| "التحرش الإيراني" تصعيد أم توظيف؟ |
د. أسامة عثمان |
|
Jan 10, 2008 |
من أجل مقاربة أعْقَل ل " تحرش الزوارق الإيرانية بالسفن الأميركية" لا بد من تفعيل مجموعة من المعطيات, الأول طبيعة الحدث نفسه, فهو من نوع الأحداث العابرة؛ ما لم يثبت وجود نوايا من أحد الطرفين لاتخاذه محركا للتصعيد. والمرجح خلافه بحسب المعلن من التصريحات الأميركية, فهي لا تعتزم التقدم بشكوى رسمية ضد إيران بسبب تلك "التصرفات الاستفزازية." ثم حيثيات الحدث وظروفه اللصيقة, فهو من المتوقعات في مثل مكانه: منطقة مضيق هرمز حيث التقاطع الأمريكي والإيراني ممكن وعادي, ولا بد من الانتباه إلى أن التصعيد الإعلامي حتى الآن يتم من الطرف الأمريكي , في حين يرى الطرف الإيراني أن الحادثة قد انتهت.
ويظهر التباين في المشهد باستعراض طرف من تصريحات الجانبين, فقد نقلت أسوشيتد برس عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، محمد علي حسيني، أن الحادث وقع نتيجة خطأ في تعريف سفن كلا الجانبين بالآخر, وقال حسيني في تصريحات لوكالة "إرنا" الإيرانية للأنباء: "هذا أمر طبيعي، يحدث بشكل مستمر بين كلا الجانبين، وإنها (أي المشكلة) تم تسويتها بمجرد تعريف كل جانب بنفسه للآخر, وفي جريدة " الحياة" أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وضعت فرق البحرية الأميركية في منطقة الخليج في حال تأهب, بعد الإعلان عن «تحرش جدي» من زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري الإيراني، في مضيق هرمز فجر الأحد، وأكدت أن الزوارق الإيرانية هددت بنسف بوارج أميركية. فيما هددت الخارجية الأميركية بالرد على أي تهديد لقواتها أو حلفائها في المنطقة. لكن الحرس نفى الحادث، مؤكداً أن عناصره لم تتعرّض لأي بارجة أميركية في المضيق" .
ولا يمكن أن نغفل التوقيت الذي جرى فيه الحدث وتبعاته, وهو زيارة الرئيس بوش للمنطقة التي يتصدر جدول أعمالها تطوير خطة أمنية للتعامل مع «التهديد الإيراني للسلام والأمن في منطقة الخليج». وفي تعليق وزارة الخارجية الأميركية على الحادث قال المتحدث باسمها ماكوماك : "سوف تواجه الولايات المتحدة أية تصرفات من جانب إيران، قد يكون الهدف منها الإضرار بنا أو بأصدقائنا وحلفائنا في المنطقة." وقد استبق ذلك أجواء سمحت باستضافة الرئيس الإيراني نجاد في الدوحة للمشاركة في أعمال مجلس التعاون الخليجي الذي رأى البعض أنه ما كان لها أن تتم لولا ضوء أخضر أميركي, وهو ما يقويه عدم صدور أي استنكار أميركي على تلك المشاركة الإيرانية, وقبل ذلك كانت زيارة نجاد للسعودية. فالظاهر أن أمريكا تريد أن تبقى دول الخليج على مسافة ما من إيران يتوجب تثبيتها؛ ما يسوغ البقاء الأمريكي العسكري في الخليج.
وربما لا نبتعد عن الحادث وتداعياته إن قلنا إنه يفيد أيضا في تطمين " إسرائيل " التي أقلقها تقرير وكالة المخابرات الأميركية عن قيام إيران بوقف أنشطتها النووية العسكرية منذ عام 2003. الذي لا يمكن عده محفزا للتصعيد العسكري الأميركي تجاه إيران ولا سببا إضافيا تستثمره الإدارة الأميركية نحو مواجهة عسكرية معها. وكانت صدرت تصريحات "تعويضية" حذر فيها بوش إيران من ضرب " إسرائيل" وأنه في حال أقدمت على ذلك فإن أمريكا سوف تدافع عنها الأمر الذي لا توجد له مقدمات إيرانية, وبقدر ما يهدف ذلك إلى تطمين "إسرائيل" فإنه يعلق التصعيد العسكري الأميركي على حالة لا تتوفر مقدماتها.
أما العلاقة الأميركية الإيرانية التي تشكلت وثبتت للتطورات فهي تقوم على التعاون والبراغماتية من الطرفين أكثر ما تنحاز إلى الحدية والصدام الأيديولوجي, والمؤشرات على ذلك من الدور الذي اضطلعت به إيران في جهود الولايات المتحدة العسكرية والسياسية ضد طالبان, والتعاون الراهن والمعلن في العراق ما سمح بلهجة تصالحية مع إيران لم يكن المؤشر الوحيد عليها التصريحات التي أدلى بها الجنرال روبرت هولمز نائب قائد القوات الأميركية في العراق في مقابلة خاصة بجريدة " الحياة" في 7/1/2008م أعرب فيها عن أمله في عدم قيام حاجة لعمل عسكري أميركي «إضافي» في المنطقة" وقال: " لذلك أعتقد بأنه كلما نظرنا إلى حقيقة هذا الأمر{ ممارسة إيران دورها في منع حرس الثورة من المشاركة في العنف بالعراق} وسمحنا للحوار أن يظهر، فنعتقد حينها بأن إيران أو أي قوة خارجية أخرى ستشجع على أن تكون قوة إيجابية في المنطقة وليس قوة عنف؛ لأن العنف لن يحقق الأهداف لأي من شعوب المنطقة."
وبعد ذلك؛ فإن تقرير "بيكر _ هاملتون" الذي اكتسب قيمة استراتيجية مهمة كان دعا إلى الاستعانة بدول جوار العراق وكان موقف بوش أنه سيأخذ بما جاء فيه على محمل الجد والعمل، وبالتوقيت والسرعة المطلوبتين. وللتذكير فقد تضمن التقرير توصيات بمشاركة كافة دول المنطقة في الحوار المعني باستقرار العراق, وهو الأمر الذي انتهجته الإدارة الأمريكية بإجراء حوار مباشر مع كل من إيران و سوريا. وقد تعاملت إيران مع ذلك المطلب بجدية مما أسهم في انخفاض مستوى العنف في العراق, وإيران إذ تتعاون مع أمريكا في هذا الإطار تقبل ضمنا استقرارا ( معلنا) يفضي إلى تواجد أميركي عسكري وسياسي بعيد المدى في العراق.
أما على صعيد دعم إيران للمنظمات التي تسميها واشنطن إرهابية؛ فما يزال من الملفات الشائكة, وإن كان لم يمنع من تعاون أميركي إيراني وسوري كذلك في غيره, كما لم يمنع دعوة سوريا إلى المشاركة في مؤتمر " أنابولس" كما لم يمنعها هي الأخرى من قبولها.
إيران تتعامل مع الولايات المتحدة ودول المنطقة بوصفها دولة إقليمية طامحة في قدر من التميز والمشاركة؛ ضمن المعادلات الدولية, ولا تفكر في الصدام مع أمريكا, أو افتعال مشاكل جدية لها, وأمريكا لا يظهر منها الآن رغبة جدية في المواجهة مع "الجمهورية الإسلامية", ولا يمنعها ذلك من السعي نحو تحجيم دورها, ولكنها مضطرة إلى مجاراتها في بعض الامتيازات في العراق, والسماح لها بنيل شيء من القبول في المنطقة يتراوح حجمه بحساب المساومات بينهما.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@yahoo.com |