أولمرت وحماس والقصر الملكي

بروفيسور عبدالستار قاسم

sattarkassem@hotmail.com

Jan 5, 2006





تحسنت حظوظ حماس لدى القصر الملكي الأردني فجأة بعد طول جفاء، ووجه رئيس وزراء الأردن دعوة لرئيس وزراء فلسطين لزيارة الأردن. من الناحية الإعلامية الرسمية، يبرر الجانب الأردني الدعوة بناء على الأخوة التي تجمع الشعبين، وعلى حرص النظام الأردني على القضية الفلسطينية. هذا تبرير لا يخرج عن التقاليد العربية في تغليف الحقائق بمغلفات جمالية من الأصالة العربية والروح الأخوية الصادقة.


أولمرت هو الذي فتح باب القصر الملكي أمام حماس لأنه أدرك أن جفاء النظام الأردني للحركة قد يلحق الضرر بإسرائيل، وأن تسامح النظام قد يساهم في تدجين حماس أو حثها على القبول بما هو محظور في برامجها وميثاقها. رفض الأردن استقبال وزراء من الحكومة الفلسطينية، وأعاد مؤخرا وزير الشؤون الاجتماعية عن الجسر شرقي الأردن ناكرا له حق العبور؛ ورفض إفساح المجال أمام إسماعيل هنية لزيارة رسمية. انقلب هذا الجفاء فجأة إلى أخوية صادقة بعد زيارة أولمرت المفاجئة للأردن.


يلاحظ المراقب أن هناك حمى دبلوماسية تجمع إسرائيل وأطرافا عربية الآن: أولمرت يزور الأردن، ثم يقوم عباس بتقبيل أولمرت، عباس إلى الأردن ثم إلى القاهرة؛ لقاء بين ملك الأردن والرئيس المصري، وتحضير لزيارة أولمرت إلى القاهرة. هذه الحمى لا تتم في فراغ، ولا هي متعلقة بالعودة إلى طاولة المفاوضات التي لا تتطلب الاستعجال على أية حال. إنها متعلقة أساسا بالاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني في غزة والذي أظهرت فيه حماس تفوقا على الأجهزة الأمنية الفلسطينية.


الاقتتال مؤسف، والعرب يشعرون بالحزن لما جرى، وفلسطينيون يشعرون بنوع من المهانة والانحطاط؛ لكن إسرائيل لها حساباتها المختلفة. تأكد في شوارع غزة أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية فوضوية ولا ضابط لها، كما أن حركة فتح تعاني من عدم الانضباط والعشوائية والارتجالية؛ وظهرت حماس منظمة وقادرة على الحركة السريعة والانضباط. هذا مخيف بالنسبة لإسرائيل لأنه يمس أمنها بصورة مباشرة من ناحيتين: تتمثل الأولى في أن الأجهزة الأمنية التي من المفروض أن تلاحق الإرهابيين عاجزة؛ وتتمثل الثانية في أن حماس استطاعت أن ترفع من قدراتها العسكرية تدريجيا وبصمت. المستقبل ينذر بوجود طرف فلسطيني قوي يهدد أمن المستوطنات الصهيونية في المنطقة الجنوبية، مثلما هناك تهديد من قبل حزب الله في منطقة الشمال. وتشك إسرائيل بأن حماس تمد يدها لإيران لكي تزودها بالأسلحة، وأن إيران مستعدة للقيام بذلك بقدر الإمكان.


إذا كان العالم قد فشل في إخضاع حكومة حماس أو إجبارها على الاستقالة، فالأفضل البحث عن طريق سياسي. ظنت إسرائيل ومعها قوى فلسطينية أن الحكومة ستسقط خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تشكيلها على أقصى تقدير، لكن الأشهر مرت والحكومة مكانها، وثبت فشل الضغوط والحصار المالي على الشعب الفلسطيني. ذات المشهد اللبناني يتكرر على الساحة الفلسطينية على الرغم من الاختلاف في التفاصيل. فشلت الحملة العسكرية الإسرائيلية على حزب الله، فتم تجنيد الضغوط الخارجية والداخلية لكي تتحقق أهداف إسرائيل بالطرق السياسية، وفشلت الحرب المالية والقوى الداخلية الفلسطينية في تحقيق مآرب إسرائيل بالقوة، فيتم الآن الجنوح نحو الدبلوماسية.


هناك ظن قوي لدى الإسرائيليين بأن حركة حماس ستقدم تنازلات وأنها ستتراجع عن ميثاقها وبرامجها الانتخابية، وستقرر في النهاية خوض المعركة الدبلوماسية. وهم يستدلون على ذلك بقبول حماس بوثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني التي تنص على القبول بالشرعية الدولية والشرعية العربية، وبمنظمة التحرير كمفاوض. يشكل هذا القبول اعترافا بإسرائيل، لكنه لا يرتقي إلى القبول المباشر المنعزل عن ملحقات، ومن الممكن تطويره مستقبلا إذا تم استيعاب حماس في النشاط السياسي والدبلوماسي.
يرى العديد من المحللين الإسرائيليين بأن المستقبل السياسي في المنطقة هو للحركات الإسلامية، وأن الأنظمة العربية القائمة والأحزاب العلمانية في طريقها إلى زوال، وإذا كان لإسرائيل أن تقيم سلاما فلا مفر من مخاطبة هذه الحركات. ولهذا من الضروري التصرف من أجل استطلاع المسافة التي يمكن أن تقطعها حماس باتجاه إسرائيل.
إسرائيل مهتمة من الناحية الأمنية بوجود قوات فلسطينية مؤيدة للاتفاقيات وقادرة على مواجهة حركتي حماس والجهاد، وترى أنه من الممكن للملك الأردني أن يقنع الحكومة الفلسطينية بدخول قوات بدر إلى غزة عساها تستطيع منع إطلاق الصواريخ وتحقيق الأمن الداخلي الفلسطيني؛ أما من الناحية السياسية فهي مهتمة بالبحث عن حلول لدى حصان رابح. الظن الآن يقوم على أنه من الممكن لحماس أن تبدي مرونة سياسية فيما يخص الحقوق الفلسطينية إذا انخرطت في المسرح السياسي للمنطقة، وشعرت أنها لاعب مرحب به.


تبرر هذه الأمور جميعها لأولمرت جس نبض حماس من خلال النظام الأردني، ولا أرى أن الولايات المتحدة التي تطلق صرخات الاستغاثة في المنطقة تمانع ذلك. أمريكا معنية بإبعاد الشبح الإيراني عن فلسطين، ولديها الاستعداد للتجاوب مع كل مرونة سياسية تبديها الفصائل الفلسطينية. أما بالنسبة لحماس، فالأمر تعتبره لصالحها من حيث أن الحصار بدأ بالتفكك، وأن أطرافه أخذت تدرك بأن القطيعة لا تشكل مخرجا ولا توفر الأجواء المناسبة للوصول إلى حلول سياسية. حماس بحاجة إلى مثل هذه الدعوة التي تمنحها فرصة جيدة لكسب الوقت وتحقيق نجاح نحو تفكيك الحصار المالي.


 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net