| شرعية مستوردة |
سوسن البرغوثي |
|
June 20, 2007 |
لعل أبرز جانب فيما يسمى
بالشرعية الفلسطينية، هي أنها مدعومة من ممالك التبع العربية وإمبراطورية
المهالك الأمريكية للوطن العربي بأكمله. وطن تحت نير الاحتلال، ولا أي مقومات
لوجود هذه الشرعية، لا من الناحية الاقتصادية ولا الأمنية ولا السياسية، ولكن
أُطلق عليها اعتباطاً، "سلطة" نتيجة لاتفاقية أوسلو سيئة السمعة، وما هي إلا
أشبه بحكم محلي لتسيير حركة المرور في الشوارع وجمع قمامات المدن المحتلة، في
أحسن الأحوال، وهذه الوظيفة معلنة، ومقبولة من السلطة.
وعندما يكون الآمر الناهي هو المحتل نفسه، وبيده الماء والكهرباء، والتحكم
بالمال الفلسطيني، واختيار ما يناسب مشروعه من شخصيات، إنما يثبت أن لا سيادة
ولا سلطة حقيقية، مستمدة فعلياً من مصدر السلطات، ولأجل تحرير الأرض!.
عند استعراض منجزات الشرعية الفلسطينية وما حققته عبر 15عاماً، نستطيع أن نستشف
النتائج، أنها مستمدة ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإلغاء بنود الثوابت الوطنية
لإتمام ما اُتفق عليه، والقبول بنهج الفساد والإفساد، ما دام يسعى إلى هلاك
الفلسطينيين، وانغماسهم بالرذائل والإدمان على المخدرات، والقبول بأي حياة
مسلوبين إرادة مقاومة المحتل، وهي المهمة التي كانت مبطنة، إلى أن ظهرت للعيان
في أحداث غزة الأخيرة.
من خلال هذه الشرعية، ظهرت مؤسسات ليست وطنية، ولا تدعو إلى الصمود، بقدر ما هي
مؤسسات تقوم على إدمان الفرد الفلسطيني لتوسيخ يده وضميره بمال قذر له أهداف
وغايات.
الرئيس الفلسطيني يبحث عن شريك أو متبوع فلسطيني، له نفس التطلعات التسووية
للقضية الفلسطينية، على نحو يرضي بوش وأولمرت الفاشل، وحتى لا نعود للماضي
البعيد، وأسلوب تعاطيه مع العمليات الاستشهادية، وهدم معتقل أريحا، ومسلسل
الاختطاف الذي بدأ بنواب حماس ووزرائهم وامتد إلى خطف أحمد سعدات ورفاقه، نجد
بالمحصلة أنه لم يكن ليعنى بإخفاق قواته المسلحة، وظهورها على نحو مخجل ومعيب
على مرأى من العالم. ولم يكن معنياً بإصلاح أجهزة "الوبائي" وعلاج الداء الذي
طال من عناصرها وهرمها القيادي، وليس معنياً بفتح ولا بكتائب شهداء الأقصى،
ولهذا نرى كيف تحول الكثير منهم إلى قبضايات يحمون نظام أوسلو لا نظام المقاومة.
وكأنهم صدقوا كذبة "جمهورية فلسطين المحتلة"!، وكأن على الشعب الفلسطيني أن
يبلع السكين ويخرس ويسكت على الاستمرار بنهج أقل ما يقال فيهم، أنهم مسؤولين
مباشرين عن الفشل في تحقيق الأمن، واعتبرت المناصب مهنة لا مسؤولية وطنية.
حتى لا نطيل بالبحث وإعادة ما كتبه الكثيرون عن السلطة وتوجهاتها، وليست بأي
حال، تختلف عن حكومة المالكي والسنيورا، وأن الشخصيات في كل من البلدان الثلاث،
هي نفسها ولو اختلفت الوجوه، وتمثل جميعها الانصياع والرضوخ التام للهيمنة
الأمريكية وإملاءاتها،وتسلك أسهل الطرق إلى التشبث بامتيازات حصلوا عليها، بيع
مجاني للأرض والشعب.
هذا التيار لا مجال لتبرئته، وأصبح اللعب على المكشوف، ولكن من المعيب والعار
الذي لحق بالشعوب، أنه لم يحدث في ثورات العالم، أن يُقبل بالعملاء والخونة
ليتبوؤا مناصب قيادية، وأن ندعو إلى الحوار معهم، كونهم أبناء جلدتنا، ويا
للمفارقة الفظيعة والمحقرة للعقول، واعتبار تنظيف وتطهير غزة من عملائها، هو
للسعي إلى سلطة واهمة، فماذا جنت حماس من دخولها أروقة سلطة لا سيادة على
قرارتها ولا على أرض الوطن المحتل؟، ناهيك أن الكثيرين من نوابها ووزرائها
السابقين معتقلين في سجون العدو، أو ملاحقين ومهددين بالاختطاف والقتل. وكيف
لنا أن نطالب بعد اليوم بكشف موظفي الاحتلال، وبناءاً على ماذا.؟
إذا كانت مطالبنا اللجوء لقضاء عادل، فهو مغيب تماماً، ومسيطر عليه من الزمرة
نفسها، ومن السخف أن نقول أن هناك قضاء عادل نزيه، وإن كان نضالنا لنملأ الصحف
وفراغات المربعات، فنحن من سقط بين تناقض الفكر والمطالب وبين ما وصل إليه
الكثيرون، بأن مرحلة المحاسبة والمكاشفة هي انقلاب على شرعية، فأين هي تلك
الشرعية، وعلى أي أساس بُنيت؟..
وهذا ما أود أن أوجه أسئلتي تحديداً للفصائل المقاومة، والذين اكتووا بنار
وتعذيب الأجهزة التابعة لرئاسة تحظى بشرعية عالم ينحاز لـ"إسرائيل"، ويحاصر
الشعب الفلسطيني لتضييق الخناق عليه من أجل الركوع. إن قبلت بعض التيارات
الحزبية أن تنصهر في بوتقة ما يسمى الشرعية الفلسطينية، فهم انجرفوا تلقائياً
كحصى لتعرية القضية الفلسطينية، وإن كان المطلوب القضاء على كل فصائل المقاومة
بنفس الأسلوب والسلاح الذي اُستخدم للقضاء على حماس، ولم يفلحوا، وبفارق واحد،
أنهم لن يحتملوا أكثر من يوم واحد للقضاء عليهم، فقد دخلوا دائرة الاستهداف من
سلطة أوسلو.
المحاباة المفاجئة بشجب القضاء على العملاء، والقبول بالعربدة الأوسلوية على
حساب آخر مقاوم ومواجه للخيانة، يدرك أصحابها تمام المعرفة ما حكم الثورات في
العالم تجاه من خان وطنه، متوهماً أن العدو شريك، وأن السلطة الفلسطينية أداة
لتحقيق "السلام".
إن التغاضي على ازدياد أوكار تجار المخدرات والدعارة نتيجة الحصار، لم يعد يقف
عند حد، فقد تسبب في تخريب متعمد للبنية التحتية الاجتماعية، إلى جانب ممارسة
القفز عن الحقائق، ومن المفترض والمتوقع أن يقفوا صفاً واحداً رافضين استمرار
الأجهزة التابعة مباشرة لإمرة موظفي الاحتلال. لكن يبدو أن البعض في حلبة
منافسة حزبية، أكثر من المصلحة العليا للقضية الفلسطينية، في مرحلة ينحاز
العالم بأسره لـ "اسرائيل"، وأمريكا تسعى إلى تطبيق مشروع "الشرق الأوسط الجديد".
التضليل الإعلامي يعود مجدداً لترسيخ الانقسام بين أبناء فلسطين في الداخل
والخارج، كما يحدث في كل البلاد العربية، ولكن في الحالة الفلسطينية، فإن
انقسامنا سيؤدي إلى انهيار شامل في مشروع المقاومة والقضاء على وجودنا وحقنا
بالعودة إلى وطننا، وإن حدث لعودة بعض الفلسطينيين، فسيكون وضعهم أشبه بعالة
وعبء على "دولة إسرائيل".
الوجوه ذاتها تعود إلى مسرح التهريج الفلسطيني، والشعب من السهل إرضاؤه،
وسيُرفع الحصار عن الضفة، وينعم الفرد الفلسطيني بحكم السجون والقمع، والأمور
تمام التمام، لكن ماذا عن مستقبل القضية الفلسطينية وثوابتنا الوطنية؟.
بالتأكيد اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير تتزعم إقناع أعضائها، والذين
يحترمون ويلتزمون بقراراتها رغم موتها السريري، سيبدون كفئة عجزة ومعاقة تصفق
ويعلو صوتها قليلاً، ثم تعود لسباتها المعتاد. أما القطاع كإقليم متمرد، بفرمان
عباسي، فهم الآن محاصرون من كل الجهات، ومهددين بانقطاع الكهرباء والماء، وإن
استطاع الاحتلال حرمانهم من الهواء، عقاباً لهم لمواجهة مباشرة وحاسمة مع رؤوس
المؤامرة في فلسطين المحتلة.
نجحت هذه الشرعية الفلسطينية في تفرقة الشعب الفلسطيني إلى فئات، أولها خارجة
متمردة على الحكم المحلي المنتمي لمشروع التصهين، ومبتورة من رحمة الأسياد،
والثاني شعب الضفة المغلوب على أمره، والمحكوم بالنار وبحرق المؤسسات الثقافية
والاجتماعية إن هم رفضوا الانصياع، وأهل الشتات الذين لا صوت لهم ولا حول ولا
قوة، ثم فلسطينيو الداخل، ولهم الله!.
نعمة ما لها حدود، والرضوخ للرغيف ولا للكرامة وللنضال، هذه هي شعارات جديدة،
فتذوقوا حرية العبيد وسوء المنقلب!.
هناك من شعر بالخجل جراء الاقتتال الداخلي، كون الطرفين يتصارعان على سلطة ميتة،
لكنه لم يشعر بالخزي أبداً من وجود عملاء، مع أنه يدرك جيداً من هم أصحاب "الكونترا
الفلسطينية".أما اليوم، فلنا أن نخجل من عودة هؤلاء العملاء والخونة إلى سدة
الحكم، وإن كان واهياً، ومن تصدُر السارقين والناهبين والقتلة، وسيفاً مسلطاً
على رقاب العباد، وأن نخجل، أن يُعامل القطاع كإقليم متمرد، وهم من العائلة
الفلسطينية، التي قدم أهلها الكثير من الشواهد والبراهين على سموهم عن المصالح
الشخصية، لانتماءاتهم لوطن يعاني الجراح المتقرحة والظلم، وأكثرهم لاجؤون في
وطنهم، وليسوا بأي حال مناضلين بالورقة والقلم. أوليس مخجلاُ أن نولي فئة خرجت
عن سرب الثوابت والتحرير، وأن يصرح أحدهم، أن لا حوار مع "الانقلابين"، الذين
واجهوا الفساد واقتلعوه من جذوره، في حين يهرولون للالتقاء بأولمرت والتنسيق
معه للقضاء على الشرعية الحقيقية للشعب الفلسطيني، ألا وهي المقاومة، ويرفعون
شعار العودة إلى طاولة المفاوضات، فهل حقاً، يستحقون أن يديروا مفاوضات لصالحنا؟.
وأخيراً وليس آخراً، من المعيب أن يتصدر منظمة "التحريف"، مطلقو بيانات تتأرجح
وتترنح كل يوم بقرار يناقض ما قبله، ويطلعون علينا ببيان تحريضي ضد مؤسسات
ومحلات تجارية وأعضاء حماس في الضفة، والحث على ملاحقتهم من قبل أجنحة لكتائب
شهداء الأقصى، انتقاماً والأخذ بثأر فخذ مجرم من قبيلة فتح خرج عن كل ثوابت
وأخلاقيات الشعب الفلسطيني.
وعلى ما يبدو أن هناك من الشعب الفلسطيني والعربي من ما زال يعيش زمن القبيلة
والثأر، ومعصوب العين ومحجوب الفكر، فطالما بقوا هؤلاء الدخلاء والثلة المارقة
العابثة والطامعة بقمع الشعب وسرقة القضية، فلن يستقيم درب النضال أبداً.فهذه
هي الشرعية الفلسطينية التي يختطف أقزامها الرجال ويحرقون البيوت ويعدمون
المشايخ على أبواب المساجد، وخطف الصحفيين والإعلاميين، وينقلون نفس الممارسات
للضفة، فهل الشرعية هي في التعدي على قانون مجير لحساب فئة متسلطة، وكأنه منزل
من السماء، أم التخلص وتطهير بيتنا من فلتان أجهزة مدمنة على المال القذر،
والفلتان الوطني، وهل هناك شرعية غير المقاومة؟، وإن كان هناك انقلاباً كما
يزعمون، فهو الانقلاب على تيار خائن لقضيته وشعبه، فهل هذا خدمة للشعب
الفلسطيني أم أنها جريمة، أن ُتجتث الخيانة من أوكارها؟...
تشكيل حكومة طوارئ مجهزة وسريعة على شاكلة الوجبات السريعة، وانتظروا الجزء
الثاني من مسلسل الحكومات السابقة والمزيد من نهج التفريط والتنازل، بإضافة بند
جديد هو إسقاط حق العودة، وبالطبع الجميع يعرف، أن السلطة لم تكلف نفسها عناء
صد تهويد القدس، ولن تفعل، والعوض بسلامة الراكعين والخافضين جناح الذل وسطوة
أوسلو والاعتدال العربي...
والمسلسل مستمر من التلويح بعصا وثيقة الأسرى إلى الحصار ومؤخراً إلى الدعوة
إلى فصل القطاع عن الضفة، فبالكاد السلطة تستطيع التحكم في مدن الضفة، وبهذا
أراحوها ممن يقف جاثماً على صدور القوات الصهيونية، حتى انسحبوا منه، وودعهم
أحدهم بالورود
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |