شهدت الثقافة العربية أوج ازدهارها منذ
عصور خلت، وكان لها الدور الأبهى والفعال في
بعث أصول الحضارات العالمية، وثم التواصل معها
بل والتأثير فيها،
ولا
بد لنا أن نعترف بأن الثقافة العربية بدأت
تعاني من التراجع والترهل نتيجة الظروف
السياسية الاستعمارية والاقتصادية التي نعاني
منها وعلى كافة المستويات تقريباً، كما أن
انتشار التكنولوجيا السريع والاتصالات
التي
جعلت من العالم
على سعته قرية صغيرة، سهّلت الطريق للحصول
على المعلومة المتواضعة دون جهد كثير. وكما كل
شيء برّاق وجميل ينسب للحضارة فهي أيضاً تحمل
سلاحاً ذا حدين، لعل الحدّ الأخطر على المسألة
التي نحن بصددها واسمحوا لي أن أطلق عليها
ثقافة النسخ واللصق وبالتالي من باب الاستسهال
تراجعت
بشكل مرعب رغبة المثقف العربي
للمطالعة،
والأخطر أننا لم نعد نقرأ كما كنا سابقاً وقد
نعزو الأسباب إلى صعوبة القراءة عن الشاشة، أو
اختصاراً للوقت بالاطلاع السريع. ولا يخفى بأن
بعض العالم يصمنا بأننا شعب لا نقرأ. وهذا أدى
بالتالي إلى تزاحم الأفكار بين كتاب وآخر، والتيه
حيرة في أي منها يتوافق أو نتعلم منه ويؤسس
فينا ركيزة انتماء فكري، وتصبح المعركة
الثقافية أو المنهل المرتجى مقترناً بالحتمية
مع رغباتنا، لتبدأ معركة أخرى أهم وأخطر، ليست
حواراً عقلانياً مع فكر الآخر، بل مع
أنفسنا.حلت الشبكة العنكبوتية والمواقع متعددة
المذاهب والمشارب مكان الكتاب بشكل أو بآخر،
وأصبحت
الثقافة تندرج تحت عنوان مستهلك واستهلاكي هو
باختصار (وجبة ثقافة سريعة)، وتغيّب
الكتاب
من أوليات القارىء...
لكن وفي الوقت نفسه، حالة الهبوط هذه التي
نلمسها
جميعاً وتثقل كواهلنا وضمائرنا أوجدت فينا
عزيمة جديدة تفرض علينا التلاحم والوقوف
صامدين في مسعى تواصل حميم بين المثقفين
الممثلين الشرعيين لضمائر الشعوب، التي لا
يمكننا إلغاء شموس ثقافتها المنيرة على الشبكة
العنكبوتية ذاتها لمواكبة حركة العصر، مما
ولّد على حدود أدناها صداقات تعمل لتحقيق
الهدف ذاته وعلى محاور مختلفة ثقافية إبداعية،
بحثية، سياسية أو اقتصادية إلى آخر ما تتطلبه
حركة الحياة.
بدا للعالم وللبعض منا أن دور المثقف العربي
انتهى أو غيّب تماما بسبب زحمة وتشابك قضايانا
المصيرية. وهذا لن يلغي
أهمية
دور
المثقف
في هذه المرحلة بالذات، دور يجب أن يكون فعالا
للمحافظة على الروح الانسانية، وعلى ما بقي من
كرامة للأمة وهويتها.
الانفتاح على العالم والحوار الهادف البناء لا
يلغي أبدا هذه الهوية، ما يشكل خطراً عليها،
هو ارتماؤنا الأعمى للشعارات المطروحة في
الغرب، حتى ولو لا تتماشى مع تقاليدنا
..تاريخنا ..حضارتنا وأخلاقنا. والانفتاح على
العالم والحوار الهادف البناء لا يلغي الهوية،
وإن ما يعرض اقتلاع جذورنا، توجهنا الى الغرب
ونجاح الغزو الثقافي، بأن نعتمر طاقية الخوجات
باسم الحداثة. لا يعني مطلقا أنني ضد حوار
الحضارات، ولكن من بديهيات الحوار أن يكون بين
طرفين على ذات المستوى من التكافىء، ونحن
بطبيعة الحال لا تنقصنا هذه النديّة إذا
رسمناها من منظور هويتنا نقيّة وبريئة
ومخلصة...
عندما نتخلّص من عقدة الـ "أنا"، ويصبح
التوجّه إلى الصالح العام، نكون قد تهيأنا
للحوار على المستوى العالمي، بذلك نحقق حواراً
متوازناً فاعلاً. ومن جهة أخرى تتضاعف وتثري
تجربة المثقف العربي ما يجعله أكثر قدرة على
التواصل وتبادل الخبرات العلمية والثقافية.
وهذا ما يفرض علينا دون مساءلة أن نكون على
استعداد تام وتقبّل مطلق لمسألة العمل الجماعي
المتناسق والفاعل والذي يستطيع ابتداع قدرات
إبداعية.
السؤال الذي يطرح نفسه، هل يتبرأ المثقف
العربي من مسؤولياته، وهل يجد مكانه بعيداً عن
قضايا أمته، وهل يسعى إلى التخصص (وهذا لا
يعني أني ضدّ التخصص، بل العكس فالتخصص يمكّن
من بناء أهليَّة الحوار، كلٌّ بمجال تخصصه)
وما أعنيه هو التخصص في ثقافة أو علم معين، كي
يقتصر عليه دون الالتفات إلى قضية العام،
فهل من حق المثقف العربي تصنيف أفكاره ومعرفته
في قفص اللامبالاة أو عدم الاكتراث؟!...
الخطورة تكمن عندما يجنح المثقف من باب
التعالي والنظرة الدونية لرأي الآخر إلى
التأثير السلبي، بممارسة
النقض
وليس النقد، والتجريح وليس تناول جوانب متعددة
لوجهات نظر مختلفة... لتبدأ معارك جانبية
تبعدنا أكثر عن نبل الهدف الموجه والهادف.
واقعنا العربي الحالي يوجب علينا أن نبدأ في
ترتيب بيتنا العربي الثقافي على أسس واعية
وحكيمة وعقلانية، بحيث تحوز أهلية خدمة ثقافة
الإنسان العربي خاصة، ثم نتهيأ للحوار مع
الآخر، سواء في الشرق أو في الغرب، ليكون
صوتنا أقوى وكلمتنا أرقى، وحجتنا أكثر
إقناعاً. غير ذلك تبقى محاولاتنا مقعدة آنية
التأثير انفعالية كرصاصات، لا يُسمع منها غير
أصوات تصمّ الآذان، لتصبح الصورة مكررة
كحال
إعلامنا العربي.
يتزامن التصدي ومواجهة الغزو الثقافي الغربي
مع رص الصف الثقافي العربي، بحيث تكون بشكل
عملي مدروس لا غوغائي عبثي وكل يغني على ليلاه!...