| حكومة الشروط الأمريكية |
بروفيسور عبد الستار قاسم |
|
12-12-2006 |
ترفع وسائل الإعلام أحيانا من درجة التفاؤل بقرب تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، وتهوي
بها أحيانا أخرى إلى درجة التشاؤم. تسارع وسائل الإعلام إلى اعتبار أي تصريح يصدر
عن حمساوي أو فتحاوي خبرا هاما يتم تناقله بسرعة لينتشر وكأن الأمور في فلسطين قد
وصلت إلى حد معين، علما أن هذا المصرح قد لا يكون على علم أو وعي بما يجري. لأدلل
على ذلك أذكر ما قاله لي وزير فلسطيني ذات يوم بأن أمر تشكيل وزارة الوحدة سيحسم
خلال أربع وعشرين ساعة، فأجبته بنوع من الفظاظة بأنه لا يعي ما يقول، وأنه ليس هو
الذي يعد الساعات. مرت الساعات والأيام وساعة الحسم لم تحن.
يتعثر أمر تشكيل الوزارة الوحدوية الفلسطينية لأنها ليست في الحقيقة وزارة وحدة
فلسطينية، وليس من المتوقع أن تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني الحرة. حتى تكون هذه
حكومة وحدة فلسطينية لا بد لها من أن تنطلق من قاعدة دستورية أو ميثاقية فلسطينية
تشكل إطارا مبدئيا يجمع الفلسطينيين في الداخل والخارج. لا يوجد الآن للشعب
الفلسطيني ميثاق يمكن الاستناد عليه بعد أن قامت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1996
بإلغاء العديد من بنود ميثاقها الذي لم تكن تحترمه أصلا. يوجد هناك قانون أساسي
للسلطة الفلسطينية، لكنه يعاني من نقص قانوني كبير ولا يمكن تعميمه ليكون جامعا
للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
إلى جانب القاعدة الدستورية، يجب أن تتوفر قاعدة قضائية ترعى مراقبة التنفيذ وذلك
حتى لا يقع الشعب الفلسطيني ضحية التجاوزات تحت شعارات ثورية ووطنية. لا يمكن أن
تقوم حكومة وحدة وطنية فلسطينية دون توفر هذين الشرطين، لكنه من الممكن أن تقوم
حكومة فصائلية، أي باتفاق فصائلي، وفق مهام آنية أو محدودة لا ترتقي إلى متطلبات
وحدة الشعب.
ما هو مطروح الآن هو حكومة فك الحصار وليس حكومة وحدة وطنية. وربما لاحظت وسائل
الإعلام أن الفلسطينيين من جانب الرئاسة الفلسطينية قد أخذوا يتحدثون مؤخرا بكثافة
عن حكومة قادرة على فك الحصار المالي على الشعب الفلسطيني. وهم لا يتحدثون هنا عن
حكومة تفك الحصار بالقوة، وإنما عن حكومة يرضى عنها المحاصرون. المشكلة هنا أنه لا
يوجد وضوح في طرح هذه المسألة على الشعب الفلسطيني بحيث يكتفي المسؤول الفلسطيني
بطرح الهدف دون أن يشرح المتطلبات المترتبة على تحقيقه.
حتى تفك الحكومة الفلسطينية الحصار، لا بد لحركة حماس أن تعترف بإسرائيل وليس فقط
الحكومة التي تشكلها حماس. وبعد ذلك عليها أن تبدأ بالتخلي عن السلاح ونزع سلاح
المقاومة، ومن ثم تطبيع العلاقات مع إسرائيل والتنسيق الأمني معها. أي على حماس أن
تسير على خطى منظمة التحرير الفلسطينية ولكن بخطى سريعة وواسعة. هنا سترضى إسرائيل
وأمريكا عن حماس وعن الحكومة التي تتشكل سواء كانت حمساوية أو خليطا من الفصائل
الفلسطينية.
من الممكن لإسرائيل وأمريكا أن يقبلا مؤقتا بحكومة تشارك فيها حماس إنما بشرطين: أن
تكون الوزارات الأساسية بيد قوى 13/أيلول، أي القوى المؤيدة لاتفاق أوسلو، وأن تكون
غلبة التصويت داخل الحكومة لحركة فتح وذلك من خلال المستقلين. لا مانع لدى أمريكا
وإسرائيل أن يكون عدد أعضاء حماس في الحكومة أكثر من عدد أعضاء حركة فتح، لكن المهم
أن يميل المستقلون لحركة فتح بحيث يشكلون عيار الحسم داخل الحكومة.
المعنى أن الحديث لا يدور حول تشكيل حكومة وحدة فلسطينية، وإنما حول حكومة تتخلص من
الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني، وتجعل الفلسطينيين تحت رحمة الإرادات السياسية
للآخرين وبالتحديد إسرائيل وأمريكا. هذا صحيح من الناحية المنطقية من حيث أن الذي
يحصل على تمويل من الآخرين، لا مفر أمامه إلا إرضاء هؤلاء الآخرين إذا أراد أن يبقي
على تدفق الأموال. لا يوجد دعم مجاني، وهذا ما يردده الأمريكيون والإسرائيليون
ويتبعهم فيه الأوروبيون.
هذا ما يفسر التناقضات الكثيرة في التصريحات الصادرة عن فلسطينيين، وحركة الهبوط
والصعود في التفاؤل والتشاؤم. كلما توصل الفلسطينيون إلى صيغة يظنون أنها توصلهم
إلى تشكيل حكومة يصطدمون بالطلبات الأمريكية والإسرائيلية فيعود بعضهم إلى إطلاق
تصريحات جديدة لم تكن وسائل الإعلام تتوقعها. يتم إبلاغ الأمريكيين والإسرائيليين
باستمرار بتطور المحادثات بين الأطراف الفلسطينية، ويتم التجاوب مع الاعتراضات.
ولهذا أرى أنه من المهم أن تعرف وسائل الإعلام رد فعل الأمريكيين والإسرائيليين
حيال الاقتراحات الفلسطينية قبل أن تعلن عن قرب التوصل إلى اتفاق فلسطيني-فلسطيني.
تبدو الصورة هكذا سيئة جدا، لكنني أعتقد أن الشعوب العربية قد خابت عبر الزمن لأنها
لم تبحث عن الحقيقة، واكتفت بآمال خاوية انتهت إلى خيالات قاتلة.
كان الخطأ من الأساس في أن وضعت القيادة الفلسطينية لقمة خبز الشعب بيد أعدائه،
وليس من الحكمة الآن الإمعان في الخطأ. كان أمام حماس فرصة استغلال قوة الدفع مع
بداية تشكيل الحكومة للتخلص من هذا الاستعباد الأمريكي، لكنها لم تكن على قدر
التحدي. لكن الوقت ما زال مفتوحا، وبإمكان الحكومة الحالية أن تحاول الخروج من
المأزق المالي بوسائل عدة على رأسها سياسة التكافل والتضامن. إنها لن تنجح تماما،
لكن المحاولة ستؤتي ثمارها.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |