عندما يكون الخوف نعشاً للحرية.

إيمان أحمد ونوس

emanahmad59@maktoob.com

Jul 17, 2007


 منذ النشوء الأول عاش الإنسان لحظات الخوف البدائية.. خوف من المجهول، ومن كل طارئ وجديد.

حتى بعد أن ارتقى تكوينه البيولوجي والعقلي. واستمر هذا الخوف رفيقاً لاكتشافاته الأولى إن كان في مجال قوانين الطبيعة، أو في مجال العلاقات الإنسانية وقوانينها(اجتماعية، سياسية، أخلاقية، ودينية...الخ) وهذا ما كان في كثير من الأحيان يعيق تفكيره ويؤطر تطلعاته واكتشافه للحقائق بكل اتجاهاتها.

ففي مرحلة ما عبد الشمس والنار بسبب جهله لهما ولتكوينهما وخوفه منهما. وتتالت سلسلة المخاوف التي عززتها الأساطير القديمة، ومن ثمَ اللاهوت والأعراف الاجتماعية. ليأتي الخوف الأكبر الذي رافق ظهور أنظمة الحكم مع بدء التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، وبالتالي تأسيس نظام الدولة الذي عرف مراحل متعددة(الرق، الإقطاع، رأس المال) والتي تمَ فيها استعباد الإنسان ومحاصرة حريته التي فُطر عليها بولادته حراً.

وبالرجوع إلى كل التاريخ الإنساني في هذا المجال(الاستعباد) ندرك كم ساهم الخوف بتشتيت البنية الداخلية – النفسية للشخصية.

 إن الخوف يزعزع البنية النفسية والعقلية للفرد، فيشل قدرته على التفكير المنطقي والسليم، ويأسره داخل قوقعة الانغلاق على الذات، وبالتالي التخلف عن محيطه.

ويتم تطعيم الإنسان بهذا الخوف من خلال التربية الأسرية ، حيث يلجأ الأهل لإخافة الطفل كي يرضخ لما يريدون منه، والأساليب المتبعة في ذلك معروفة للجميع، ليأتي الخوف من سلطة الأب ووجوب تنفيذ تعليماته وأوامره، وإلاَ فالعصى لمن عصا والعقاب سيكون كبيراً وعنيفاً إن تجرأ أحد على مخالفته، دون النظر لما سيخلفه هذا الخوف على شخصية الأبناء ونفسيتهم، بل العكس كلما زاد الخوف كان يُنظر إليه على أنه احترام من قبل الأولاد للأب، وهذا مدعاة للفخر وحسن التربية والتهذيب..؟؟!!

كما  تحتل التربية الدينية وسلطتها حيزاً لا بأس به في تشكيل أطياف الخوف من حيث التعامل مع مبدأ العقاب والثواب والجنَة والنَار.. والدار الآخرة.

وتأتي القيم الاجتماعية التقليدية المتبعة في سياق التعامل الاجتماعي لتشكل رافداً جديداً وربما أقوى من كل الروافد التي تغذي هذا الخوف عند الفرد والمجموع.. من هذا المنطلق كان وما يزال خوف الأنثى من المجتمع- الذكر- بسبب هذا الموروث القيمي الاجتماعي . لتحل لاحقاً المدرسة  ومكان العمل والحياة الزوجية.. وهكذا إلى ما لانهاية من المراحل والأماكن التي يتواجد فيها الإنسان.

فلنتخيل حال من يعشش الخوف في داخله، ويرافق طفولته ونشأته وخطواته اليومية، ولنتخيل مدى عجزه عن تحقيق ذاته وما يصبو إليه من أهداف وطموحات. فكم من الأبناء خسر مستقبله العلمي أو المهني بسبب الخوف من مخالفة رأي الأهل في اختياره ما يحب وما يرغب إن كان في الدراسة أو ممارسة أي عمل يشعر أنه سيحقق ذاته وإمكانياته من خلاله...؟؟؟

وفي ذات  السياق.. أليس من الخوف من الامتحانات ونتائجها، وما يترتب عليها من فشل أو إخفاق في تحقيق الحلم، هو نموذجاً صريحاً وواضحاً..؟

 ثمَ أليس الخوف من الأنثى وعليها، هو سبب تخلفها وبقائها رهينة الأسر القيمي الاجتماعي بعيدة عن كل نجاح وتطور يحققه الرجل في كل ميادين الحياة..؟؟؟؟

ولنأتِ على حالة أخرى من الخوف.. هي الخوف من النظم الحاكمة وسلطانها إن تمَ التجرؤ على مخالفتها، فإما التقهقر والتراجع عن الأهداف، وبالتالي يكون الاستعباد والاستلاب والسجن داخل الذات. أو الرفض والمجابهة، وبالتالي السجن داخل زنازين زادها التعذيب واغتيال الحرية والكرامة الشخصية لهذا الثائر والرافض لتلك السلطة، وفي أفضل الحالات يكون النفي خارج حدود الوطن والمواطنة..؟؟؟!!!!

فكم لهذا الخوف الذي جُبل عليه معظمنا من تأثيرات فظيعة على مجمل أوجه المشاعر الإنسانية، والإبداع والحياة برمتها في هذه المجتمعات التي تكون متخلفة حكماً بسبب هذا القمع الذي يُمارس على الفرد من الأسرة والمجتمع ونظم الحكم. وهذا بدوره يُلغي ويقمع أية بادرة تطور أو إعمال للفكر والانطلاق بحرية في دروب الحياة نحو التقدم والتطور والارتقاء بالإنسان إلى حياة كريمة تليق بإنسانيته وتحتفي بحريته.

فها هي ذي أمريكا تزرع الكون رعباً وخوفاً بتفردها بحكم العالم في ظل غياب القطب الآخر والذي يُفترض أنه حليف الشعوب المقهورة... خوفاً استخدمته سلاحاً بحجة مكافحة الإرهاب تارةً، ونشر الديموقراطية تارةً أخرى، وما سبق ذلك من فرضٍ لعولمتها على الكون . عولمة مصاحبة لأحدث صنوف آلتها العسكرية، وتجريب بعضها في أراضٍ خارج حدودها، وعلى شعوب تستعبدها باسم الديموقراطية. هذا الخوف من أمريكا والذي تعيشه بعض الحكومات والشعوب، ما هو إلاَ بسبب الخلل النفسي والبنيوي في تلك المجتمعات، والذي يعطل الكثير من القضايا الوطنية الهامة والملحة في هذه البلدان كالحرية والديموقراطية والاهتمام بتحسين وتطوير مستوى الفرد المادي والفكري والإنساني، وذلك بسبب التماهي مع الإملاءات والمطالب الأمريكية التي لا تنتهي، والشروط المفروضة بشكل مباشر وغير مباشر على الحكومات والشعوب على حدٍ سواء من خلال الضخ الإعلامي الهائل لبرامج وأفلام وتقنيات موجهة خصيصاً لهذه الشعوب من أجل فرض نمطٍ من الحياة يجعل المرء أمريكياً بامتياز، فيصبح المجتمع مستلباً متلقياً، وغير فاعل، وبالتالي غير حر لا على الصعيد الذاتي ولا على الصعيد العام.

كل ذلك بسبب بنية نفسية جُبِلت على الخوف من الآخر- وحتى من الذات-

ألا يعني هذا أن التحدي والمواجهة والاعتراف بقدرات الآخر وحقه في أن يكون حراً( أفراد وحكومات) هو الطريق السليم والسوي والصائب للعيش بكرامة تليق بالبشر..؟

فلماذا لا نجعل من تلك الحرية هدفاً ننشئ عليه الفرد والمجتمع..؟ وأغنية رائعة النغمات لتكون الحياة والإنسان أسمى من كل ربح مهما غلا ثمنه...؟؟؟  


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net