ثقافة تخريبية تربوياً ولغوياً  

سوسن البرغوثي

barghouti_sa@hotmail.com

March 15, 2006



عند تعذر وجود نص أدبي بالمعني الحقيقي، وغياب معايير أدبية تحكم النص، مكرسة لإنجاح رسالة ما، وعند خلوه من لغة عربية صحيحة،يمكن اعتباره نصاً لا أكثر، ومن جملة الكم الهائل للنصوص المطروحة، بغض النظر إن كانت تصلح للنشر أم لا.أما عندما يُعتمد للتدريس لفئات عمرية صغيرة،وضمن المناهج الدراسية، فالأمر يصبح من الأهمية بمكان، أن نتحري عن آهلية النص المقدم، بعيداً عن الانحياز وبموضوعية في التعرض لنص أو كتاب تربوي ما.

لقد أثار كتاب (قول يا طير) زوبعة في فلسطين المحتلة، بين رافض لإسقاط الكتاب من المناهج الدراسية التربوية، وبين داعم له، بحجة أن إعدامه يُعتبر تجاهلاً خطيراً لكتب تراثية وتاريخية قيمة غير قابلة لإعادة النظر، بالرغم ما احتوته من سلبيات على بناء فكر الطالب الصغير، وتشويه لأخلاقيات المجتمع الفلسطيني المحافظ!.

كتب التراث ليست منزلة من السماء، وتحتكم للنقد والنقض، حينما تتعارض مع أسس تربوية صحيحة،لكنها أخذت حيزاً كبيراً في جدالات تبعد عن ضرورة البحث المعرفي لما احتواه الكتاب من قصص.من منطلق التحري عن الحقيقة، وجدت أن أقدم قراءة في إحدى القصص المقدمة في الكتاب، بعنوان " أبو اللبابيد"، والتي اعتبرها تصريحاً وليس تلميحاً لإباحة زواج السفاح،وساقطة تربوياً ولغوياً للاعتبارات التالية:

تبدأ القصة بموت الأم والزوجة بتعبير هابط (يوم يوم مرته حطت راسها وماتت)، ولا أظن أن تراثنا الفلسطيني يسقط مفردات تليق بأدبيات مناسبات العزاء، وهكذا بلغة ممجوجة، أخبرنا الراوي عن رحيل الأم.

(ما حليش بعينه، قال، ولا اجا عباله إلا بده يتجوز بنته. صار يفوت عالبيت، تقوله: "يابا" يقولها: "تقوليش يابا. قولي يا ابن عمي": "يا يابا! يا ابن الحلال، أنا بنتك!" قالها: "لأ. مافش نتيجة. خلص).

كم أمضيت من الوقت شاردة الذهن أمام هذه الفقرة، والتي ألغت أخلاقيات وأسس جميع الشرائع السماوية بتحريم زواج الأقارب، وتدنيس علاقة أبوية، على هذا النحو!، وقلت لربما الأب أصابه مس من الجنون، وما سيأتي لاحقاً من أحداث، سيعيد الأب إلى صوابه، إلا أن القصة استمرت، ليكون الإطار العام لها، بإصرار الأب على ملاحقة ابنته. واستكمالاً لغيه وضلاله، فلا بد من أخذ فتوى شرعية من القاضي، ليؤكد له أن الشجرة الذي اعتنى بها وسقاها حلال له، ولكنه لم يوضح للقاضي، أن المعني بسؤاله، محرم من المحرمات وتحليله باطلاً شرعاً وأخلاقياً.

ثم يبدأ العرض المثير بإغواء الفتاة،التي اكتشفت نواياه (لمن شافت البنت إنه أبوها بده اياها من كل ولا بد)، ولاذت بالفرار كرد فعل فطري لحماية جسدها من الفاحشة، ولجأت متوسلة لمتاع اللباد، أي لبائع اللباد، ليفصل لها ثوباً يخفيها، حتى لا يراها والدها، لكن هل كانت ستتصرف على هذا النحو لو كان من يطلبها للزواج، رجلاً غريباً؟!، هذا ما سيتضح لاحقاً.

استطاعت أن تنقذ نفسها بحيلة هروباً من رغبة غريزية محرمة اجتاحت الأب، لم تتقبلها الفتاة، ولكن الأب أصر على متابعة ابنته للحصول على شهوته!.

قادتها الصدفة إلى بيت الملك، بعد أن تشردت وجاعت،ووجدت مكاناً آمناً لها، متخفية بثوب من اللباد من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها. فجأة تتحول القصة إلى أخرى شبيهة بقصة سندريلا، وتقرر المشاركة في عرس بالقرية، بعد أن تخلع قطعة اللباد، وتلبس ما أحضره الأب من ثياب جميلة، لغوايتها والقبول به.

يلاحقها الأمير، بعد أن لفتت انتباه أمه، وبعد العرس، يكشف الهوية الحقيقية لشخصية"أبو اللبابيد"، والذي يعمل خادماً في قصره.وبعد سرد لمحاولات الأمير ورفض من الفتاة، خلعت ثوب اللباد، فأقام الأفراح لمدة 40 يوم، احتفالاً بزواجهما...فلماذا قبلت الزواج من الأمير، في حين رفضت سجيتها وفطرتها السليمة الزواج من والدها؟!.

هكذا انتهت الحكاية، وكأنها مسلسل لاصطياد فتاة، مرة من أبيها وأخرى من ابن الملك، فأين العظة في هذه القصة المقدمة، وكل الأحداث تدور حول اقتناص جسد الفتاة، تارة من أجل متعة محرمة، وأخرى لمتعة حلال، في غياب أساس صحي، وهو قبول عن طواعية وبدون أي ضغوط؟!.

القصة غير قابلة للنقد الأدبي، لأن لا لغة عربية فصحى ُتقوّم على أساسه، ومقدمة بلغة هابطة وأسلوب تافه رخيص، ولا جمل تعبيرية جميلة، عدا عن خلوها من هدف راق يكمن وراء السرد، ليخدم تربية الضمير، لنتغاضى عن استخدام لهجات محلية في العملية التعليمية.

وكيف لنا أن نحكم على قصة من هذا النوع، ويقبل التربويون أن يقدموها لأطفال فلسطين، فهذا حقيقة ما يلفت النظر. أعتقد أنها عملية تشويه متعمد لأخلاقيات وعوج للسان ينطق بلغة عربية سليمة،فحتى وضع الكتاب على رفوف المكتبات المدرسية، يُعتبرأمراً مرفوضاً حرصاً على أطفال مازالوا في مرحلة عمرية مبكرة يتعذر عليهم معها إدراك أن تلك العلاقة المحرمة هي جريمة يعاقب الله وأي قانون دنيوي مرتكبيها.

ما يؤسفني فعلاً أن الأدب الفلسطيني الثري بالكثير من القصص، ولدينا من الأدباء الأكفاء القادرين على إثراء مكتباتنا بأدب الأطفال،أو تبسيط ما نملكه من نصوص كثيرة لتناسب فكر فئات عمرية متفاوتة، فلماذا تحولت إلى قضية سياسية واتهام المطالبين بشطب هذا الكتاب من المدارس بالظلاميين، وهل التحرر يقتضي الخروج عن الأخلاقيات واعتماد اللهجة المحكية في المناهج المدرسية؟،فلا ترشقوا بحجارة أساساً فاسدة، ولا تغتالوا البراءة بدس نصوص ليست من أخلاقيات وأدبيات المجتمع الفلسطيني. للخروج من الأزمة المختلقة، أُرجأ البث في وضع الكتاب المثير للجدل كقيمة تراثية وتاريخية، على أن يتدواله الناس، مجاملة لمن هاجوا وماجوا بالشوارع يطالبون بحرية الإطلاع وتدريس كل ما هب ودب، والأولى أن يحسم الأمر منذ البداية بقرار مسؤول، بإحالته إلى لجنة تربوية جديرة بالاحترام والمصداقية للبت في موضوع الكتاب، واستبعاده نهائياً من المدارس، دون اللجوء إلى مشادات وبيانات سياسية لا مبرر لها، وبحملة موظفة لأهداف أخرى، والذي لم أجد مكاناً له أنسب من إقصاءه عن عالم الطفل على أقل تقدير، كأم ومسؤولة عن تربية وتنشئة الأطفال، وأهمية ترسيخ القيم المثلى بأسس أخلاقية وأدبية سليمة، فعصر التنوير ليس بمنأى عن الارتقاء بالمستوى الثقافي للشعوب، وتقديم ألفاظ بذيئة، ليس من التطوير المعرفي بشيء. بإمكان القائمين على مراقبة الكتب، وضع إشارة(x)، المقصود منها أنه للكبار فقط، وهذا ما يحدث في العالم، سواء عند نشر الكتب أو عرض أفلام لا تناسب كل الأعمار.
نهاية القول، الذي يمتلك حق محاكمة الكتاب هو الوعي القائم على نضج معرفي لحماية الثقافة الفلسطينية من الانحطاط الأخلاقي واللغوي.



أهدي فيلم كرتون لأطفالنا الأحباء ولكبارنا الأعزاء
عن الشهيد الطفل محمــد الدرة
فلا تقتلوا البراءة... ولا بد من شروق

http://ia310916.us.archive.org/1/ite...ra/addorra.wmv


 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net