عمل المرأة... جوهر حياتها والمجتمع.

إيمان أحمد ونوس

emanahmad59@maktoob.com

Feb 03, 2008


الوردة...النسمة...الجنة، القصيدة, الواحة والأرض مفردات وتسميات أنثوية, وهذا إن دَلَ على شيء فإنما يدل على ما تتمتع به المرأة من رقة وشفافية وحنان, تَغَزَل بها الشعراء, وتغنى بها الأدباء, وأجاد رسم ملامحها الداخلية قبل الظاهرية الفنانون ..

 ولكن، هل نالت المرأة ما تستحقه كإنسانة هي أساس المجتمع ونصفه لأنها صانعة الأجيال بتربيتها للنصف الآخر...؟ وهل وصلت للمكانة التي تليق بها وهي مانحة الحياة للبشرية ..؟

لا أعتقد ذلك, لأن المجتمع يقف منها موقفاً متبايناً نتيجة موروث اجتماعي ترسخ عبر مئات السنين لصالح الرجل .

فبعد أن كانت المرأة في حقب زمنية سالفة هي السائدة بمسؤولياتها ورعايتها للقبيلة, وبعد أن كان النسب لها في أولادها... بعد هذا ونتيجة التعقيد في مهام الحياة وتطورها وتعدي مسؤولية الرجل حدود البيت إلى حماية القبيلة أثناء الغزوات, وتأمين مستلزمات العشيرة, هنا بدأت مكانة المرأة تتقلص شيئاً فشيئاً, حتى اقتصرت على رعاية شؤون البيت والأولاد, إضافة إلى أنها تنازلت عن جزء من دورها, باعتمادها على الرجل في معظم شؤونها, وبقيت هذه المكانة تتراوح بين مَدٍ وجزر, فتارة يكون دورها إيجابياً فعالاً, حيث تشارك في حياة المجتمع وقيادته, وتارة تستكين لما يُملى عليها من شروط واعتبارات وتقاليد اجتماعية تُهَمِش دورها ومكانتها . 

ولكن وبغض النظر عن كل هذه الأمور, وإذا  بقينا في الواقع الحالي للمرأة, فإن تواجدها ودورها داخل البيت لا يقل شأنا وأهمية عن مشاركتها خارجه, بإدارتها لتنظيم الحياة الاجتماعية والتربوية والاقتصادية المنزلية, فهي التي يقع على عاتقها الهَمُ الأكبر. ونحن عندما نعتبر أن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع, فإننا نعترف بشكل غير مباشر بقيمة المرأة وأهمية دورها وعملها داخل البيت عندما تقوم بتربية أطفالها وتعليمهم وتهيئتهم بشكل صحيح من الناحية النفسية والجسدية والأخلاقية, تكون قد هيأت جيلاً فعالاً مثقفاً يساهم في تطوير وتنمية المجتمع على كافة الصعد .

إن هذا العمل( التربية) في المنظور القريب عمل غير محسوس، لكنه في المدى البعيد ذو فعالية عالية واستثمار للمستقبل وتطوير للمجتمع وللقيم الاجتماعية والأخلاقية, ومن هنا لا يمكن أن يكون عملها كربة منزل عديم الأهمية، أو غير منتج, فكم من الساعات والأيام, وكم من العمر يمضي في خدمة الأسرة ورعاية شؤونها، وبالتالي في خدمة المجتمع. فهل نستطيع القول أن عملها هذا غير منتج ...؟ بالعكس أنه قمة الإنتاج, وحتى الإنتاج المادي, لكنه إنتاج غير مرئي, فهي إضافة لرعاية شؤون البيت من طبخ وغسيل وغيره نجدها ممرضة, معلمة, موجهة ومشرفة تربوية لأولادها، لزوجها، لنفسها, وفي هذه الحالة فإن المرأة التي يقتصر عملها داخل المنزل تقوم بعدة وظائف غير مدفوعة الأجر وغير متمتعة بحق الراحة والإجازة أو العطلة الرسمية. بينما الرجل يعمل خارج البيت بأجر وبإجازة سنوية.

من هنا كيف يمكننا التغاضي عن أهمية عمل المرأة داخل البيت وفاعلية دورها من كافة الجوانب، بالوقت ذاته كيف يمكننا كمجتمع أن نتخذ منها موقفاً متبايناً كإنس,انة ندفع بها للتعليم والعمل والكسب المادي، ونقف متفرجين، أو متهمين لها إن عملت داخل أو خارج البيت...؟!! فالموظفة  مسؤولياتها مضاعفة لأنها تعمل داخل وخارج البيت, فهي عندما تعود من عملها الخارجي للبيت تنتظرها مسؤوليات كبيرة وكثيرة داخله, وللأسف قلة هم الأزواج أو الرجال الذين يساهمون في هذه المسؤوليات الداخلية فغالبيتهم يكتفي بعمله خارجاً، وحين يعود يمارس حقه كرجل ريثما تنتهي هي من مهامها الداخلية في البيت وكأنه لا حقَ لها بالراحة مثله .

 أليس هذا حجباً ورفضاً للكثير من حقوقها كإنسانة ...؟

 أيضاً وبعد كل هذا إذا أردنا أن نتحدث عن حالة ينفصل فيها الزوجان, بعد أن تستحيل الحياة بينهما وتخرج المرأة من البيت الذي أمضت فيه عمراً تساهم في تأسيسه وتكوينه الاقتصادي والاجتماعي, فإنها تخرج خالية الوفاض خصوصاً إذا كانت غير منتجة, بحجة أن الزوج هو الذي يعمل, فالمال ماله, وكل ما أُسس داخل هذه الخلية هو من كد يمينه ...‍‍‍‍‍‍‍‍‍.‍‍‍‍!

أليس هذا هو الظلم بعينه بعد كل ما قلناه عن أهمية دورها وعملها داخل البيت .؟؟ حتى المهر يتم التلاعب في تأديته لها إذا تَمَ الانفصال بشكل رسمي وقانوني . هذا المهر الذي ينظر إليه الأهل على أنه حماية لحقوق ابنتهم عندما تتم الخطوبة,‍ أية حقوق هذه والرجل يحتمي بالقوانين والأعراف الاجتماعية ويتغنى بذكورية المجتمع, ولا يتوانى عن التفاخر بأنه قادر على جعل المرأة تتخلى عن كل حقوقها, وحتى عن أولادها عندما تسوء العلاقة بينهما, فكيف لا تتخلى عن المهر الذي يُغالى فيه عند تحديده بحجة أنه حماية لحقوقها ومستقبلها .

أيضاً وكما أشرت في البداية فإن المرأة ذاتها تتخلى عن بعض حقوقها ودورها عندما تكون اتكالية لا مبالية معتمدة على الرجل في أبسط وأعقد الأمور والمهام .كما أنها تكون هي نفسها ظالمة ذاتها حين تضع قدراتها وإمكانياتها في أمور وقضايا تافهة وخارج عملية البناء والتنمية الاجتماعية والعلمية والاقتصادية.

فكيف لا تكون الكلمة الأولى والمكانة الأولى للرجل من حيث التراتبية الاجتماعية عندما تقبل المرأة أن يُسأل هو عن كل الأمور, خصوصاً عندما يريد تكوين أسرة ..؟؟؟ فمنذ البداية هو المسؤول عن كل شيء مادياً من تأسيس البيت وتأمين مستلزماتها هي من ذهب وملبس ومهر, وهي فقط تأتي لتكمل محتويات البيت..!

 كيف يمكنها أن تطالب بدورها إذا كانت غير مشاركة وفاعلة في تأسيس تلك الخلية والتي من المفروض أن تكون مملكتها وواحتها .؟

هنا على المرأة, خصوصاً المتعلمة المثقفة والمنتجة أن تقف جنباً إلى جنب مع الرجل في تأمين كل مستلزمات الحياة المقبلة داخل عش الزوجية, كما عليها أن ترفض الهستيريا التي تلازم تحديد مهرها بحجة أنها متعلمة ومنتجة ويجب أن يكون مهرها أعلى من مهر الفتاة العادية ....!!!!

إن مسؤولية المرأة تجاه نفسها أكبر من مسؤولية الرجل نحوها ونحو تقدير أهميتها وفاعليتها ومكانتها ... وإذا لم تساهم المرأة بنفسها في احترام دورها ومكانتها لا يمكن لرجل, وخصوصاً الذي يحمل الموروث الاجتماعي الشرقي أن يحترم دورها وإنسانيتها.                 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة arabissues@yahoo.com