لقاء مع الكاتب والأديب عدنان كنفاني

إيمان أحمد ونوس

emanahmad59@maktoob.com

March 18, 2008


                                                        المرأة الفلسطينية... بلورت تجربتها بالتضحية.

       لقاء أجريته مع الأديب والكاتب عدنان كنفاني بمناسبة يوم المرأة العالمي وعيد الأم

 

قد يكون للمرأة العربية قَدَرٌ يختلف عن أقدار معظم نساء العالم, وأن يكون لها خصوصية رائعة لا تتمتع بها سائر نساء الكون, لأنها تمتلك من الحب والدفء ما يجعلها تحمل أمومتها بين ثناياها فوق كل الاعتبارات والاحتياجات.

ولكي نتعرف, أو نلقي الضوء على خصوصية المرأة العربية عموماً, والفلسطينية التي تحمل خصوصيتها في عمق أمومتها, التقينا الكاتب والأديب الفلسطيني( عدنان كنفاني), وأعتقد أن الاسم يحملنا إلى ذكرى مبدعنا الشهيد( غسان كنفاني) فهو شقيقه.

·   قضية المرأة من القضايا الشائكة والمتشابكة بأبعادها. ما دور الأدب في تلك القضية( تحرر المرأة)....؟

·   نعم, إن قضية المرأة شائكة, ولكن ببساطة التعبير أقول: بأن كل ما يدور علناً, أو في الردهات, أو في

المؤتمرات فيما يتعلق بالمرأة, هو الذي زاد المسألة تعقيداً, وتحت الشعار المبهر( قضية تحرر المرأة), يحدث كل هذا الصخب غير المبرر, ما يطرح في كل الأوقات هو شعار براق مفاده( تحرير المرأة) عنوان جميل... ولكن كيف يمكن أن نفهم المقصود من تحرر المرأة..؟ هل هناك معايير مثلاً...؟ هل هناك سقف وحدود..؟ وتحررها من ماذا..؟ هل من سطوة الرجل مثلاً..؟ أم من القيود الاجتماعية, أم من تقاليد الأسرة والمجتمع..؟ أم من أنوثتها...؟

ولو دققنا البحث, وكان العدل والحياد ديدننا, لوجدنا أن أكثر هذه الشعارات ساقطاً, بدليل أن المرأة الآن وفي مجتمعاتنا ذات الخصوصية التي يجب أن نفهمها بالشكل الصحيح, تتوازى بالحقوق والواجبات مع الرجل, بل أكثر, فهي الآن تأخذ أكثر من حقوقها وتقدم أقل من واجباتها. وإذا كانت تعاني من بعض الظروف الاجتماعية, فالرجل يعاني أيضاً من ذات الظروف لأنها ظروف دخيلة وليست متأصلة.  ولو أمعنا النظر والتدقيق لوجدنا أن الموضوع برمته, كما يُطرح علينا من الغرب, لا يتعدى زوابع مفتعلة مستندة إلى حجج واهية ليس لها أصل ولا منطق. فالمرأة في مجتمعنا العربي والإسلامي- ويجب ألاَ نغفل هذه الناحية- تتمتع حقيقة بالمساواة, ولو تجولتِ في الدوائر الرسمية الوظيفية, لوجدت تواجداً لها يفوق تواجد الرجل, وفي المؤسسات الخاصة أيضاً, وفي مجالات السياسة والتجارة والصناعة والزراعة وإدارة الأعمال.. الخ, ولو اطلعت على القوانين النافذة التي يُعمل بها, لوجدت أنها تتمتع بذات الحقوق تماماً كما الرجل, فهي تتفوق على المرأة الغربية بتقدير الدين لها بما يصل مرتبة التقديس. فأين تقع وسط كل هذا مسألة التحرر..؟ هل التحرر الأخلاقي مثلاً..؟ وهذا الانجراف المرعب نحو وضع المرأة الآن في أسواق الجواري كسلعة للجنس فقط.. هل هذا هو التحرر..؟ هل عندما تفقد المرأة أهم وظيفة خُلِقَت لها وهي الأمومة على أرض أنوثة يعني أنها تحررت..؟ نحن الآن نسمع عجباً, المرأة نصف المجتمع وأكثر, فهي وعاء الخلق, هي الأم والأخت والزوجة والصديقة والحبيبة والشريكة, فلماذا تخرج المرأة من هذه المنظومة القدرية الفطرية بحجة التحرر غير المسوغ..؟

أما الذين يروجون ويصدرون لنا هذا المشروع المشوه, فهم الأكثر استخفافاً بالمرأة التي تتعرض في مجتمعاتهم يومياً للإذلال.

·   في المجتمع الغربي, تشكلت نظرة سلبية عن المرأة الفلسطينية, مفادها أن تلك المرأة متجردة من عاطفة الأمومة لأنها تدفع بأبنائها إلى الموت, وتزغرد عندما يستشهدون. ما هو أثر المرأة الفلسطينية في النضال ضد الاحتلال الصهيوني..؟

·   وهذا أيضاً يقع في دائرة التشكيك..؟ ومن يستطيع أن يُلغي عاطفة فطرية سامية كعاطفة الأمومة..؟

أقول لك سيدتي أن المرأة الفلسطينية التي تعيش في واقع صعب, استطاعت أن تستولد ثقافة جديدة لمفهوم الأمومة, وهذا ما فرضته الأحداث المرعبة التي تستهدفها وتستهدف أبناءها وبيتها وزوجها وأسرتها. عندما يقولون أنها فاقدة لمشاعر الأمومة, فمن باب أولى أن لا تنجب, بدلاً من أن تدفع أولادها إلى الموت كما يدَعون..؟ من يستطيع أن يفهم أو يعبر عن حزن امرأة فلسطينية فقدت فلذة كبدها, تودعه على وقع الزغاريد..؟ لكنها الحياة تفرض على من يستحق الحياة أن يمضي بشوط التضحيات إلى ما لا نهاية تكريساً للوجود, كي نخلق من قلب الموت حياة, هو أرقى مفهوم لحب الحياة. إن المرأة الفلسطينية تخلت عن كثير من حاجاتها من اجل تحرير وجود وتأصيل انتماء, وحملت مسؤولية رعاية تربية أجيال, فقدت الكثير من حقوقها الفطرية في الحياة, لكنها وهي تحمل البندقية, وهي تودع فلذة كبدها, وهي تصارع المستحيل رغبة في الحياة, تستطيع أن تحب, وأن تنجب في كل صباح. هي ضريبة الانتماء, والمرأة الفلسطينية خير من عبر عنها بالفعل لا بالشعارات, وهي تعطي أبهى الصور للمرأة في العالم.

·   إن نضال المرأة الفلسطينية, إضافة إلى العمليات الاستشهادية للفتيات الفلسطينيات, قد بلور معرفة المرأة لذاتها ولقدراتها , ولدورها في الحياة . ما مدى انعكاس هذا النضال على حرية ووعي المرأة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة. ومن ثم بالشتات.؟

·   أثرها في مسألة الصراع والنضال ساطع, والدلائل شواهد على الأرض, وهي تساهم بقدرة فائقة ورائعة بتقديم أغلى التضحيات من أجل أن تكون شريكة في صنع المستقبل, ولا أستطيع أن أفيها حقها وحجم عطاءاتها. ثم ولأنها نصف المجتمع, ولأنها انطحنت في دوائر الأحداث, ولأنها تفهم مسألة المساواة بالشكل الصادق, فهي

تجاوزت كل الشعارات وكل الترف, وكل الأحلام الرومانسية, ورسمت لوجودها خصوصية قلَ أن نجد لها مثيلاً في العالم, وبين نساء العالم. فهي بحجم عطاءاتها تتجاوز كل اللغط الذي يدور حول التحرر, والضربة التي لا تقصم الظهر تقويه, وعلى ما أعتقد, ولا أريد أن أكون منحازاً, أقول بأن المرأة الفلسطينية ورغم كل ما يبعدها عن جدليات الوعي والتحضر والتحديث, فهي تفهم تماماً الأولويات في حياتها, وتفهم دورها, وهي تعطي بلا حدود.

·   على المسرح السياسي الفلسطيني داخل الأرض المحتلة, وبعد الانتخابات الأخيرة ونتائجها, لم نلمح تواجداً يذكر للمرأة, ثم لم نسمع صوتاً نسائياً في إطار النضال السياسي والاجتماعي باستثناء- حنان عشراوي وفدوى البرغوثي- ما تعليقك..؟

·   دعينا نخرج من مسألة الانتخابات, فهو أمر ذو شجون, ولا أريد الغوص في مستنقعه. لكن يقيناً أقول لك بأن هناك سيدات أكثر من أن تحصيهن يعملن في الحقل السياسي والاجتماعي والفني والطبي, وفي كل مرافق الحياة. وأستطيع أن أعدد لك أسماء العشرات وفي كل المجالات الحياتية.

أنت لم تسمعي بأصوات نسائية في الانتخابات ليس لأن المرأة الفلسطينية ليس لها وجود, ولكن تحديداً لأن المخطط المرسوم والمفروض على الواقع الفلسطيني الحالي هو المسؤول. إن المرأة الفلسطينية التي تعرضت كما كل شرائح المجتمع الفلسطيني إلى معاناة ليس لها مثيل, فرضت عليها تحمل أعباء جديدة وثقيلة, لكنها صمدت وستصمد لأنها تحمل إرثاً وطنياً وقومياً وتاريخياً وتراثياً, ولأنها تدرك أنها بذلك تكسر حواجز التشدق ورفع الشعارات الجوفاء الداعية إلى تحريرها. 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة arabissues@yahoo.com