| اللغط حول تنازلات حماس |
بروفيسور عبدالستار قاسم |
|
Jan 8, 2007 |
هناك لغط حول ما يسميه بعض الفلسطينيين وثيقة جنيف حماس، والذي يقول بأن حماس قد
تقدمت بوثيقة للأوروبيين حول الهدنة المقترحة بين إسرائيل وحماس. تشتمل هذه الوثيقة،
حسب أقوالهم، على إقامة هدنة لمدة خمس سنوات، ويصار بعد ذلك إلى البحث في العلاقات
بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن ثم إلى إقامة سلام مبني على العدالة. ويذهب
بعضهم إلى القول بأن قادة حمساويين قد اجتمعوا مع إسرائيليين كمقدمة للتفاوض.
حسب علمي المبني على متابعة التطورات على الساحة الفلسطينية، لم يحصل أي اجتماع بين
قادة من حماس وإسرائيليين. حصلت لقاءات بين قادة حمساويين وأوروبيين، واقتصرت فقط
على تبادل الأفكار دون أن تتضمن وثائقا. لم تقدم حماس أي وثيقة مكتوبة، وطرحت فقط
أفكارا للتداول على رأسها فكرة الهدنة. أما ما يتم تداوله الآن من أن حماس قد تقدمت
بطرح سياسي خطي للأوروبيين والإسرائيليين فلا أساس له، ومنبعه فقط مصادر إعلامية
غير موثقة.
تقدم الأوروبيون الذين لم يتم الإعلان عن أسمائهم، والذين على علاقة مباشرة مع
دوائر الاتحاد الأوروبي، لحماس أو الحكومة الفلسطينية بأفكار مكتوبة، لكنهم لم
يتقدموا بمشاريع سياسية تشكل مبادرات قابلة للتفاوض. يرى الأوروبيون أن أفكارهم
مهمة لمتابعة النقاش والحوار، ولا تشكل بأي حال قاعدة للتفاوض؛ وهم لا يرون أن
الحوار مع الحكومة قد تطور إلى درجة تسمح بفتح مفاوضات سرية أو علنية.
تقدمت حماس بأفكار سياسية شفوية للأوروبيين تأتي على رأسها فكرتا الهدنة وحق العودة
للاجئين الفلسطينيين. بالنسبة للهدنة، طرحت حماس مدة الهدنة التي تتراوح بين خمس
وعشرة سنوات، لكن دون التقيد بالاعتراف بإسرائيل؛ وبالنسبة لحق العودة، طرحت الحركة،
حسب تقديري، المسألة بكل قوة، وأن مسألة الاعتراف بإسرائيل ليست واردة والشعب
الفلسطيني مشرد ويعيش في مخيمات تحت ظروف قاسية. وضعت حماس هاتين الفكرتين على
طاولة الأوروبيين الذين لم يجدوا حرجا في الاستماع.
تقديري أن الأوروبيين ليسوا متشنجين في مواقفهم تجاه حماس أو الحكومة الفلسطينية
مثلما هي الولايات المتحدة، هم أقرب إلى العقلانية في البحث عن حلول من مختلف
الأطراف ومنها الأطراف العربية التي قابلت الحكومة الفلسطينية بالرفض القطعي. ومن
خلال متابعتهم لطرح الحكومة السياسي، هم يجدون منافذ يمكن العبور منها إلى طاولة
التفاهم السياسي مع حماس والذي يمكن أن يفضي إلى استئناف مسيرة التفاوض في المنطقة.
ويستدل الأوروبيين على قوة منطقهم في أن حماس قد قدمت تنازلين اثنين حتى الآن وهما
الاعتراف بالشرعية الدولية والموافقة على المفاوضات من خلال موافقتها على مبدأ أن
منظمة التحرير هي المخولة بالتفاوض مع إسرائيل. هذان تنازلان واردان في وثيقة
الوفاق الوطني، وتم تقديمهما لإرضاء أطراف فلسطينية مشاركة في الحوار حول تشكيل ما
يُعرف بحكومة وحدة وطنية فلسطينية.
فضلا عن أن الأوروبيين ينظرون إلى حركة الإخوان المسلمين إجمالا على أنها تنظيم
إسلامي قريب من تعريفهم للاعتدال، وأن التعامل السياسي معها ممكن، ومن المحتمل أن
يفضي إلى نتائج مريحة. بالنسبة لهم، هناك إسلاميون تكفيريون قتلة مثل القاعدة
وطالبان، وهناك إسلاميون لا يؤمنون إلا بالجهاد مثل حركة الجهد الإسلامي، وهنك
آخرون قريبون من الاعتدال الأوروبي مثل حركة الإخوان المسلمين. وبما أن حركة حماس
عبارة عن حركة مقاومة منبثقة عن حركة الإخوان، فإنه من الممكن التحدث معها بأمل
وتفاؤل.
يعزز هذه النظرة الأوروبية ما يراه أكاديميون أوروبيون من أن مستقبل المنطقة
العربية الإسلامية مرتبط الآن بتطور الحركات الإسلامية التي تكسب زخما وقوة وتأييدا
واسعا في الشارع العربي والإسلامي. وهم يسألون: ما الفائدة من التعاون مع أنظمة
عربية متهاوية، أو حركات سياسية تفقد ثقلها تدريجيا مثل حركة فتح؟ وهم يجيبون بأن
العاقل يتعامل مع المستقبل وليس مع الحاضر الآفل أو الماضي الذي كان. وحسب قول
أوروبي، ما الفائدة من التعامل مع حركة فتح إذا كانت هي أقرب إلى الشركة منها إلى
التنظيم السياسي. ولا غرابة بأن يدير الأوروبيون ظهورهم لحركة فتح لصالح القوة
الجديدة على الساحة الفلسطينية.
يدرك الأوروبيون أيضا بأن التضييق على حركة حماس يدفع بها باتجاه إيران التي تعتبر
الدولة الأكثر تطرفا في المنطق وفق التعريف الأوروبي. ويرون أنه من الغباء السياسي
ألا يفتح العدو لعدوه المحاصر منفذا عله يصل معه من خلاله على تسوية أو تفاهم، وإذا
كان فتح الباب قليلا أمام حماس سيبعدها عن إيران فإن ذلك في مصلحة الغرب والأنظمة
العربية الموالية.
إسرائيل ليست بعيدة عن العقلنة الأوروبية في التقارب من حماس، أو في محاولة جسّ
النبض. كما الأوربيون، لا ترى إسرائيل أن المستقبل للأنظمة العربية أو الحركات
الوطنية، وترى أن المد الإسلامي يكتسب زخما مستمرا وسيصبح قوة كبيرة مهابة الجانب.
وهي تلعب على وتر آخر وهو وتر الخلاف المذهبي الإسلامي بحيث تكون هي داعما للجانب
السني في مواجهة إيران الشيعية. لا يغيب هذا الوتر عن الأوروبيين، لكنهم يتركونه
لإسرائيل وأمريكا للعزف عليه.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |