القاعدة ستتمدد بالمزيد

بروفيسور عبدالستار قاسم

sattarkassem@hotmail.com

April 17, 2007


 

لا تنبئ التفجيرات التي حصلت في الجزائر والمغرب بأنها ستكون الآخرة، بل من المتوقع أن تتلوها تفجيرات في مزيد من البلدان العربية مثل ليبيا والأردن والكويت وفلسطين وتونس. تنظيم القاعدة يتمدد، إن لم يكن باتصال تنظيمي مباشر فبتواصل نفسي يقوم على منهج العنف وصناعة حالات عدم الاستقرار. مهما كانت نسبة المؤمنين بمنهج القاعدة قليلة، تبقى أعدادهم كافية لتغطية مدن عربية كثيرة، وهي أعداد أرى أنها مرشحة للتزايد وليس للتناقص. منذ أحداث أيلول، سبتمبر في نيويورك والقاعدة تزداد حضورا في عدد من الدول على الرغم من الملاحقة الجسدية والمالية الشديدة التي تتعرض لها.

 

هناك من يبحث عن تفسير سهل وساذج للأعمال التي تقوم بها القاعدة وذلك بترداد عبارات مثل الناس الموتورين والجهلة والظلاميين الذين لا ينهلون من دماء الناس ويتلذذون على آلامهم. من يلجأ إلى مثل هذه العبارات لا يملك قدرة على مواجهة الظاهرة، هذا إن كان راغبا أصلا في مواجهتها. أرى أن المسألة أعمق بكثير من الرغبة في القتل أو حب الظلام، وأبعد عن أن تكون مجرد نزوات طائشين متطرفين يتعطشون لسفك الدماء؛ وأرى أنها ضمن سياق تاريخي موضوعي حتمي ينفصل عن الأمزجة الذاتية والتقديرات الشخصية والمصلحة الآنية. وإذا كنا سنتوارى عن هذا البعد التاريخي فإنما نحن نخدع أنفسنا هاربين من مواجهة الحقيقة التي، إن عرفناها، ستمنحنا فرصة اتخاذ قرار سليم يجنبنا عواقب وخيمة. هنا كان بلير، رئيس وزراء بريطانيا، ذات مرة أكثر المستنكرين حكمة عندما قال أن أسبابا عميقة تقف خلف التفجيرات، ذلك عطفا على التفجيرات التي حصلت في لندن، وتميز في ذلك بدرجة كبيرة عن الرئيس الأمريكي الذي لا يحمل على لسانه سوى لغة القبضايات (الفتوات).

 

حال الأمة العربية سيء للغاية وعلى مختلف الصعد، وليس من العسير على الإنسان أن يتوقع ردود فعل متباينة ومختلفة في حدتها حول هذا الوضع. الأمة العربية مهزومة عسكريا واقتصاديا وفكريا وثقافيا، ومتخلفة اجتماعيا وإنسانيا وعلميا، ومخترقة أمنيا، وممزقة سياسيا، ويعاني العديد منها من الحروب الداخلية والتمزق الطائفي والقبلي. العرب مطية لمن امتطى، وحقل ذهب لمن سرق، وأضحوكة لمن تسلّى. وفوق ذلك، لا يشعر الإنسان العربي باحترام ذاتي أو بتكامل داخلي أو طمأنينة؛ ولا يشعر بأن له كيانا أو عزة أو كبرياء. يشعر العربي أنه خلف الأمم، وهو يتيه بين قوى الاستكبار العالمي وبين أجهزة الأمن الداخلية.

من بين العرب من يكتب المقال احتجاجا على هذا الوضع العربي المزري، ومنهم من يقوم بالسباب والشتم، ومنهم من يبحث عن تشكيل حزب سياسي، ومنهم من يرى في السلاح أداة فعالة لإحداث تغيير. تتعدد الطرق وتتعدد اهتمامات الأفراد، وتتنوع وسائلهم، وتتباين استعداداتهم للقيام بالأعمال التي يظنون أنها ستؤدي إلى التغيير. تنظيم القاعدة عبارة عن واحد من التعبيرات المتوقعة أو ردود الفعل المستجيبة سلبا للشعور بالذل والمهانة. والمسألة هنا لا تتعلق بما يسمى بالتطرف الإسلامي أو الأصولية، وإنما بالشعور الذي يمكن أن ينطلق تحت عناوين فكرية ودينية مختلفة. هناك في التاريخ من فجروا أنفسهم وهم ليسوا مسلمين، وهناك أصوليون في مختلف الأديان ولا يحملون المتفجرات باحثين عن هدف.

 

عندما تنشب مشكلة أو خلاف أو قتال، تتطلب الحكمة التساؤل أو البحث عن الخلل الذي أدى إلى حالة عدم الاستقرار. ليس من الحكمة أبدا القفز إلى الاستنتاج بأن الآخرين هم المخطئون، بل من الضروري التوقف عند المشكلة والتفكير والأخذ بآراء الخبراء. ومن المعروف تاريخيا، كما هو فيزيائيا، أن الضغط يولد الانفجار؛ ونفسانيا، أن الظلم يولد التمرد. ومن المطلوب أن يسأل رجل الدولة نفسه دائما عن الخطأ الذي ارتكبه وقاد إلى صراع داخلي.

 

يعترف الحكام العرب بوجود أوضاع عربية متدهورة، ويعترفون أحيانا بالهزائم التي لحقت بالأمة وهم قادتها، ويرون الناس من حولهم ينتقدون ويتأففون ويكتنزون ضجرا وقهرا، لكنهم لا يحاولون إصلاح الأوضاع. هكذا الأمر في المغرب والجزائر. الإعلام الجزائري مشغول كثيرا بتصوير الازدهار الذي يحققه الحكم، ومتفائل جدا بالأمن والطمأنينة اللتين يرفل بهما المواطن؛ والإعلام المغربي مسرور جدا بنقل تفاصيل النشاطات الملكية، والإسهاب في وصف القلوب الواسعة لرجال الحكم. لا تتحدث وسائل الإعلام عن الظلم والملاحقات الأمنية وتبذير الأموال وتهاوي الاقتصاد وانهيار التعليم وازدياد أعداد الفقراء وتفاقم المشاكل والهموم الاجتماعية وتدهور الحياة الثقافية واستشراء ظاهرة الفساد، الخ.

 

 

ما دام الحاكم يستغرق في دفن رأسه في الرمال، ويدعي أمام الناس ما يكذبونه فيه فورا وقبل أن ينتهي من خطابه أو تصريحه الصحفي، فإن المجال يبقى فسيحا أمام القاعدة وغيرها لكي تتمدد وتنمو وتستقطب المزيد من المؤيدين. على الحاكم أن يتوقع رد فعل، وإذا كان رد الفعل بالطرق السلمية غير مسموح به، فالانفجار هو البديل. لم يترك الحكام مساحة أمام الناس للتغيير السلس والهادئ والهادف، بل تركوا مساحة واسعة أمام الرد العنيف الذي يأتي بالضرر على الحاكم والمحكوم. ولهذا من الأسلم للجميع، إن كنا نبحث عن حل، أن يتم التركيز على أسباب تمدد القاعدة بدل الانشغال في شتم الإرهاب والإرهابيين، والبكاء على الشهداء الذين يسقطون.

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net