لأجل أمومة حرة... وسعيدة

إيمان أحمد ونوس

emanahmad59@maktoob.com

June 11, 2007


 

تغتني وتتغنى بأسمى العواطف وأنبلها , تحمل أجمل المشاعر وأصدقها . عاطفة غريزية تسكنها منذ التكوين , تحملها بين حناياها وخلاياها , لتهبها فيما بعد لصغارها دفئاً وثقة وأماناً , لحظة تصبح أماً .

فمنذ اللحظات الأولى , تحلم , تناجي هذا الكامن في أحشائها , تهبه الحياة بكل أبعادها , أولم يراه القلب قبل العين ؟1 فهو حقاً مهجة الروح , وبهجة الدنيا وزينتها , وأمل الغد الآتي . استمراراً لها يحمل مزاياها مثلما يحمل مورثاتها .

وعندما يبصر النور يحتل كل ثواني عمرها , بكل الحب والحنان تحيطه وترعاه , تفرح لابتسامته ومناغاته , تعتصر ألماً وتبكي لوجعه ومرضه , حتى تخالها هي المريضة , تنسى ذاتها وما حولها إلاه , وكأنها ما خلقت إلاَ لأجله . تحرم نفسها اللقمة لتطعمها له , وكأنها ليست بحاجة للغذاء , تجعله رفيق سريرها خشية خوفه من ابتعادها عنه حتى أثناء نومه .! , وكأنها بلا رفيق ولا حاجة للراحة معه  . تمارس أمومتها متناهية العطاء والحنان بكل خلجاتها , وتصر على تلك الأمومة حتى بعد أن يكبر ويصبح بمقدوره الاستغناء جزئياً أو كلياً عن تلك الرعاية , وكأنها لا تريد لذاك الحبل السري أن ينقطع بينهما . تؤكد على أمومتها بكل أبعادها الغريزية والاجتماعية . وهذا ما يبعدها عن الذات والحياة , ويجعلها متقوقعة في إطار تلك الأمومة اللاصحيحة بهذا الشكل . لأنها بذلك تفرز جملة من الأمور غير المقبولة والسليمة لها ولأبنائها . إذ أنها : 

-         تخلق أبناءً اتكاليين باعتمادهم الكلي عليها في تسيير شؤونهم واحتياجاتهم .

-         شعورهم بالاضطراب وفقدان الآمان إذا ما اضطرت للابتعاد عنهم ( مرض , واجب اجتماعي) لعدم إعدادهم لهكذا ظرف .

-          تحرمهم من تعزيز استقلاليتهم وبناء شخصية حقيقية واثقة بذاتها مدى الحياة , لتصبح هي محور تلك الشخصية ومرتكزها في كل توجه لاحق مهم .

-         تأسرهم بقصد أو بدون قصد بإطار الواجب والعرفان بالجميل أو البر , لأنها كرست حياتها كلياً لأجلهم – خصوصاً في حال عدم وجود الأب – وهذا ما يعيق توجهاتهم العملية والنفسية كي لا يشعروا بالإثم . هذا على صعيد الأبناء . أما على صعيدها الشخصي فإنها :

-         تحرم نفسها وزوجها من ممارسة الحياة بشكلها الطبيعي عندما تلغي إنسانيتها وأنوثتها , وإحساسها بالآخر .

-         تلغي ذاتها بإلغاء خصوصياتها وحياتها العلمية والاجتماعية , متقوقعة في إطار أمومتها فقط , وهذا ما يبعدها عن الآخرين والتفاعل معهم ومع الحياة . 

صحيح أن وجود الأم ولا أحد سواها ضروري جداً للطفل في سنواته الأولى تحديداً , لأجل تكوين وبناء شخصيته بشكل لائق , ولكن بحدود معينة , وليس بشكل مبالغ فيه. إذ عليها ومنذ صغره أن تترك له فسحة من الحرية يعبر فيها عن ذاته ( النوم , الأكل وحيداً , ...) وأن تساعده للاعتماد على نفسه في بعض شؤونه الخاصة , وتشعره أن لها الحق في الحياة بكل أبعادها , مثلما له حق رعايتها . وذلك حتى تتمكن من تنشئته بالشكل الصحيح والسليم . فمن قال أن حرمان الأم نفسها من الغذاء لتقدمه لأبنائها منتهى الحنان , بالعكس , لأنها بذلك تؤذي صحتها الجسدية والنفسية , وتجعلها عرضة للأمراض والوهن , وهذا ما يعيق قيامها بواجباتها تجاه هؤلاء الأطفال . ثم عندما تبتعد بشكل أو بآخر عن مشاركة زوجها ووالد أطفالها الحياة بشكل صحيح فهي تؤثر بشكل غير مباشر على صحتها وسويتها النفسية في التعامل مع ذاتها , والتواصل مع زوجها , وهذا من شأنه أن يخلق مشاكل بينهما دون معرفة السبب أحياناً , وهو في الحقيقة هذا الوضع الذي تعيشه , لأنه لم يعد هناك توازن حقيقي وصحيح في علاقتهما , وهذا أيضاً يؤثر سلباً على الأولاد الذين تلغي كل شيء من أجلهم نفسياً واجتماعياً , كما يجعلها خصوصاً إذا كانت في السابق تمتلك اهتمامات ومواهب فنية أو أدبية أو ما شابه , وتلغيها لمجرد قدوم طفل , يجعلها مضطربة , قلقة , لأنها فقدت إحدى أسس شخصيتها , وربما تشعر بفراغ داخلي قد لا تعرف مصدره أحياناً , ولكنه في الحقيقة إلغاء هذا الجانب المهم من ذاتها , وهذا ما يترك أثره السلبي على علاقتها بأبنائها وزوجها ومحيطها الاجتماعي ككل .

لقد ساهمت بعض وسائل الإعلام والمسلسلات بشكل غير مباشر بإعطاء صورة غير صحيحة للأمومة السليمة والحقيقية , عندما صورتها لنا نبعاً فياضاً من الحنان لا ينضب , ونكران للذات والآخر . وهذا ما جعل بعض الأبناء أو المحيط الاجتماعي يستهجن اهتمام بعض الأمهات بعملهن الوظيفي أو المهني أو هواياتهن , لأن هذه الأم بنظرهم تهمل واجباتها مقابل عملها , وربما يستهجن وجود أم تمارس أمومتها بشكل عقلاني ومنطقي عندما تعطي كل ذي حق حقه , لها ولأولادها , والذين تجعلهم يعتمدون على أنفسهم في القيام بواجباتهم الخاصة , بحيث تخلق منهم أبناء جديرين بالحياة بكل أبعادها وميادينها , دون إغفال حقها في ممارسة حياتها الشخصية مع تنظيم الوقت , إذ يعتبرونها مقصرة , أنانية , وغير حنون .

إن الحنان الأمومي الصحيح والسوي هو في تلك النفحات النفسية التي تمنحها الأم لشخصية قوية مستقلة وحرة لأبنائها مستقبلاً دون شعور منهم بالذنب إن ابتعدوا عنها بحكم متطلبات الحياة . فالأمومة التقليدية بهذا العطاء اللامتناهي من قبل الأم أول ما يترك أثره وفجيعته عليها بالذات أولاً , لأنها لم تكن تعد نفسها وأولادها للحياة القادمة , وبأنهم حتماً سيتركونها يوماً ليبدؤوا حياتهم بعيداً عنها وهذا أمر طبيعي . لكنها ترفض ذلك ضمنياً وتحزن , وقد تصاب بحالة من الاكتئاب لهذا الانفصال ولانقطاع الحبل السري الذي جاهدت كي لا ينقطع , متجاهلة حقهم في الحياة , حتى لو كان هذا الانفصال لصالحهم . وتفاجأ بكثير من القضايا التي تؤرقها لابتعادهم وانشغالهم عنها لتأسيس حياة وأسر جديدة . كما قد تعتبرهم ناكرين للجميل . وهذا مرده عدم ممارستها لأمومتها بشكلها المنطقي والعقلاني , وإلاَ لكانت سعيدة , واعتبرت أن هذا الشيء الطبيعي والمنطقي في الحياة . 

فالأمومة الحقيقية والصحيحة , هي واجب ومهمة إنسانية وتربوية تختارها الأنثى لبناء مجتمع سليم معافى نفسياً وأخلاقياً , ولاستمرارية الحياة بشكلها الجميل والراقي , لا أن تُحمل أبناءها وزر تقوقعها في بوتقة أمومة مرضية وغير سوية . صحيح أننا في مجتمع يتصف بالتكافل الاجتماعي , والروابط الأسرية المتينة , ولكن ليس للحد الذي نلغي فيه شخصية وحرية أبناءنا , وحقهم الطبيعي في الحياة وفق منظورهم هم , لا منظورنا نحن , والحجة أننا تعبنا وربينا وكبرنا .!!

من هنا تأتي ضرورة أن تكون الأم عاملة ومنتجة , بحيث لا تكون مستقبلاً عبئاً حتى على أبنائها . مما قد يشعرها بالضيق والحزن , ويشعر البناء بالتقصير الدائم تجاهها , خصوصاً أننا في زمن اقتصادي بالغ التعقيد , بحيث لا يستطيع الابن تأمين مستلزمات أسرته إلاَ بشق النفس , فكيف والأمر مع إحساسه بالتقصير تجاه والديه .

لذا علينا نحن الأمهات أن نمتلك قدراً كافياً من بعد النظر وتنظيم الوقت , وإعطاء كل شيء حقه في الحياة , حتى نجنب أنفسنا أولاً وأبناءنا لاحقاً القلق والحزن والحاجة. وأن نترك لأولادنا حرية العيش كما يرغبون .

 

  


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net