| أمطار المخابرات الأمريكية وأمتارها |
د. عبدالفتاح طوقان |
|
Dec 9, 2006 |
|
سابقا ، كان مجرد الحديث مع أي من اعضاء بعض السفارات تسند له تهمة "التخابر مع دولة اجنبية" و كان الحكم يتراوح ما بين عشر سنوات الى عشرين عاما.
الامس القريب ، انقلبت الاية ، و اصبح المسؤول الامريكي يرافق مواطن و يذهب معه بطابورسيارات مصفحة الى قريته و اهلها الطيبين و يجمع معلومات عن عشيرته و توجهاتهم و يعرض افكارا و يحمل بالهدايا و الكل يتفرج دون ان ترمش له عين ، بل بات هذا السفير و ذاك يحمي بعض من مخلفات انسانية تمارس" عادة السياسة السرية" و هي مخدرة بالوهج الامريكي ، مغلفة بواقي يمنع المسائلة عند الجماع السياسي .
اليوم ، يأتي في "وضح النهار" عضو مجلس الشيوخ الامريكي و رئيس لجنة الامن و المخابرات فيه ( بيتر هوكسترا)، و يرافقه ضابط مخابرات مسؤول امريكي ( جيمز والس ) و يجتمع ( اجتماع سياسي استخباري في المقام الاول) ، في منزل وزير اردني سابق على العشاء من الساعة الثامنة الى الحادية عشرليلا في ثلاثاء دامي و بحضوروزراء سابقين ( اعذروني عن ذكر اسمائهم و اكتفي بحقائبهم السابقة ) ، منهم وزير اعلام و وزير خارجية ووزير مياه ووزيرمالية و رئيس وزراء و عضو من مجلسي الاعيان ضمن اخرين و باعتذار من وزيرين ، ليسمع منهم عن "مستقبل الاردن" و الحريات التى تقدمها امريكا لهم ، و عن رأيهم فيما تقوم به امريكا في العراق ؟ بل و يتسائل في خبث ما رأيكم لو يوما ما تلك الديمقراطية جعلت امكانية انتخاب الحكام متاحة.؟ و ما رأيكم في الانتحاريين المدججين بالاحزمة الناسفة و لماذا يفرح الشعب مع كل محاولة ضد اسرائيل او امريكا ؟ وماتعليقكم على التيار الاسلامي المتنامي ؟ ، و يضيف ان امريكا تخسر المليارات في العراق لاجل جلب الديمقراطية لكم في الشرق الاوسط ، و يضيف لقد اتت امريكا لتنقذكم و تقدم لكم الحريات و عليكم ان تشكروها ليستمر التصويت على دفع الدعم المالي للاردن من خلال الكونجرس و غيره من الاحاديث التى اختلف البعض معه عليها.
لقد تحدثوا في كل شيء الا في اهمية الابقاء على الملكية التى هي صما م الامان في المنطقة قبل ان تكون للاردن . السبب انه لا يجرؤ احد.
و ليس من قبيل المصادفة ان الحديث بداء من كلمة عضو مجلس الشيوخ بأنه يسعده لقاء تلك الوجوه الطيبه بعد زيارة سرية الى دشمق و لقاء مسؤوليين كبار . لآنه يريد ان ينشربينهم خبر عن لقاء سوري امريكي سري ، ربما لم يحدث ،و يستخدمهم اداة ترويجية لافكاره ، و لكن هذا هو اسلوب الحرب النفسية المعروف في التخابر الاعلامي.
حلو الكلام ، ذكر بعض من السياسيين انه لو حدث هذا في زمن عبد الناصر او السادات او حافظ الاسد او صدام لالقى القبض عليهم جميعا و اودعوا سجن ابو زعبل و المزة او ابو غريب. و لو كان في عصر مدير المخابرات الخامس لالقي القبض عليهم في الاجتماع ، ام المدير الرابع فكان ان القى القبض عليهم و هم في طريقهم الى الاجتماع و لا اريد ان اصل الى الاول لان الله توفاه .
و لا اريد ان يفهم قصدي محاسبتهم على اللقاء ، و لكن لمجرد التفكير و النظر فيما يحدث اليوم في الساحات السياسية العربية ، و علنا . و بالمناسبة فأن للقاء ايضا ايجابيات حتى يعرف الوزراء كيف يفكر الامريكيون و نواياهم .
البعض يعتقد ان لو كان الحديث مع أي شخص غير امريكي لاختلفت الصورة و ربما تم ترحيل الدبلوماسي من اصله ، و لو كان اللقاء مع تيار اسلامي او نواب معارضين ربما القي القبض عليهم تحت اعين كاميرات التلفزيون باعتبارهم ارهابيين و مخربين يسعون الى قلب نظام الحكم بالتامر مع دولة اجنبية.
و لكن الحريات التى تطلقها امريكا ، و تخشاها الانظمة ، تسمح باكثر من هذا الاختراق في داخل المجتمع العربي ، بل تمرر من خلالهم رسالة الى الانظمة مفادها : احذروا من اللعب معنا ، فنحن قادرين على التغيير و لدينا رجال في الداخل نحميهم و نبقيهم.
هل تلك مهمة، حلقة ،ترتيب ، حادثة، مؤامرة، محاولة، مغامرة،رسالة، مواجهة، اختراق تجسس،محاكمة،مراقبة،خلفية، دردشة ، ترحيب ، تعاون ، ام عشاء عمل ، ماذا ؟.
كل هذا و غيره هو جزء من مدرسة المخابرات الامريكية التى استخدمت طبيبا يحمل الجنسية الامريكية و هو من اصل اردني يطمح في العمل الدبلوماسي الامريكي في احد السفارات لتريتب اللقاء. و قد كان الاسبوع الماضي في عمان .
بكل المقايسس يجب الا تمر تلك الاحاديث دون احساس بمعنى الرسالة من الاجتماع ، بغض النظر عن اهمية الحضور او مواقفهم الوطنية او بواعثهم لحضور اللقاء ، واضعين في الاعتبار عوامل رئيسة اربع.
اولا فكرة استبدال النظام لدى العقل الباطن الامريكي و التى تراود السياسيين منذ فترة ، و قد كان ذلك جليا من خلال تسريب كلمة "ماذا لو الديمقراطية جعلت امكانية انتخاب الحكام متاحة ، هل تعارضوا الديمقراطية ؟ ، وهي نفس الجملة التى استخدمها السفير الامريكي منذ اكثر من خمسة عشر سنة في احتفال السفارة الامريكية بعيدها الوطني في عمان لعضو مجلس اعيان ، عندما سأله : ماذا لو اصبح الحكم بالانتخاب ، و عندما اجاب عضو مجلس الاعيان مستغربا ننتخب من و نحن دولة ملكية ؟ فاجابه السفير الامريكي ليكن فلان مثلا ؟. فخرج منزعجا و ابلغ حينهااحد كبار ضباط المخابرات الاردنية عن الحادثة و الشخص ، و تناقلتها في خوف و سرية بعض من الصالونات السياسية. اذن هي اشارة عالقة في الذهنية السياسية الامريكية و اراد الامريكيون تمريرها مجددا و قد مرت .
ثانيا ضعف الدور البريطاني حاليا امام الهيمنة الامريكية بعكس ما كان وقت الرئيس ريغان و مارجريت ثاتشر ، و التى وقفت مع الابقاء على النظام الهاشمي و الملكية في الاردن بحزم . اليوم بريطانيا بامكانها ارسال اشارات الى امريكا فيما يتعلق بالبقاء على الملكية و لكن لا يمكنها من الاصرار او التأييد او حتى الابقاء على موقفها مثلما كانت في القرن الماضي. و اقصد انه ستكون اشارة مجاملة لا اكثر. بريطانيا لا يمكنها منع سقوط المطر الامريكي في وحل الشرق الاوسط ، و ليس لديها عازل او غطاء يمنع تسرب المياه الى الارض الموحلة .
ثالثا الانسحاب الامريكي الجزئي المقرر مع نصف شهر يونيو من العراق 2007 و ما سيترتب عليه من تحولات في العراق اولا و المنطقة المحيطة به ثانيا و الذي يسبق الانتخابات النيابية الاردنية التى من المتوقع ان تتم في شهر يوليو 2007 .هذا الانسحاب من العراق سيؤثر على الساحة الاردنية بلا ادنى شك ، و ربما يؤدي الى الغاء الانتخابات او تأجيلها او وصول تيارات رعدية و صاعقة الى البرلمان . هذا مع العلم بأن وزارة الداخلية الاردنية بدأت بالتحضير و اعداد الكشوفات الانتخابية و دون الاعلان عن ذلك للصحف و منذ خطاب الملك الاخير بضرورة الانتخابات النيابية .
و قد يغيرالانسحاب الامريكي" الامتار الجغرافية " تمديدا او تقليصا في المنطقة، خصوصا مع تسريب خارطة الشرق الاوسط الجديد من جهة و رغبة اسرائيل في انهاء الصراع الى الابد ، حتى وان كان الصراع مجرد كتابات ورقية و صراخ خافت لمريض على حافة الموت.
رابعا اهمية الدور المناط به الاردن على الساحة الداخلية ، بعد استبعاده مرحليا من أي الادوار الخارجية (و قد بدا هذا واضحا عند زيارة الرئيس الامريكي بوش للاردن مؤخرا و تحدثت الصحف الامريكية عنه ) .
فاذا لم ينجح الاردن في اتمام دوره الداخلي اولا ، و في ارضاء الساحة المحلية وتنفيذ الرغبات الامريكية بهذا الخصوص ، فان الاحتكاك السياسي التى توفر له ارضا خصبة" سياسة امريكا في العراق " قابل للاشتعال .
وهذا ما يستلزم حكومة سياسية قوية ( تحدث عنها رئيس الوزراء الحالي قبل اجراء التعديل و لم يفلح بالاتيان بها و اخراجحاه الى الضوء ) ، تتشكل من " كهلة الساسة " ووقودها "قيادات شابة " تأخذ على عاتقها الابقاء على الدولة و النظام وتقف ضد المخططات التى تحاك .
حكومة قادرة على التعامل مع الامطار التى تهدد بسيولها الارض و تفسخ تربتها ، وقدارة بأن تبني سدودا تجمع المياه العذبة و تمنع الجفاف السياسي المستمر الذي قد يحول الارض الخصبة الى بور . حكومة اقتناص الفرص قبل ان تضيع واعية على التطوير المطلوب في الشكل و الاداءقبل و اثناء و بعد سقوط المطر فالامتار السياسية المتاحة لا ينفع معها القياس بالشبر.
هكذا كان سابقا و الامس القريب و اليوم ، اما غدا ، فبدون حراك سياسي واعي للمرحلة ،فأن حرق سفن البحر الميت وشيك و لا يوجد شيئا غير قابل للتخيل فيما يمكن ان يحدث للعربة ومن يجرها. و يكون الساسة بوضعهم الحالي هم من شجعوا امريكا على فعل ما لا يريده الشعب لوطنه و نظامه ، و قاموا بصلاة استسقاء سياسي منحرفين عن االقبلة في الاتجاه الخاطيء للامتار المروية.
|
-
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |