحاول ضرب الأخ بأخيه وفشل، وحاول الضغط بكل الوسائل على الشعب لبيع الوطن وفشل، أما أنتم فنجحتم في كل هذا بامتياز. أنتم أكثر كفاءة من الاحتلال في تحطيم الشعب الفلسطيني وأعظم قدرة من أمريكا وإسرائيل في قتل الروح الوطنية وروح الانتماء والتضحية.

أنتم يا حضرات تتلهون بمصير هذا الشعب الحزين، وأنتم تتلاعبون بدماء الشهداء وبأنات الأرامل وصراخ اليتامى ودموع الثكلى. أنتم لم تتركوا لنا شيئا مقدسا فدنستم الثرى ونجستم الأطفال وشوهتم آمال شابات فلسطين وشبابها، وتاجرتم بآلام اللاجئين، وخذلتم القدس والحرم الشريف.

هل يعقل أن ننصب الحواجز بأبناء فلسطين لاعتقال شباب فلسطين؟ من هو العاقل في هذه الأرض المقدسة فيقوم باعتقالات عشوائية وثأرية وانتقامية ولمجرد إشفاء الغليل ضد الطرف الآخر؟ قلتم للشعب إن الدم الفلسطيني خط أحمر، فإذا به خط أكثر بياضا من البياض، وقلتم إن خلافاتكم السياسية لن تطغى على الحياة المدنية للشعب، وأنتم ترون الآن كيف أدخلتم الذعر والخوف والتيه والضياع في نفوس الناس وبيوتهم. هل تعلمون ماذا أنتم فاعلون؟ أنتم تخربون، ولا يبدو أن الرشد سيأخذ طريقه إليكم.

أنتم ألحقتم بنا العار، ووضعتم رؤوسنا في الأوحال، وخذلتم الأصدقاء، وصنعتم للعدو احتفالات الانتصار. أين نذهب بوجوهنا من العالم، ومن الصديق قبل العدو؟ أين نتوارى، وفي أي خابية ندس أنوفنا هربا من لعنات الآخرين؟ لقد جعلتمونا أضحوكة أمام الناس، وصنعتم لشعب فلسطين صورا نشمئز منها النفوس.

حصل انفجار في غزة قتل فيه عدد من الناس، ومن الاعتيادي أن يتم التحقيق وملاحقة الفاعلين، إنما لماذا الاعتقالات العشوائية؟ ولماذا تقوم سلطة رام بالاعتقالات المضادة؟ ولماذا تقوم بعد ذلك السلطة في غزة باعتقال قادة فتح كرد فعل؟ أنتم أيها السادة تتسابقون على عمل الأخطاء. الخطأ لا يُصحح بخطأ.

 

أيها الشعب الفلسطيني

لقد قمنا دائما من بين الركام، وقد مرت علينا ظروف قاسية وأحداث صعبة ومجازر مرعبة، لكننا دائما كنا نلملم جراحنا ونقف على أقدامنا من جديد. فليعد إلينا صدى الأمجاد، والله سيأخذ بأيدينا. رب العزة لا يخذل الصابرين، وعلينا أن نخرج قوانا من أغمادها لنصحح هذا التاريخ الذي اعوج والتوى وانقلب علينا. نحن أيها الناس سيف قد طال عمره في الجراب، فليخرج الآن. أيها الناس: لا أحد يقوّم أوضاعنا إلا نحن، ولا احد يعيد الوضع الفلسطيني إلى حالة صحية إلا الشعب. فلا تخافوا، ولا تحزنوا وأنتم الأعلون. اتقوا الله أيها الناس، وليرفع كل واحد منا صوته في مواجهة هذا العهر الدائر على الساحة الفلسطينية، وليرفع كل واحد منا يده في سبيل الله والوطن. انهضوا أيها الناس، وستجدون أمما كثيرة ترفدكم.

 

أيها الناس

نحن بحاجة إلى حل، ولا أرى أن الحل ممكن في ظل الاتفاقيات مع الجانب الصهيوني. علينا أن ندرك أن اتفاقنا فيما بيننا له أولوية على كل اتفاق مع أي جهة كانت. بدأت المأساة عام 1988 عندما اعترف المجلس الوطني الفلسطيني بالكيان الصهيوني، ثم تعمقت بعد مدريد، وأذنت بالاقتتال الداخلي بعد أوسلو. وحتى نتحرر ونصبح أصحاب كلمة حرة لا بد لنا أن نحرر رغيف خبزنا من أيدي أمريكا وإسرائيل. أمريكا وإسرائيل يدفعون الرواتب من أجل السيطرة على قرارنا السياسي، فهل نذل وننحني للرواتب أم نبحث عن حلول مالية واقتصادية بديلة لرواتب الموظفين؟ لا تصدقوا الذين يقولون لكم أن لا خيار أمامنا إلا التسول على أبواب البيت الأبيض. الخيارات عديدة وموجودة. صحيح أن علينا أن نكد ونتعب، لكن لقمة الخبز المغمسة بالعز أسمى وأعظم من كل الأطعمة المغمسة بالذل. وقد سبق أن طرحت العديد من الأفكار، لكن المتقاتلين على الساحة الفلسطينية لم يعيروا أهمية.

 

أمام الوضع القائم، لدي الحل التالي والذي سبق أن طرحته عليكم جميعا:

 

أولا: تشكيل مجلس إداري من الخبراء والمختصين والأكاديميين الفلسطينيين المستقلين الوطنيين لإدارة الحياة المدنية واليومية للشعب الفلسطيني. الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى حكومة ولا رئاسة، ونحن نخدع أنفسنا عندما نحمّل أنفسنا ألقابا لا تتناسب مع الواقع المؤلم.

أعرّف المستقل بأنه المعروف بانتمائه الوطني لكنه غير مرتبط بأي فصيل فلسطيني وأي دولة عربية أو غير عربية.

ثانيا: مهمة المجلس إدارية فقط، وليست سياسية، وله صلاحية فرض الأمن المدني. أي أنه يشرف على قوة شرطة لها صلاحية الإشراف على الأمن الداخلي.

ثالثا: لا علاقة لهذا المجلس بالأمن الوطني، وتبقى مهمة الأمن الوطني بيد فصائل المقاومة التي تعمل سرا وبدون التدخل إطلاقا في مجريات الحياة المدنية واليومية الفلسطينية.

رابعا: على كل الفصائل الفلسطينية أن تدعم إدارة هذا المجلس إذا طلب الدعم، دون أن يكون لها حق الاعتراض. من شاء منها أن يقاتل فالعدو أمامنا، ومن لم يشأ فله النشاط الاجتماعي.

خامسا: يحضّر المجلس بعد استتباب الأوضاع المدنية الفلسطينية لعمل انتخابات إدارية.

سادسا: الجهاز الأمني الوحيد المسموح بوجوده هو جهاز الشرطة التابع مباشرة للمجلس الإداري. نحن لسنا بحاجة إلى أجهزة أمن أو قوة تنفيذية.

سابعا: ينشط المجلس مع مختلف قوى الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارج فلسطين لإعادة ترتيب منظمة التحرير الفلسطينية بطريقة يتمثل فيها الجميع وفق ميثاق تجمع عليه مختلف القوى، والتي تتولى بعد ذلك الإشراف على شؤون الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج بما في ذلك الشأن السياسي.

 

كيف يتشكل المجلس

 

يتم تخويل فصائل غير مشاركة بالقتال الداخلي تشكيل هذا المجلس، واختصارا للجهد وتقليلا للصخب، أقترح أن يتولى فصيل إسلامي وآخر وطني هذه المهمة بموافقة صريحة وعلنية من قبل مختلف الفصائل وعلى رأسها حماس وفتح.

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com