جاسوس في الديوان الملكي الاردني

د. عبدالفتاح طوقان

aftoukan@hotmail.com

May 15, 2008


 عندما اسر رجال مخلصون الى الملك عبد الله الاول ، المؤسس للمملكة الاردنية الهاشمية بأن رجل ديوانه و ساعده الايمن في ادارة شؤون البلاد هو جاسوس بريطاني ، اجابهم و الابتسامه على محياه و بحنكة و دهاء معروفة عنه ، اعرف ذلك ..!!.

و استعجب شيوخ العشائر انذاك من هذا الرد ، الذي تحول الى اعجاب كبير و تقدير لشخصه عندما اضاف ، المهم الا يعرف الجاسوس اننا نعرف . و اوضح للهم انه اول درس في" الحكم الافضل" ان تعرف من يتجسس عليك من اصدقائك ، ثم عليك ان تستفيد منهم في نقل ما تريد لاعدائك سواء لتضليلهم او تغيير مخططاتهم. و عليك في مؤسسة الحكم ان تٌطمئن دوما الجاسوس و ترقيه و تقربه بحيث لا يشعر بتاتا انه اصبح للعلن لانه في تلك الحالة يتم تغييره و ربما في تلك الحالة من التغيير يأتي بشخص لا نعرف من هو.؟ ، و قد تكون انت ايها السائل عميل دون ان تعرف، تنقل بحسن نية ما يريدونه في مجالسك بواعز الوطنية التى تكشف اسرار و خبايا الحفاظ على الدولة . انك بمجرد ان اعلنت عنه و اعرفت الحضور فقد اثرت العيون و الحواس ضدنا و لم يعد بأمكاننا الاستفاده منه .

واضاف الملك المؤسس : ليس ذلك فقط، بل بامكاننا ان نحول هذا الجاسوس الى شخص نستفيد منه لينقل لنا معلومات عن اعدائنا  و ربما اكثر من ذلك ، الا تعرفون لورانس العرب .

هذا الملك العربي الدهي الذكي المحنك ، لم يكن حاكم منطقة عبر "نهر الاردن " و هو الذي انتزعها بحنكته و دهائه و احقيته من فم احفاد "ريتشارد قلب الاسد" ليحولها الى مملكة كادت ان تفترس من قبل اشقاء وابناء صموئيل و عيزرا و غيرهم. بل كان للملك عبد الله الاول مدرسة في بعد النظر و الرؤية الواقعية لمستقبل ما يحدث في المنطقة .

اليوم و بعد اكثر من خمسة عقود و نصف ، و بعد حالات مشابهه كانت معروفة للملك الراحل الملك الحسين استفاد منها و قربها و ابعدها و انهاها ، مع اختلاف الدول التى كانوا يتبعون لها و الشخوص و جغرافيتهم المتعددة و اصولهم المتجذرة ، يصادف الاردن اليوم حالة غريبة من الهجوم و الادعاء على شخص رئيس الديوان الملكي الحالي ، الساعد الايمن للملك عبد الله الثاني ، الدكتور باسم عوض الله . و هجوم ينتشر مثل النار في الهشيم في جرائد و صحف الكترونية و مجالس و رسائل هاتفية بل و تخصص له حلقات تلفزيونية .

و بالطبع ، فأن اي عاقل يعرف ان ما يتم ليس جهد فرد ، و ان عمل منظم يقوده جمع منظم ذو مصلحة خاصة ضد هذا الرجل.

 و البداية كانت من هجوم عاصف في مجلس النواب الاردني من قبل نائبة اردنية هي السيدة ناريمان الروسان ، و التى ادعت في المجلس ان رئيس الديوان الملكي الحالي جاسوس يعمل لصالح اليهود و امريكا و اتي لبيع البلاد ، و ذلك على خلفية التوجه الاستثماري الذي يقوده رئيس الحكومة الاردنية نادر الذهبي باقتدار . و مع ذلك فقد اوقفها عن الحديث رئيس مجلس النواب المهندس عبد الهادي المجالي و قال لها هذا ليس اختصاص السلطة التشريعية ، و ليس لمجلس النواب حق التعرض لمن هم في الديوان الملكي .

و اقصد هنا الاشارة الى نقاط ثلاث هامة في الحياة السياسية الاردنية ، و التى هي مدرسة فعلية لتطبيق و عدم تطبيق حدود الديمقراطية و ادبيات العمل السياسي و التشريعي و التنفيذي ـ و تداخلات بينية افقية و رأسية في اولويات التعاطي مع ما يحدث .

النقطة الاولى ، هي حدود و حقوق النائب ، ضمن شفافية العمل السياسي ، في توجيه الاسئلة و ليس الاتهامات ، الى كل شخص في الدولة ، بداية من الحاكم الى المحكوم . و التى في مثل تلك القضية تخلت النائبة عن الاصل في السؤال و الاستفسار ، و هو حقها ، الى الاتهام الشخصي  و هو ما يحاسب عليه القانون ما لم تقدم الادلة و تفند ما تقول بمستندات رسمية موثقة .

النقطة الثانية ، الحكومة الاردنية هي صاحبة الولاية في كل قراراتها على كافة اراض الدولة ، و لها الحق في البيع و التأجير و ما يلزم و غيرها ، دون اي عودة الى اي كان في مؤسسات الدولة التشريعية ، و لكن حق المؤسسة التشريعية ان تسأل و ان تحصل على رد ضمن مفهموم الشفافية . و هنالك فرق بين سيادة الدولة و الولاية ، حيث وقع بعض المسؤوليين و خلطوا بين المفهومين في نقاشاتهم مع رئيس الحكومة حول بيع اراض المملكة الاردنية لمستثمرين عرب  .  ان بيع او تأجير اراض مثلا في العقبة مثل الميناء او في عمان مثل المطار او في اربد مثل المنطقة الصناعية او غيرها من المناطق التجارية او الطبية او العسكرية لا يندرج تحت السيادة و لا يفرط فيها ، حيث لا تفقد الدولة سيادتها اذا باعت او اجرت ارضها.

الحكومة ، اي حكومة  ، تفعل ذلك و هنالك مؤسسات تتابع شؤون تلك الاراض فيما بعد البيع  و تحتسب الضريبة عليها و قوانين تنظيمها و انظمة البناء عليها و استخداماتها و غيرها من الامور .البيع و الايجار لا يفقد الدولة سيادتها .

 و لكن الم تؤجر حكومات سابقة اراض اردنية في معاهد السلام ؟ و في عهد رؤساء حكومات يتهمون فيها الحكومة الحالية ؟ و الم تسمح حكومات سابقة بـتأجير مناطق و بيع اراض في الديسي و بدون شفافية ؟ و الم تقم حكومات ببيع ممتلكات بنك البتراء و دون شفافية ؟  و غيرها و غيرها من امور حدثت في عهد سابق .

ان ما حدث في العهد السابق كانت الشفافية فيه تعنى ان يتحول السائل الي محكمة امن الدولة . اما اليوم ، و في عهد الملك عبد الله الثاني فالامر مختلف و دليل على الخطوات الديمقراطية نحو دولة عصرية تقوم على بناء اقتصادي سليم و استثمارات مدروسة لخدمة الدولة الاردنية . و لا غبار على حق او واجب .

اذا كان هذا هو تفريط في سيادة الدولة ، من منطلق مفهوم احد نواب مجلس الامة الاردني  او عشرة نواب ، فمعنى ذلك ان مارجريت ثاتشر باعت سيادة الدولةالبريطانية عندما خصصت السكك الحديدية و ان بيع اراض في شيفلد اليوم انتقاصا من سيادة بريطانيا ، و ان الحكومة الامريكية باعت السيادة عندما خصصت وسائل النقل و سمحت بالمطارات الخاصة مثلا ، و ان الحكومة الفرنسية باعت سيادة الدولة عندما سمحت بالخصخصة ، و ان الحكومة المصرية انهت سيادة الدولة عندما اعطت اراض شرم الشيخ لمستثمرين اقاموا عليها اجمل بقاع السياحة في البحر الاحمر ، وان الرئيس السادات باع سيادة مصر عندما باع و اعاد استثمار معسكرات الجيش المصري في الاسكندرية ، و ان حكومة دبي باعت دبي ثلاث مرات عندما سمحت بالتملك الحر و شراء الاراضي و بناء ناطحات السحاب و الذي شكل استثمارا بقيمة مائة و ست و تسعين مليار درهم  . اليس هذا هو مفهموم بعض المعتدين على شخص رئيس الديوان الملكي و المتهم بفكرة البيع و الاستثمار ؟. و في الجانب الاخر هل استطاع العرب ان يجردوا امريكا من سيادتها بشرائهم الاراض و العقارات هناك ، و هل استطاع العرب بصناديقهم المالية و الاستثمارية في امريكا ان يضعوا لهم موطيء قدم في السياسة الداخلية او الخارجية الامريكية ؟ بالطبع لا ؟ .

ان الاموال ، البيع ، الاستثمار ، الايجار ، في اي دولة و من خلال كل التشريعات و الانظمة هي بدواعي الاستثمار البحت .

العالم اليوم يعيش حالة جديدة من الاقتصاد الحر و السوق المتنامي و فرص الاستثمار العالمية العابرة للقارات . اليوم المغرب و تونس و الخليج بأكمله منفتح امام الاستثمارات و امام رجال الاعمال و امام النهضة العمرانية التى تسمح بالشراء و البيع لاراض و شقق و عمارات و مطارات و حتى الطرق ، فهل حكومات تلك الدول تنازلت عن سيادة الدولة ؟؟.

اعتقد جازما ، انهم متمسكون بالسيادة الى اقصى الحدود ، و لكنهم يتعاطون مع الاستثمار بنكهة عقلانية لاجل مستقبل مشرق بعيدا عن مزايدات و غوغائيات اصحاب الاجندات الفردية و الضيقة .

شراء لندن من قبل الاثرياء العرب لم يفقدها السيادة ,و بيع ديزني لاند في فرنسا للامير الوليد بن طلال لم يفقد فرنسا سيادتها ، و شراء ناطحات السحاب في اسبانيا من قبل المغرب لم يفقدها سيادتها ,وبيع و تأجير مساحات من بحر الصين لسيدة اماراتية لاجل صيد و انتاج الكافيار لم يفقد الصين سيادتها وغيرها من الامثلة تؤكد ان لا علاقة بين البيع و السيادة و ان هنالك خلط واضح لدى بعض من النواب و حتى من المسؤوليين الاردنيين ، و هوبحاجة الى حملة تنظيف العقول من فيروسات مرض العدوانية و الجهل بعلم حواسيب الاقتصاد الحر و الاستثمارات الامنة وولاية الحكومة  .

ثالثا : رئيس الديوان الملكي الدكتور باسم عوض الله ، و الذي هو خريج امريكا و حاصل على شهاده الماجستير و الدكتوراه في الاقتصاد و المال من بريطانيا (جامعة لندن ) ، و التى هي من اعرق جامعاتها  ، بدء حياته في مكتب الامير زيد بن شاكر ، شابا عمليا اقصى ما كان يسعى اليه هو ، ربما من حيث اعتقادي و معرفتي به ، ان يكون امين عام وزارة يقود اعمالا بحكمة و خبرة الرجل التنفيذي . لم يحلم يوما بأن يصل الى ما وصل اليه و لم يكن في فكره او طموحه ان يصبح وزيرا للمالية او التخطيط كما حدث معه في حياته العملية .

فقط هو شاب عصامي مجتهد الى اقصى حد في عمله تماما مثل التلميذ النجيب . و بالتالي لم يكن للمخابرات الامريكية او غيرها اي دور، لانه لم يكن يشكل رقما في حساباتها . هو فقط رجل نشيط وعملي الى اقصى حد و اقدر من يقوم باعمال السكرتارية التنفيذية لملك او حاكم ،و لديه المقدرة الفائقة على اعداد الملفات و المعلومات و التحاليل المالية و التخطيط .  و لكن للاسف ، عندما يرتقى اي شخص سلم الرفعة و شرف العمل مع الملوك تنهال عليه السهام من كل صوب و جهة ، خصوصا و اذا كنت هنالك احقاد ملل و طوائف و جغرافيات باهتة .

و لكن بالطبع ، و بعد ان احتضنه الملك عبد الله الثاني ، و وضعه على يمينه ، فمن البديهي لكل مؤسسات صنع القرار العالمية الامريكية و الاوروبية و العربية ان تحتضنه و تتقرب منه ك ما يعتقد البعض ، و في حال ان اسقطه الملك من منصبه فسيسقط معها كل تلك العلاقات و الاهتمام به  و حبال الوصل السري، الا من بعض من يصبحون اصدقاء له على مستوى شخصي و لاعلاقة لذلك بالعمل حينها .

عموما ، و اقصد هنا تحديدا ، انه لا يجوز القاء التهم على اي كان جزافيا، في دولة القانون ، و تحت اي سبب ، و حتى ان وصل الامر الى انه جاسوس ، ( كنية عن بيع اراض لغير الاردنيين ، و هي كنية خاطئة لغويا) ، كما قالت النائبة في البرلمان و كما صرحت للاذاعة الفرنسية . في حديثها لقناة نورمينا الاردنية يوم الثلاثاء التاسعة و النصف مساءا في هجومها على الاستثمارات التى يجري الحديث عنها و في سهامها الى رئيس الديوان الملكي، تراجعت بأ، صرحت ان رئيس الديوان المكي صديقها و لكنها لا تسمح للصداقة ان تتغول على مصلحة الوطن .

الحكمة تستمد من الملك عبد الله الاول كما اسلفت في بداية المقال ، ان صح الادعاء و الذى يشكك فيه الاكثرية ، و ان الجمع ليميل الى التشكيك في الاتهام بقدر اكبر من الاتهام السيء غير المسند.

البعض يعتقد ان تلك الحملة ناتجة من قبل بعض رجال ذو علاقة بالامن يحركون اطرافا هنا و هناك ، و لهم مصلحة في اثارة خلاف بين رئيس الحكومة الحالي ، و شقيقه مدير المخابرات و رئيس الديوان الملكي ، وان بعض ما يثار ناتج عن تلك العلاقات التى تؤمن اتصالات و تسهل عملية لقاءات متلفزة و احاديث صحافية ، في مفهوم غير جديد للضرب تحت الحزام لان الضرب فوق الحزام غير مسموح به بعد . و لكن هنالك وقاحه تبدو على السطح قد تتفاعل الى ضرب فوق الحزام ايضا .

مرة اخرى حدود حقوق النائب في البرلمان الاردني ، الديوان الملكي و رجاله ، الاتهامات دون اسناد قانوني و ادلة و بينات ، حق الدفاع و مسائلة الدعاة ، حق تطبيق القانون و شرعية محاكمة الوزراء امام مجلس الامة ، و غيرها من الامور في الساحة الاردنية بحاجة الى من يدق جرس لايقاظ العقل السياسي و الاستفاده من حكمة الملوك  ، صمام امان الاردن. 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com