|
التحليل النفسي للجريمة |
إيمان أحمد ونوس |
|
Aug 16, 2008 |
عُقدت في المركز الثقافي- أبي رمانة ندوة بعنوان: (قراءة ي كتاب التحليل النفسي للجريمة) لمؤلفة الدكتور القاضي عبد الأحد سفر.
وقد قُسمت الندوة إلى محورين تناولا الكتاب بالبحث الدقيق والتفصيل الاختصاصي.
فالمحور القضائي تناولته الدكتورة كندة الشماط المدرسة بكلية الحقوق- جامعة دمشق، أما المحور النفسي والقائم على أسس مدرسة التحليل النفسي المعتمد على نظريات" فرويد" فقد تناولته المحللة النفسية مرسلينا شعبان حسن، ثم قام مؤلف الكتاب بالتعليق على كلٍ من المحورين، فكان جو الندوة أشبه بمناقشة رسالة دكتوراه على حدّ قول مدير الندوة الإعلامي عبد الرحمن الحلبي.
أولاً- المحور القضائي:
تناولته المحامية كندة شماط قائلةً:
نبدأ القول من خلال الفكرة المُستنتجة من الكتاب ومن العمل الميداني بأنه لا يمكن أن يبقى التفاوت بين الدراسات القانونية، والدراسات الإنسانية عامة قائماً في أيّ مجتمع وإلاّ وصلنا لدرجة من الجمود الرهيب الذي يصيب الإنسان بخلل فظيع عملياً ونفسياً.
لقد تناول الكتاب الجريمة كظاهرة اجتماعية سرد من خلال تسع وأربعين جريمة عدة نظريات حول تفسير أسباب الجريمة، إذ هناك من يقول: ( حتى اليوم لم نستطع أن نحدد بدقة المكان الذي تتفجر منه الدماء) ومعنى هذه العبارة أن الأسباب الحقيقية للقيام بأية جريمة لم يتم التعرف عليها بشكل صحيح أودقيق.
وخلال حديثها استعرضت المحامية شماط بعض الآراء حول أسباب القيام بالجريمة، فمثلاً عند- لامبروزو- يجد هذا العالم أن التكوين العقلي والعضوي للإنسان هو السبب لحدوث ظاهرة الجريمة، ولكن من خلال نقد هذه النظرية يمكن القول بأن الإنسان البدائي لم يكن مجرماً بالفطرة، وإنما نتيجة لعوامل عدة دفعته لذلك كان منها حسب بعض المؤيدين أو المعارضين لـ( لامبروزو) عوامل اقتصادية، نفسية، اجتماعية، وربما سياسية.
أيضاً، الفقه حاول أن يمازج العوامل الفردية مع العوامل البيئية المحيطة بالإنسان( مناخ، اقتصاد،... الخ) كأسباب للجريمة، مثلاً بعض الأشخاص الذين يعيشون في مناخ حّار قابلين للقيام بارتكاب الجرائم أكثر من غيرهم ممن يعيشون في مناخات معتدلة.
تعلق المحامية شماط: لم يحاول الكاتب نهج ما نهجه غيره من خلال البحث عن دوافع الجريمة، بل حلل الجريمة وأطلعنا على نفسية المجرم الذي هو إنسان سوي لكنه تعرض لظروف معينة وضعته في مثل هذه الحالة، كما أن الكاتب ألقى الضوء على بعض المجرمين وبيّن أن جرائمهم وقعت نتيجة لاضطرابات نفسية عديدة، قد نُلاحظ حولنا أشخاصاً يعانون من ذات الاضطرابات لكنهم ليسوا بالضرورة مجرمين.
ويمكن أن نستنتج بعض أسباب الجريمة من خلال ما عرضه الكتاب كمثل حلم الثراء، مع أننا جميعاً يمكن أن نحلم بالثراء، ولكن من غير المعقول أن نكون مجرمين.
أيضاً الفقر كمسبب للجريمة، فليس من الضروري أن يكون جميع الفقراء مجرمين.
ويبقى السؤال المحيّر: لماذا يُقدم شخص ما على ارتكاب الجريمة..؟
هنا تظهر تجربة الكاتب وفرادة كتابه بأنه حاول الإجابة على هذا السؤال من خلال دراسته لكل قضية على حدة، فنحن في القضاء، ومن خلال العمل الميداني عندما نمسك ملفين لجريمتين متشابهتين بالموضوع كالسرقة مثلاً، نجد أن لا تشابه بين الجريمتين لا من حيث الظروف المحيطة بكل منهما، ولا حتى من خلال ردّات فعل المجرمَين، فكل جريمة واقعة قائمة بذاتها منفصلة عن غيرها.
عرض الكتاب جرائم من المجتمع الغربي والمصري، وهنا كان التعليق على الكتاب بأن أسباب الجريمة في المجتمع الغربي ليست معروفة في مجتمعاتنا، وبالتالي لا يمكن أن تحدث.
والرد على هذا القول، بأن الفضائيات والانترنيت قد قلّص المسافات بين المجتمعات، فمن خلال عرض الأفلام والمسلسلات تتم السيطرة على عقول الشباب والعبث بها، وهذا ما يؤكد حدوث جرائم مشابهة لما يحدث في أي بلد غربي.
أما فيما يخص الجرائم التي تحدث في المجتمع المصري، فقد تناول الكتاب جرائم الريف المصري، ذلك لأنه قريب في تركيبته الاجتماعية من الواقع السوري، وخاصة من حيث تعامل الإنسان البسيط ( قليل الذكاء) مع الجريمة وكيفية إقدامه عليها، وهنا وضّح أنه ليس كل المجرمين بالغي الذكاء، فربما تشكل قلة الذكاء أحياناً لغزاً يحيط بالجريمة ذاتها.
مثال عن جرائم الشرف في الريف المصري، فقد أقدم شاب على قتل ابنة عمه المخطوبة لغيره بعد محاولة الاعتداء عليها بدافع الحفاظ على شرف العائلة. هذه الجريمة قام بها إنسان بسيط ولم يتمكن القضاء من فكّ طلاسمها إلاّ بعد اعتراف المجرم بفعلته، وهنا تتضح لنا الآراء الاجتماعية والعادات والتقاليد التي تُصبغ على هذا الشخص حالة نفسية معينة أدت به لارتكاب الجريمة وهذا مشابه لما يحدث عندنا.
أيضاً قد يكون الدفاع عن قيمة سامية في الحياة سبباً من أسباب الجرائم، فمثلاً قتل أحدهم بغية الحفاظ على منظومة قيمية معينة في المجتمع.
وتنهي المحامية شماط مداخلتها بالسؤال عن تسمية الجريمة باللغز، هل كان المقصود بذلك أن الجريمة غامضة لدرجة كبيرة..؟ أو أن ظروفها ومرتكبها إنسان بسيط لدرجة لم ينتبه لها رجال القانون فوقفوا عاجزين عن حلّها..؟
(( نطلب من الكاتب رفد مكتبة كلية الحقوق بمثل هذا الكتاب لما له من أهمية قانونية))
وهنا علّق الكاتب بقوله: اللغز عند القاضي شبه معروف، لكنه يحتاج إلى كثير عناء وتفكير شخصي عميق، وليس بالضرورة أن يكون ما هو واضح وأمام الأعين أن يكون منطبقاً على واقع الحادثة، المهم في العمل طريقة تفكير الإنسان، فمهما كانت الأدوات والتقانات حديثة في الكشف عن جريمة ما، فذلك لا يلغي أبداً دور العقل عند العامل على كشف الرموز والبحث عن الحقيقة.
ثانياً- المحور النفسي:
تناولته المحللة النفسية مرسلينا شعبان حسن قائلةً:
أجدني في موقف صعب تجاه كتاب أثنى عليه الجميع، لكني أقف منه موقفاً آخر لأنه يدخل في علم النفس التحليلي، وسيكون تناوله خاص جداً من حيث منهجيته التي وللأسف يفهمها القارئ بشكل مختلف، وأحياناً بشكل يُسيء لعلم التحليل النفسي.
لكن ما يهمني أن هذا الكتاب هو فرصة جيدة للتواصل بين الحالة القانونية والحالة النفسية، والربط بينهما من أجل تطوير العمل القضائي وإصباغ صفة الإنسانية عليه.
تتابع، يقول مصطفى صفوان: ( كلما ضاقت فسحة الفكر، كلما ازدادت حدّة العنف.)
وهذا ما يوضح سبب تنامي حوادث القتل مثلاً، ومن هذا المنطلق أقول بأنه لا يوجد منطق ولا عقلانية إلاّ في سيادة القانون بين البشر، وفيما عدا ذلك فهو عنف.
من هنا يمكن أن نعرف الجريمة على أنها سلوك عنيف يخضع لنزوات غريزية حيوانية لا سبب لها سوى العنف. هناك عدة نظريات تفسر سلوكيات الجريمة هي:
1- نظرية /لومبروزو 1966/ وتعتمد على الغريزة عند الإنسان.
2- نظرية علماء الاجتماع التي ترفض النظرية السابقة، وتقول بأن شذوذ الإنسان سببه التربية.
3- نظرية فرويد وتقول أن الواقع في التدمير يعود لنزعة الموت.
4- نظرية اسكنر، وتفسر العنف والجريمة بناءً على العوامل الاجتماعية.
5- النظرية السلوكية وتتبع لسلوك كل شخص على حدة.
يقول فرويد: ( هناك دافعين يتحكمان بسلوك الإنسان، هما دافع الحياة ودافع الموت، ويبقيان في صراع مادام الإنسان حيّاً، فمتى غَلُبَ دافع الحياة عمّ الخير، ومتى غَلُبَ دافع الموت غلب الشر.)
هذه الجريمة صعّدتها أحداث الحرب العالمية الأولى، والتي حصدت حسب فرويد/20 مليون/ قتيل، ووجد من خلالها أن ظاهرة العنف على صعيد الكون مدمّرة للإنسانية ولا يوجد منطق لتفسيرها. وهكذا حلل فرويد سلوك العنف الإنساني بأمرين:
1- سحر الكلام: فالكلام يمكن أن يخفف من حدة العنف أو يزيدها، ومن خلال القانون الدولي يَرى أن الدول الديموقراطية لا تعلن الحروب لأنها قادرة على التواصل بالكلام.
2- علاقة العنف بالسلطة والسيادة: فالسلطة لا تثبت شرعيتها إلاّ بالقانون، ومن خلال التنازع على السلطة يحدث النزاع الأهلي، مثلاً الشعب الأمريكي تحكمه جملة قوانين تحدد الحقوق والواجبات، ويعيشها الناس بشكلها القانوني لا بشكلها ودوافعها الإنسانية.
هناك مقولة شائعة: " العنف يخلق الفوضى، والنظام يخلق العنف، والفارق بينهما أن العنف باسم المتعة يخلق الفوضى ويؤدي إليها حتماً."
أما العالم( لاكان) فقال: " بأن نواة العنف الإنساني هي المخيلة، وهذه المخيلة أداة لإشباع النزوات."
فالكتاب الذي نعالجه اليوم من حيث البعد التحليلي النفسي ينقصه الكثير من التخصص، لكن هذا لا يُقلل من قيمته، فما وضّحه الكاتب هو العوامل المختلفة للإجرام والسمات النفسية للمجرم، وهذا ما أتفق معه عليه. وبناءً على مقولة العالم لاكان، فالحلم هو لغة اللاشعور وله أسساً مهما كان هذا الحلم مرمزاً، لقد صار الحلم مفهوماً بعد نظريات فرويد، ولم يعد لغزاً.
وهناك تفسير للحلم على أنه لغز بالقول:
( إنّ اللغز ما هو إلاّ تحقيق وهمي للرغبات المكبوتة)
إن هذا الرأي هو حديث عن سلوك مرضي معين ناتج عن مرحلة ما من مراحل النفس( الأنا العلى، الأنا الأدنى، المرحلة الفموية، المرحلة الشرجية… الخ)
ما أتفق مع الكاتب عليه أن الجرائم التي تحصل في مرحلة النوم( جرائم السير أثناء النوم) هي من عمل اللاشعور، كما أنني أُعجبت بتقسيمه للجرائم( طبيعية، بيئية محيطة، غير طبيعية، التطورات الحديثة للبشرية..)
وبناءً على ذلك فالكاتب وضّح لنا صورتين للمجرم( مجرم إيجابي، ومجرم سلبي) وهنا فالمجرم السلبي هو:
1- من انعدمت أهليته الجنائية( مريض).
2- أو شاذ أُصيب بخلل عقلي جزئي.
يمكن الاعتماد على القاعدة المعرفية التربوية أيضاً كمنحى جديد للبحث في أسباب الجريمة، ففي كل تربية مراقَبَة للحقائق الملموسة تتم معرفة خفايا النفس وبالتالي معرفة الوسائل التي تحلّ معظم الجرائم.
من جانب آخر يُوضح الكتاب أن هناك ألغازاً لا يستطيع المحقق فكها ولا حتى المجرم ذاته، وهذا برأيي يظلم نظريات التحليل النفسي.
أختم بأن الكتاب مفيد للفت الانتباه لضرورة تواصل العمل القانوني مع البعد النفسي لحل طلاسم أية قضية.
وقد علّقَ الكاتب بقوله:
(( في قانوننا العربي هناك بعض الجرائم لا يُبرأ فيها المجرم، بينما يُبرأُ منها في القانون الغربي مثل جرائم السير أثناء النوم، أيضاً طريقة الرسم، أي رسم الوجوه من خلال وصف الشهود وأخذ القواسم المشتركة بينها، هي طريقة مهمة جداً، لكنها غير معتمدة في قانوننا. أيضاً العين وما تحفظه في النظرة الأخيرة قبل الموت، هي غير معتمدة في قانوننا، لكن عندما يتم الاعتماد عليها عندنا، فذلك من قبيل الاجتهاد الشخصي البحت الذي لا قانون مؤيد له، لكن عندما نجد المجرم يشكل خطراً على نفسه وعلى غيره، هنا نعتمد على الحالة النفسية للمجرم كسبب من أسباب حدوث الجريمة. فالقاضي أمامه قانون معين واضح عليه التقيّد به، وإن كان ضمنياً في بعض الأحيان يرى ما يُخالف القانون أو لا يتوافق معه، لكن عليه في النهاية الحكم من خلال نصّ القانون فقط، وبالتالي لا يمكنه الاعتماد على اللاشعور كدليل على فعل الجريمة، لأنه وحسب سؤال القاضي الكاتب:
" من يثبت لي أن اللاشعور قائم فعلاً كدليل ملموس ومادي..؟؟"
مرسلينا شعبان حسن: هي أول من قامت بإنشاء مدرسة للمعوقين( توحد، صعوبات نطق..) من خلال روضة الأوائل.
لديها عيادة للتحليل النفسي، ورائدة سورية بهذا المجال كمجال عملي تطبيقي.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |