|
ردّ حول مقالة الأستاذ صلاح مومني |
إيمان أحمد ونوس |
|
Apr 03, 2008 |
ردّ حول مقالة الأستاذ صلاح مومني
في اليوم العالمي للمرأة بعنوان:
(المرأة العربية في اليوم العالمي ، حقوق منقوصة لأنها من صنع ذكور القبيلة)
الأستاذ المحترم... صلاح:
استوقفتني مقالتك باليوم العالمي للمرأة لما ورد فيها من بعض النقاط الإيجابية والحقيقية السليمة بما يمتُ لواقع المرأة الغربية ليس فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما في معظم بلدان أوربا التي تتشدق بالديمقراطية وحرية وحقوق الإنسان.
وأضيف لما أوردتَه، أن فرنسا بلد الحرية والديمقراطية تحتل فيها المرأة ، المرتبة الأولى في العالم من حيث تعرضها للضر مثلاً.
وما الحرية التي ينادي بها الغرب عموماً، إلاّ حرية زائفة وسطحية إن كان لجهة حقوق الإنسان وما يلقاه المهاجرون أو أبناء الطبقات الدنيا من المجتمع من تمييز واضطهاد لا سيما في بداية القرن الحالي، أو لجهة اضطهاد المرأة من حيث التمييز الجندري( أي على أساس نوع الجنس) إذ تعاني المرأة في هذه البلدان من عدم المساواة في الأجر والإجازة السنوية، إضافة إلى التحرش الجنسي أثناء العمل أو في الحياة العامة..
جاء تقرير الأمم المتحدة الصادر هذا العام عن أشكال العنف المختلفة ضد المرأة حول العالم مثيراً للشجون والألم، وكاشفاً عن حجم الانتهاكات الصارخة التي تتعرض لها النساء حول العالم، إذ كشفت الدراسات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية على مجموعة من الدول المختلفة أن نسبة انتشار العنف البدني الذي يرتكبه شريك حميم في أى وقت من حياة المرأة يتراوح بين( 13 – 61) في المائة. كما بينت هذه الدراسات وأد البنات في أستراليا، وإسرائيل، وجنوب أفريقيا، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، وأن ما يتراوح بين( 40 -70 ) في المائة من النساء اللائي قُتلن، قُتلن بأيدي أزواجهن أو أصدقائهن. هذا غيضٌ من فيض ما تعانيه المرأة الغربية.
في أمريكا هناك امرأة مغتصبة كل 6 دقائق، وفي
المكسيك كل 9 دقائق
تتعرض 6 ملايين زوجة أمريكية للضرب المبرح كل عام، وتموت أكثر من 400 زوجة أمريكية
جراء العنف الأسري سنويا، 65% منهن قتلاً بالرصاص على يد الزوج..!
في ألمانيا تتعرض 52% من النساء للعنف المصحوب بالتحرش الجنسي..! تقتل زوجة بيد زوجها يوميا في اسبانيا، وواحدة كل أربعة أيام في فرنسا..!
في ألمانيا تلجأ 45000 امرأة سنويا لبيوت النساء هربا من العنف المنزلي..!
أما فيما يخص المرأة العربية، فقد قلت:
((المرأة العربية كانت في جاهلية أجدادنا تُقتل وتُدفن حية على يد الرجل لكونها أنثى فقط وخشية العار، فلا يكون من حالها وحال أمها إلا الحسرة للأم والألم لها حينما كانت توارى التراب حية...))
صحيح أن المرأة في الجاهلية كانت تقع تحت نير ظلم لا مثيل له كالوأد، لكنها في ذات الوقت كانت في بيئات وفئات أخرى تنال حقها في بعض أمور الحياة، وخير مثال أمامنا السيدة خيجة بنت خويلد زوج الرسول"ص" ألم تكن تُعنى بالتجارة، وبمكانة اجتماعية رفيعة قبل الإسلام..؟ وأعتقد أن هناك الكثيرات سواها..
إن المرأة المسلمة اليوم قد تخلصت من وأد التراب وهي حية، لكنها تُوأد تحت مسميات عدة كجرائم الشرف، أو تعدد الزوجات، او سواها من أمور لم يفهم مُشَرِّعوها الهدف من تشريعها الاسلامي، وهذا الوأد الروحي والنفسي بتصوري أقسى وأعنف من الوأد الجسدي تحت التراب..
أعتقد أن لا كمال ولا مطلق إلاّ للخالق عزّ وجل، فكل مجتمع من المجتمعات عبر تاريخه ترك المرأة أسيرة شرنقة ذكورية ما، بما فيها المجتمع الاسلامي أيام ازدهار امبراطوريته المتحضرة...
إنني لا أرى في التشريعات المعمول بها حالياً ما يعلن عن أن الاسلام قد فوّض المرأة حريتها بنفسها تماماً حسب ما تقوله:
((ثم جاء الإسلام وقدم لها حقوقها كاملة غير منقوصة ، وفوضها حريتها بنفسها..))
إذ أنها لا يمكنها مثلاً أن تعقد قرانها لوحدها مهما بلغت من العلم والعمر، ولا يمكنها السفر منفردة دون موافقة ولي الأمر حتى لو كانت رئيس جمهورية، حتى في أبنائها لا يحق لها وهي التي أنجبت أن تصطحبهم في سفر دون موافقة الزوج...وهناك أمثلة أخرى كثيرة، فهل تعتقد سيدي أن هذه حرية غير منقوصة..؟؟!!
وهناك نقطة أخرى أختلف معك حولها، وهي أن التطور الحضاري الذي ظهر في منطقتنا العربية على يد روّاد النهضة، لا سيما في مصر أيام رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وغيرهم من رجال درسوا في جامعات الغرب، وحاولوا نقل ما يمكن أن يرتقي بمجتمعاتنا نحو التطور من خلال رفع الظلم والحَجْبْ عن المرأة، ولم يكن المقصود بهذه الحُجُبْ على ما أعتقد فقط حجاب الرأس، وإنما حُجُبُ التعليم والعمل وسواها...
هذا التطور لا يمكننا بأي حال أن نسميه انتكاسة في تطور المجتمعات، بل كان نقلة نوعية في حياة المجتمع العربي، والخروج به من غياهب التخلف الذي ساد عهوداً طويلة بفعل السيطرة الخارجية على الوطن العربي من حكم عثماني إلى احتلال أوربي عزَّزَ من تخلفنا بما يلبي مصالحه في المنطقة.
هذا ما نعرفه من خلال كتب التاريخ والدراسات الإنسانية والاجتماعية لتلك الفترة من تاريخ وطننا العربي...
((وكان أول ما كان من حالها أن هزمت حضارياً ،حينما هزمت المرأة في المجتمع بحجة الحريات الشخصية وحقوق المرأة التي نادى بها الدخلاء على أمتنا من عهد رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وانتهاء بكل المحدثين من جهلة الفكر والثقافة العربية والإسلامية.
لقد طالبوا أول ما طالبوا بتعرية المرأة.. وهذا بكل بساطة يعني شيئاً واحداً وهو أن الذين طالبوا بحرية المرأة بتعريتها، إنما طالبوا بحرية عيونهم في النظر وبحرية شهواتهم وغرائزهم بالتمتع خارج حدود المألوف من الشرع..))
إن في هذا المنطق إلغاء واضح وصريح لدور أديبات ومناضلات عَمِلْنَّ على تحرر المرأة من قيودها التي تُبقي على تخلفها الفكري، أمثال: ( مي زيادة، ماري عجمي، فريدة النقاش، هدى شعراوي، والمناضلة التي لا تُنسى جميلة بو حيرد..)
لا أعتقد سيدي بأن هؤلاء النسوة قد استُهلِكنَّ جسدياً من قبل من نادى بحرية المرأة من الروّاد...!!!
وفي مكان آخر تقول:
((وهم-الرجال السوء- من قاد حملة الفساد والإفساد بترويض المرأة الحيية على السفور ، حتى أصبح الحجاب مظهراً من مظاهر التخلف وصارت المراة تتباهى بما فيه من جاذبية للرجل....))
أقول سيدي، ليست كل مرأة سافرة بالضرورة إنسانة رخيصة، وإلاّ لكانت نساء الديانات الأخرى، أو الطوائف الأخرى جميعهنَّ رخيصات، مبتذلات، وما إلى هنالك من صفات ألمحها في قولك أعلاه..وإلاّ لما كان هناك مفكرون ومبدعون عبر تاريخ المجتمعات والتي يقع عبء التربية فيها على الأم.
إن العفة واحترام التقاليد والتمسك بالأخلاق ليست مرهونة فقط بالمرأة المحجّبة، ومحسورة عن المرأة السافرة، وأنت أدرى بذلك سيدي، وهذا ما يتعارض مع مواقفك شخصياً من احترام الرأي الآخر، وحق الآخر في الحياة وفق رؤيته التي لا تؤذي الإنسانية ولا القيم ولا الأخلاق، فما أعرفه عنك أنك مؤمن باحترام الرأي الآخر، وحتى الآخر ذاته...لذا ارتأيت أن أناقشك في هذا الموضوع.
أما بشأن ما طرأ على مجتمعاتنا اليوم في زمن العولمة المقيتة، وفي وقت باتت معظم الدول والهيئات الدولية( رسمية وغير رسمية) تتدخل في شؤوننا الخاصة، وفي حياتنا اليومية بحجة حقوق الإنسان والحرية والمساواة، فأنا أوافقك الرأي في بعض ما يتم تداوله هذه الأيام من محاولة لإضعاف دور الأسرة وتشتيتها عبر مفاهيم ومقولات تقلص دور القيم والأخلاق والتربية، من مثل الحريات الجنسية أو الفردية( استقلال الأبناء بعمر/18/) مما يبدد المجتمع ويُضعف تأثير الأسرة على التربية.
(( وجدنا أن مؤسسات دولية ، ومؤسسات حكومية محلية تقوم على إفساد البيت والأسرة بوضع قوانين فاسدة، أدخلت مجتمعاتنا من بوابة حرية المرأة ، وإن شئتم فلتنظروا قوانين الخلع التي أتت من "مزابل" مؤتمرات بكين و مستنقعات مؤتمرات الأمم المتحدة التي تتعلق بالمرأة.))
لكن بالمقابل لم يكن مؤتمر بكين مزبلة أبداً، وما صاغه هذا المؤتمر لا يمكن أن يندرج تحت لواء ما يتم المناداة به اليوم من جمعيات وهيئات مشبوهة هدفها هدم قيمنا الاجتماعية والأخلاقية.
وإذا كان مؤتمر بكين قد تناول مسائل تتعلق بقوانين الأحوال الشخصية في بلداننا العربية التي لا تُنصف المرأة فيما يتعلق بقضايا الزواج والطلاق، فما هذا إلاّ من قبيل التخفيف من أعباء وأضرار تقع على عاتق المرأة جراء حقوق منحها الشرع أو القانون للرجل ضد المرأة في هذه المسائل، كالطلاق التعسفي، أو رفض الطلاق والبقاء زمناً ليس بالقليل في المحاكم مقابل أن تنال المرأة حقها في الطلاق، وغالباً ما يكون مشروطاً بتنازلها عن حقها في المهر..!!!
فجاءت مسألة الخلع لتحل بعض الإشكاليات المستعصية في مجال الطلاق، وحتى الخلع فيه نصيب ليس بالقليل من ظلم المرأة، إذ غالباً ما تلجأ إليه المرأة مزودة بتنازلها عن مهرها بالاتفاق مع الزوج من أجل الإسراع في حل الإشكاليات القائمة بينهما.
أنا لستً مع حالات الخلع التي ذَكَرْتَها سيادتك، والتي تتعلق بالأخلاق والقيم، أنا ضد كل امرأة تستخف بإنسانيتها وأنوثتها، وتفرط بها دونما حساب لكينونتها وأخلاقياتها، لا سيما عندما تكون أمّاً، فالأمومة فوق كل اعتبار ذاتي أو عام...
(( المرأة العربية أخذت حقها من خلال الرجل فيما يرضيه ، لكن حقوقها التي تتعارض مع مصلحته بقيت طي الكتمان. حق المرأة في الميراث لا يزال في بداياته ، بل قد يكون غير موجود ، حق المرأة في التعليم غير منظم وفق خطط تنموية، والكثير الكثير من حقوقها البدهية ، وكل ذلك لأن الأمر يتعارض مع سطوة الرجل وسيادته.))
في هذا القول بعضاً من حقيقة لا يمكننا تجاهلها، وإن كانت هناك الكثير من الحقوق التي نالتها لم يكن الرجل راضٍ عنها تماماً، وإنما جاءت في سياق تطور مجتمعي – اقتصادي كعمل المرأة مثلاً، والذي كان مرفوضاً تماماً لدى بعض الشرائح، أما اليوم وبسبب العوامل الاقتصادية التي تركت آثاراً سلبية على الحياة المعيشية، صار لزاماً على المرأة المساهمة في تأمين مستلزمات الحياة المادية من خلال عملها خارج البيت..
أما ما تطرقت إليه من حقوق الميراث وما شابه من حقوق، فإنها فعلاً ما زالت تحبو بخطا وئيدة، وكل امرأة تطالب بهذا الحق في الأسرة تُنْبَذْ من أقرب الناس، وباعتقادي فإن قاعدة( للذكر مثل حظ الأنثيين) لها دور كبير في تعزيز رفض توريث المراة.
((لا شك أن حجم الظلم الواقع على المرأة العربية لا يماثله ظلم في أي بقعة من بقاع العالم ، وقد سخرت لما يبهج الرجل بينما هي تعيش مأساتها....))
نعم أستاذي، هذا هو وضع المرأة العربية في كافة الاتجاهات، وحتى داخل الحياة الزوجية، إذ غالباً ما تكون خليلة وعشيقة في أمسيات رومانسية، وما أن يطلع النهار حتى تتحول بقدرة الرجل لجارية أو أدنى من حيث النظرة لجهودها المبذولة في خدمة الأسرة والأبناء، ومن حيث جعلها ملاذ قهر الرجل الخارجي، بأن يفرغ هذا القهر في روحها وجسدها ضرباً وتوبيخاً، فأي تناقض تعيشه المرأة- الزوجة في كنف زوج مفروض عليه التعامل معها بمودة ورحمة...
إن إصلاح قضايا المرأة لا يمكن أن يتم إلاَّ في إطار إصلاح مجتمعي شامل للقيم والأخلاق والفكر والاقتصاد... الخ.
(( أقولها لك سيدتي ... ابنتي ... أختي وأنا أب لأربع بنات ... وخيانتي لك بالقول أو الرأي خيانة لهن ... فمن منا يقبل أن يخون ابنته؟!!! فهن اللواتي ربين في نفسي الوفاء للمرأة ... سواء كانت أماً أو اختاً أو جارة ...))
الله ما أروع هذا الإحساس الأبوي لديك تجاه أربع زهرات يبهجن الروح والحياة، والأروع أنهن رَبْيّنَ في نفسك الوفاء للمرأة بكل حالات صلتك بها( أماً، أختاً، زوجةً، وجارة أو قريبة..) وهل أصدق من هكذا وفاء نحمله من خلال تربيتنا لأبنائنا، فنتعلم منهم ومن خلالهم الكثير من معاني البراءة والوفاء والإيثار...
أقول لك سيدي وبكل افتخار، أنني وبحكم قراءاتي واحتياجات كتاباتي بمسائل قضايا المرأة والمجتمع، كنت قد قرأت قانون الأحوال الشخصية السوري، لأجل الاستفادة، فوجدت وعبر شرائع الديانات الثلاث، أن المرأة المسلمة أكثر احتراماً وحرية من أخواتها في الديانتين( المسيحية واليهودية) من حيث الكثير من الحقوق التي تتعلق بالمهر والإرث والطلاق، رغم تحفظنا على الكثير مما يتعلق بهذه القضايا، لكن لا يمكنني إلاّ أن أكون منطقية في تحليلي وحكمي على الأمور عندما يكون باب المفاضلة مفتوحاً أمام قراءاتي.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |