الأحداث زهور نديَة ... كيف نصونها..؟؟

إيمان أحمد ونوس

emanahmad59@maktoob.com

Aug 18, 2007


المراهقة..فترة مضطربة, فوضوية, وشاقة من حياة الأبناء يخشاها الكثير من الآباء. إنها الفترة التي تعقب الطفولة, وتمتد حتى سن الرشد. غير أن مقاييس هذه الفترة تتغير تبعاً للمناخ والبيئة الاجتماعية التي يمكن لها أن تفرض بعض التكيفات المبكرة أو المتأخرة.

ففي هذه المرحلة العمرية يختل توازن الشخصية ما بين الانسحاب من تحت جناح الأبوين, وما بين البقاء في ذلك الدفء الحنون. فالمراهق ينطلق برعونة في الحياة, باعتباره مبتدئاً فيها, حيث الجموح والانفعالات والتهور هي الصفات التي تميزه, إضافة إلى أحلام اليقظة الواضحة عنده.

وانطلاقاً من هذه الصفات مجتمعة, ونتيجة لعدم التكيف الاجتماعي في بعض الأحيان, فإن المراهق قد يكون عرضة للانقياد في أحد التيارات التي قد تلائم شخصيته وتربيته تناسباً مع الاهتمام الأسري والاجتماعي.

والجنوح هنا, هو الصورة الأكثر إيلاماً وخطورة, إذ غالباً ما تقع تلك الانحرافات دون مبرر مقنع إلاَ نقص الاهتمام, وهذه حالة تحمل في طياتها اضطرابات نفسية لدى الجانحين, وهذا أمر طبيعي نظراً للحماقة المخيفة التي تتصف بها بعض المظاهر الإجرامية في تلك المرحلة العمرية الحرجة.

ومن المؤكد أن إهمال الأطفال, وانهيار القيم الأخلاقية والإنسانية, والتخوف من المستقبل, هي من الأمور التي تشجع الميل نحو جنوح الأحداث. فالوسط الأسري بكل معالمه, هو المؤثر الأول والأساسي, إذ أن الطلاق, أو وفاة أحد الوالدين, أو سفر أحدهما, أو غيابه الدائم, يترك بصمات سلبية في الغالب على حياة المراهق وشخصيته. كما أن المحيط الاجتماعي وتضاؤل الحياة الأخلاقية هو أحد أهم العوامل الرئيسية. وعناصر هذا التضاؤل كثيرة ومنتشرة بشكل واسع في حياتنا الاجتماعية, إضافة لشروط تلك الحياة المترافقة بالإهمال, كالفقر والهوة الشاسعة بين الطبقات والبطالة والإدمان بأشكاله المتعددة, إضافة للإغراءات الخارجية. كما أنه لا يمكننا تجاهل الدور الهام والمؤثر لوسائل الإعلام والإعلان في شخصية هؤلاء الأحداث. إذ يكفينا تجوال قصير في المدينة لنتأمل الإعلانات التي يعرض بعضها لأفلام تحمل في طياتها الإغراء والإجرام, حيث مشاهد المسدسات المعروضة, أو الصور المبتذلة في هذه الأفلام والتي تغص بها صالات العرض عندنا. والمضحك في هذا الأمر أن إحدى الصالات في فترة العيد كانت تعرض لأحد هذه الأفلام, ووضعت بجانب الصورة تنويهاً يقول: ( العرض للكبار فقط) بينما رأيت الداخلين والخارجين من وإلى العرض هم من الأطفال والمراهقين, وهذا أمر خطير عليهم في هذه السن الحرجة, وعلى الجهات المعنية أن تفرض رقابتها الصارمة على تلك العروض كما تفرضها على باقي وسائل الإعلام كي تجنب أولادنا الوقوع في مصيدة الجنوح. كما لا ننسى ما تبثه قنوات التلفاز والفضائيات من برامج وأغانٍ تُفسد الذوق العام, وتعطل مفاهيم وقيم اليافعين, وتدفعهم لتبني قيم ومفاهيم منحرفة ومبتذلة تخرب الشخصية الداخلية والروحية لهذا المراهق.

ثم يأتي دور الكتاب, ففي هذه المرحلة يتجه المراهق لقراءة الروايات البوليسية والتي تحمل طابع المغامرة, وهذا ما يشد الفتيان في هذه السن, وذلك لاقتحام المجهول وإثبات الذات من خلال تشكيل عصابات قد تكون السرقة أحد مهامها , وقد يكون الدافع لذلك- إضافة لروح المغامرة- الغيرة من أقران لديهم الإمكانيات المادية للتمتع بملذات الحياة, أو قد يكون انتقاماً من الأبوين, أو الرغبة في إشباع حاجات شخصية. وغالباً ما تدفع هذه العصابات الفتى للتشرد الذي يؤدي لممارسة أفعال لا أخلاقية وانحرافات جنسية عند الجنسين. وذلك نتيجة البؤس والبطالة والمثل السيئ والممارسات الخطيرة التي تشجع مثل هذه الاتجاهات السيئة, كالتسول والسرقة والدعارة, إضافة إلى الهروب من المنزل والذي ينجم عن كل ما ذكرناه سابقاً. ولكن دوافعه قد تكون نفسية- سيكولوجية صرفة. لذا علينا أن نتقصى حياة هذا الحدث الداخلية والوجدانية وكيف ينظر للحياة, إذ ربما تكون هناك على الغالب قسوة في التعامل معه إن كان في البيت أو المدرسة مما يوقعه في الخوف من التأنيب والعقاب والإحساس بالإحباط, وبأنه غير مرغوب أو محبوب. وبعض حالات الهرب تهدف إلى أن يبين للأبوين مدى تعاسة هذا المراهق كي يخيفهما أو ينتقم منهما, إذ أن القسم الأكبر من هؤلاء الأحداث مصابون بعدم التوازن النفسي والعاطفي, أو أنهم لا يتحملون القسوة في التعامل حتى لو كانت في شكلها الطبيعي والضروري للتربية في هذه السن.

هناك أيضاً الفئة الأخطر من هؤلاء الأحداث الذين يُلاحظ عندهم عدم الانفعال وعدم الأخلاق, والذين لا يتمتعون بقابلية التكيف الاجتماعي والأخلاقي. لذا علينا نحن الآباء والمربين أن نُعطي جُلَ اهتمامنا لأبنائنا, خصوصاً في هذه المرحلة العمرية الحرجة والخاصة, والتي تمر سريعاً في حياة الإنسان, لكنها قد تترك وراءها مرضى كُثُر يحملون تلك المآسي إلى مرحلة الرشد, وهنا الخطر الأعظم. ولا ننسى كلمة الباحث الاجتماعي( رودان) الذي وصف المراهقين ( بالمحتفلين بالجمال) وهذا فعلاً ما يسيطر عليهم عموماً في البحث عن الجمال والقيم الروحية.

إنه العمر الذي تُطرح فيه المسائل الإنسانية الكبرى , عمر الاكتشافات السريعة في كافة ميادين الحياة. فالمراهق دائماً متعطش للمآثر الرائعة والإخلاص والنماذج العظيمة. فلنفعل كل ما بإمكاننا كي لا نحرم هؤلاء المحتفلين بالجمال بهجة احتفالهم, ولنعزز عندهم تلك القيم الإيجابية, ولنكرس لهم من وقتنا ما يتناسب مع طموحاتهم وشخصياتهم حتى يكون لدينا أفراداً أصحاء أقوياء من الناحية النفسية, يستطيعون التكيف والتلاؤم مع مستجدات الحياة وصعوباتها في بعض المراحل وهم يحملون صفات جيدة وروحاً رياضية تجعلهم بالتالي مربين أسوياء وقدوة حسنة وإيجابية.

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net