صبيانية قادة فلسطين

الدكتور عبد الستار قاسم

sattarkassem@hotmail.com

 


 

 


يبدو أن قادة فلسطين من مختلف الأطياف يرون في شاشات التلفاز لعبة جميلة يمكن التسلية بها حتى لو كان المتسلّى به هو الشعب الفلسطيني. يظهرون على الشاشة بصبيانة وتفاهة فكرية وولدنة سياسية وكأن شعب فلسطين كرة من خرق بالية يمكن أن تتقاذفها الأقدام دون المخاطرة باحتمال التنفيس. هذا يتولدن فيقول بأن الحوار مستمر، وذلك يتلعبن فيقول بأن الحوار مجمد، وآخر يتشخرط فيصرح بأن الحوار في الثلاجة، ورابع مسهول يدعي بأن الحوار ناجح، وخامس يتشدق بالآمال المعقودة، وسادس يتقيأ بالتشاؤم، الخ.


كل صبياني من هؤلاء المولدنين يطلع علينا ليقول بأنه حريص على المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، ثم يلف ويدور ويدور ويلف لتكون المصلحة العليا لهذا الشعب هي مصلحة فصيله، ثم يتلاعب بالألفاظ والأحزان على الشعب الفلسطيني لتكون المصلحة هي مصلحة بعض القوادين الذي يركبون موجات المال لتنتفخ منهم الكروش والحسابات المصرفية، وليزدادوا متعة وترفا على حساب هذا الشعب الذي لم يستفد الكثير من التجارب المريرة التي مر بها.


هؤلاء ألحقوا العار بالشعب الفلسطيني وجعلوه مهزلة أمام الأمم والشعوب. إنهم أقزام ومراهقون يتلهون بمصير هذا الشعب وبقضيته المقدسة. لقد حولوا القضية إلى مسائل أتفه من كلامهم وأكثر قبحا من وجوههم. قضية فلسطين، بفضلهم، تحولت إلى مجرد راتب أو إلى اسم مقترح ليكون وزيرا لا قيمة له في ظل احتلال بغيض. كلهم يبحثون عن متنفس للحصول على الأموال الأمريكية، وهم يلهثون كل بالطريقة التي تروق له.


إنهم لا يعون بأن هناك شعب صمد عبر السنوات الطوال، ومن الممكن أن يجتمع على الصمود إذا تمت مناقشة الصمود. إنهم لا يرون سوى الاستسلام والخنوع، ويرون في الحصار الأمريكي الإسرائيلي المصيبة التي لا يمكن التغلب عليها. لقد صمد شعب فلسطين في وجه العدوان الأقسى من الحصار على مدى مائة عام، فهل ينبطح بهذا الرخص أمام حصار يمكن الإفلات منه؟ هؤلاء القادة يصرون على أن تبقى يد أهل فلسطين هي السفلى، ويصرون على أن يبقى شعب فلسطين متسولا خانعا مستسلما لقوانين ومعادلات التسول.


أقول إن هؤلاء القادة يجلبون علينا الخزي والعار، وهم قد استهلكهم الزمن. إنني على وعي تام بأن الكثيرين منهم لا يملكون مقومات القيادة، ولولا أنهم قد استعملوا من قبل هذه الجهة أو تلك لما كانوا قادة ولما تعرفت عليهم شاشات التلفاز. كثيرون منهم مأجورون وجواسيس وخونة ويسمسرون على الشعب الفلسطيني وعلى أمهات فلسطين وأطفال فلسطين. لو كانوا يخزون لخزنوا أنفسهم بعيدا عن الأنظار، وكفاهم ما دمروه وخربوه.


إنها مسؤولية شعب فلسطين ألا يبقى متخاذلا أمام هؤلاء الذين لن يصنعوا خيرا حتى لو أعلنوا أنهم اتفقوا. شعب فلسطين بحاجة إلى ميثاق وطني يحدد الأهداف ويوجه الطاقات ويوحد الأطياف، وليس بحاجة إلى حوارات فصائلية فئوية منغلقة لا تتسع لشعب فلسطين. إنها مسؤولية المثقفين والأكاديميين والمستقلين والمفكرين أن يهبوا بوجه هؤلاء في محاولة لكشف الغم عن هذا الشعب الذي نخر السياسة عظامه.
الثورة على هؤلاء حق وواجب، وعلينا أن نجتمع ونوحد جهودنا للمحاسبة وتصحيح المسار.