آخر الفرسان!...

سوسن البرغوثي

sa.barghouti@gmail.com

Apr 15, 2008


تتوالى فصول ومسلسل الفضائح المالية لشخصيات قيادية في السلطة الفلسطينية، نسمع بداية تصريحات بضرورة مواجهة الفساد واقتلاعه والمحاسبة، ثم سرعان ما يُبرأ المتهم، ويتم التعتيم على حالات أخرى.. فهل خطر ببال أحد أن يسأل عن مصدر الملايين التي في جعبة فلان أو علان، والحال واضح للعيان؟!.

تُغلق الملفات كما فُتحت فجأة، ولسان حال المغني يقول: نحن نعاني من استشراء الفساد ولكن معظم من يجري التحقيق معهم.. أبرياء، أو لا تصح محاسبتهم لأنهم من "أهل البيت"!.

اللافت بالموضوع توقيت الكشف عن ملفات الفساد، والأبعاد الخفية وراءها، والسبب الجوهري المتوقع ، التحضير لمَ بعد مرحلة عباس.

المراقب لساحة الصراعات والتجاذبات الداخلية في السلطة الفلسطينية المحلية، وخروج لاعبين ثانويين، ولكنهم أعضاء في حركة فتح، يدرك أن اللاعب الأساسي وراء "كش ملك" هو فياض، المؤهل أمريكياً و"إسرائيلياً"، لخلافة عباس وترأس هرم سلطة تدار بالتحكم عن بعد.

ما يؤهل فياض لهذا المنصب، أنه ليس ممن وقعوا اتفاقية أوسلو أو أي اتفاقية سابقة مع "إسرائيل"، ولا يتبع لأي حزب سياسي أو تنظيم فلسطيني، أي أنه مستقل وأجندته خاصة، وهي أجندة ليست معنية بفلسطين التاريخية أولاً وأخيراً، ودون أدنى شك يسهل لحكومة العدو، عدم الإعلان الرسمي عن موت الاتفاقيات السابقة مع الجانب الفلسطيني والتملص منها نهائياً، ليبدأ الاحتلال مرحلة تختلف عن سابقاتها، فلا فتح ولا معوقات قطبية سياسية أخرى سوى حماس كطرف سياسي متمرد على  الحكام المحليين وشركائهم.

إضافة إلى أن فياض يحارب المقاومة بشكل فاضح، مما يجعله حليفاً وفياً ومخلصاً للشريك "الإسرائيلي"، ومرجعيته الأساسية الإدارة الأمريكية وليس العرب، بمعنى أنه اختصر الطريق دون وساطة عربية للوصول إلى صناع القرار الفلسطيني، وهم "الإسرائيليون" أنفسهم، ولا يؤمن لا بالعروبة ولا بالمظلة العربية، وهذا ما استعصى على عباس التصريح به. رغم أن عباس تخلى عن حلفاء "فتحاويين" سابقين، خاصة بعد الحسم العسكري في غزة.

ومن يسعى لتجميد نشاط دحلان وإبعاد الكثيرين من الشخصيات الفتحاوية، هو من له مصلحة بالقضاء النهائي على حركة فتح وتصفيتها، لبداية جديدة تعمل على إنهاء عنوان مرحلة (النزاع الفلسطيني ـ "الإسرائيلي") ثم البدء بتنفيذ مرحلة (التفاهم الفلسطيني ـ "الإسرائيلي")، وهو، أي فياض الممثل الوحيد فيه دون أي مشاركة من أحد، وعلى أساس أن ما نحصل عليه "خير وبركة"!، فلا دويلة لحدود الـ67 ولا حق للعودة ولا القدس عاصمة فلسطين المستقطعة من الأرض الفلسطينية الكاملة، ولا ما يحزنون، إنما مجرد والي محلي ومدير لتسيير المال والأعمال "الإسرائيلية".

لكن لا يمكن القول أن فياض هو اللاعب الوحيد على ساحة السلطة الفلسطينية، والخلف المرشح، والأهم منه هو الأسير مروان البرغوثي، فهو لا يرفض حل الدولتين و"السلام" المزعوم، وهذا ما جاء برسالته المعلنة الأخيرة، مفوضاً نفسه ممثلاً عن الشعب الفلسطيني ومعرباً(عن استعداد الشعب الفلسطيني لعقد مصالحة تاريخية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، بما يكفل وجود دولتين فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنباً إلى جنب في أمن وسلام)، وتناسى المناضل أن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يعيشون في الشتات، وأنه لم يحظ بتخويل من أحد منهم لعقد اتفاق جانبي على جزء من فلسطين.

لربما يعزو مروان البرغوثي أسباب فشل المفاوضات إلى هبوط سقف المطالب الفلسطينية، متناقضاً مع ما صرحه (إن مؤتمر انابوليس مات و "إسرائيل" غير مهتمة بالسلام.)، وهذا التناقض يجعلنا أمام سياسة "اللعم" مرة أخرى، فهو يدعو للسلام ولكن "إسرائيل" ليست معنية به!..

السؤال المطروح: هل "إسرائيل" معنية بإنعاش فتح لإطلاق سراح الأسير القيادي؟، وهل فعلاً لديه القدرة والحل السحري للقضاء على حماس، بعد فشل المحاولات المتكررة السياسية والعسكرية من قبل فريق أوسلو؟.

هذا ما لا يملك الإجابة عليه، إنما يراهن على شعبيته في الشارع الفلسطيني بشكل عام وبحركة فتح بشكل خاص على أنه آخر الفرسان في فتح المفاوضات، لا فتح التحرير.

لكنه غاب عن الساحة منذ خمس سنوات، والشعب الفلسطيني خاض تجربة مريرة مع سلطة أوسلو والتي تزعمتها القيادات الفتحاوية، كما أن "إسرائيل" لا تضمن أن ينقلب عليها مروان ويعيد القوة لكتائب شهداء الأقصى المقاومة المسلحة، إذن ما الذي سيجعل العدو متحمساً لإطلاق سراحه وتأهيله

للفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة؟، بينما لديهم القالب الجاهز المصنّع خصيصاً للتماشي مع طلباتهم وشروطهم!..

قد تكون المعركة القادمة، حامية الوطيس بين طرفين لا يستويان بالولاء لـ "إسرائيل"، فياض مضمون، ومروان يعتمد على شعبيته وعلى المقربين منه، وهم ليسوا بعيدين عن الفلك "الإسرائيلي"، أي أن أوراقه مكشوفة للشعب، ومرحلته ستكون امتداداً لما سبق، ولا يحتاج لمناورة ودهاء سياسي ليثبت العكس، فالثوابت لديه متحركة، وتقبل اقتسام فلسطين مع الشريك "الإسرائيلي"، لكنه يؤكد على عودة القدس (الشرقية)، مما يدفع "إسرائيل" لإعادة النظر في إطلاق سراحه، واعتماد أوراق فياض، وعلى أقل تقدير أن يبقى ورقة تهديد لفياض من قبلهم إذا فكر بالانحراف عن المسار المطلوب والمحدد منهم. في هذه الحالة، وعلى الأغلب هو السيناريو الذي تجهزه "إسرائيل" بعد استحالة القضاء على حماس، أن تضرب فياض بمروان، والرابح يكسب.

أما "الملك" الحالي، فهو فقط من أجل كسب الوقت، لأمور أكثر تعقيداً تشغل بال "إسرائيل" وهي كيفية القضاء على الجبهة السورية وحزب الله للخروج دولياً لمواجهة إيران.

كنتيجة لما سبق، فإن الاحتلال اطمأن أن الورقة الفلسطينية في جيبه، خاصة بعد اعتبار غزة إقليماً معادياً ومتمرداً، وكل ظنه أن السلطة الحاكمة في رام الله تمثل الشعب الفلسطيني، لكن من يضمن انقلاب شعبي عليهم جميعاً، وهل الثورة مقتصرة على حركة فتح فقط؟!.

السلطة المحلية لم تكن يوماً غاية الفلسطينيين، وقد أثبتت فشلها الذريع حتى بتأمين الأمن ولقمة العيش اليومي للفلسطينيين في الداخل، في حين أنها لم تقدم أي إنجاز على صعيد أماني وطموحات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على حد سواء، فما الذي جناه شعب فلسطين في المنافي والمخيمات من سلطة أوسلو؟، وماذا حققت له حركة فتح بعد نبذها الكفاح المسلح واعتماد نهج التفاوض على ما قُسم؟!.

في أحسن الأحوال، القادة "الإسرائيليون" يتنبؤون ويتكهنون بمكانة مروان لدى حماس وقدرته على التفاهم معها لإعادة الجندي شاليط، وهذا بحد ذاته قصر نظر منهم، لأن مروان البرغوثي إن لم يعد إلى سرب المقاومة وإشهار السلاح بوجه الغاصب المحتل، وعودة فتح كحركة ومشروع تحرير وطني، فلن يكون إلا آخر الفتحاويين، وبداية نهاية السلطة المحلية الفلسطينية.

   


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com