المقاومة هي الحل

سوسن البرغوثي

 barghouti_sa@hotmail.com

Jan 24, 2007


في اليوم الرابع والأربعين من اعتصام المعارضة اللبنانية الذي بدأ أول ديسمير 2006 ومع بدء المرحلة (ب) قررت المعارضة المستعصمة أن تحشر الناس وبالمئات ضحىً أمام قصر العدل البيروتي. وبقية مشهد الاعتصام معروفة للقاصي والداني من إلقاء الخطابات والشعارات والاتهامات مقرونةً بتهديدٍ ووعيد وكلام أقرب للشتائم والسباب موجه لحكومة السنيورة، ثمّ لينفض الجمع بعدها دون أية ممارسات خاطئة من هالحكومة (غير الوطنية) تجاه هالمعارضين (الوطنيين) من مثل المواجهة أو المنع أو الاعتداء والضرب وخلافه، حتى إن المعتصمين كانوا آخذين راحتهم على الآخر، بل إن الجيش وقوات الأمن التي تواجدت معهم ومن حولهم كانت لتأمين سلامة الناس المتواجدين في المكان من معارضين وغيرهم.


والشيء بالشيء يذّكر، فما كان أمام قصر العدل البيروتي ذكرنا بالذي حصل في اعتصام 9 مارس/ آذار 2006 أمام قصر العدل الدمشقي يوم تداعى عشرات من المعارضين السوريين للاعتصام ساعةً من نهار في المناسبة الثالثة والأربعين لذكرى نكبتهم المجيدة في الثامن من آذار/ مارس ورفعوا في اعتصامهم الصامت لوحاتٍ تضمنت شعاراتهم المطالبةَ بحرية الرأي وإطلاق حرية سجناء الرأي والضمير، والكشف عن مصير عشرات الآلاف من المفقودين سجناً وقتلاً وحرقاً وتصفيات جسدية، وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية والاعتقالات التعسفية المعمول بها من اليوم الأول للنكبة ومازالت سيفاً باطشاً يفتك في رقاب العباد. ثمّ لينفضّ المعتصمون السورييون كما انفض مولد اللبنانيين، ولكن بعدما هاجمتهم مجموعاتٌ من رجالات السلطة والأمن حاملةً الرايات والأعلام، وأشبعتهم ضرباً وركلاً وشتماً وبصقاً وتخويناً وعمالةً، واعتقلت (اللي في النصيب).
السؤال الذي يطرح نفسه في مثل هكذا مقاربة أو مقارنة، لماذا اختلف أو يختلف موقف السلطة مابين بيروت ودمشق في مواجهة اعتصام معارضيها الإلهيين و (اللي موإلهيين)..!؟

من وجهة نظر النظام السوري، فإن الحكومة اللبنانية (حكومة فيلتمان) ليست وطنية ومتهمة، ومخونة بأشخاصها الأساسيين، ورئيسها عبد مأمور لعبد مأمور، والبقية الباقية أنصاف رجال، وديمقراطيتهم غربية. لذا فإن معارضتهم وعلى رأسها أصحابُ نصرٍ إلهيٍ هي معارضة إلهية، وإن اعتصمت فاعتصامها إلهي ولا رادّ لقضاء الله وقدره. أما حكومتهم(النظام السوري)، فهي وطنية بامتيازٍ مُسَجَّل، وليست متهمةً ولا مخونة، ورئيسها (مو) عبد مأمور ولا مأجور، وإنما يغني مواله من راسه، (واللي بدو ياه بيصير)، ماضية في طريق الديمقراطية (اللي موغربية) وماشية بدون كللٍ في مسيرة التحديث والتطوير والتثوير، والمقاومة والممانعة والتحرير. لذا فمعارضتهم شيطانية، وإن اعتصمت فاعتصامها (موإلهي)، وعاقبتها والعياذ بالله وخيمة، ويجب مواجهتها بما تستحق من التصفية والقمع .
أمّا من وجهة نظر الحكومة اللبنانية لجارهم الآخر، فهم يبغون سلتهم بدون عنب وهم محتارون وغير عارفين الطريقة لمنع أذية الجارة عنهم بل (محتاسين حوسة أرملة مُعْدَمَة وعندها دزينة أولاد)، وربنا يكون بعونهم.

ولكنّ الأمر عند أولي العقل والفهم لبنانياً وسورياً لمختلف جداً عمّا هو عند الأفّاكين السحرة في سحرهم وألاعيبهم وخدعهم وفبركاتهم.

فالدولة اللبنانية عموماً، بنظامها وطريقة حكمها وديمقراطيتها وتعايشها هي شمسٌ ساطعة في سماءٍ صافية وهي الحق والحقيقة الذي يكشف سحر فرعون ويبطله، ولكنها مصدر المعاناة الطويلة للجيران من أنظمة القمع والاستبداد. وماغاب هذا المعنى عن نائب الرئيس السوري السيد/ فاروق الشرع في مؤتمره الصحفي منذ أيام بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2007 عندما تحدث في الشأن اللبناني فشرح وأوجز ليقول انتهاءً:
"حديثنا عن لبنان هو شرح للوضع اللبناني الذي توصلنا إليه بعد معاناتنا الطويلة كدولة جارة للبنان".
لبنان الدولة الصغيرة الكبيرة يتمتع بديمقراطيةٍ يحسده عليها الجيران القريب منهم والبعيد، قاوم وصمد وحرر المحتل من أرضه، ولم يبق عليه سوى مزارع شبعا التي كانت في استعمال نظام الجار السوري، وواجه حرباً ضروساً واعتداءً صارخاً في تموز/يوليو 2006 فصمد الأيام الطويلة وأدار معركته (بأفرقائه) وبكفاءةٍ عالية تذكرنا بحرب حزيران/يونيو التي أضاع فيها الثوار(بفريقهم) الجولان ومزارع شبعا وفرطوا فيهما.
الحقيقة اللبنانية أمام الناس على الأرض بفضاءات حرياتها وديمقراطيتها مع كل مافيها وعليها تكشف أباطيل وأكاذيب الجيران من الثوار الصامدين والمقاومين والرفاق المناضلين والممانعين، وزيف شعاراتهم وخطاباتهم ومواجهاتهم، وتُحَرِّكُ المواجع من نفوس المقموعين والمضطهدين والجياع، وتبعث فيهم ثورة الغضب والتطلع إلى الحرية والديمقراطية والخلاص.
لذا فلا غرابة أن يضرب النظام معارضته ومعارضيه خاصةً منهم من يُظْهِرُ تطلعاً إلى ماعند الجيران أو تعاوناً معهم أو تأييداً أو شيئاً من مثله. ويحاول النظام على طريقته أن يغطي الشمس بالغربال والسموات (بالقبوات). ومن ثمّ فلا عجب أن تسمع د. فايز الصايغ مدير عام هيئة الإذاعة والتلفزيون السابق، طبعاً قبل ملاحقته رسمياً بقضايا فساد يقول على الفضائيات:"لا يوجد في المجتمع السوري ما يسمى بالمعارضة، المجتمع السوري متصالح مع نفسه" أو وهو يقول: "في داخل سورية مجال واسع للحوار والرأي والرأي الآخر في إطار القانون وتحت سقف الوطن". أو أن تسمع وزير الإعلام السوري د. محســن بلال في أيار/مايو مخاطباً الصحفيين بقوله:
"لا تستخفوا بالحرية المتاحة لكم، وحقاً إنكم تحسدون عليها من الآخرين". ولكنه للأسف لم يُشرْ إلى (هالحواسيد) المجهولين، وكأنه سؤال برنامج من سيربح المليون: معرفة هالحساد المفترين اللي مابيخافوا الله ولا (بيختشوا).
سـحرة دمشق عندهم من الكيد والمكر ماعندهم. فهزيمتهم نصر، وخسارتهم نكسة، والوطن..!؟ آآآه على الوطن، جعلوا منه سجناً كبيراً، ومسخوا راياته وشارات الكرامة والسيادة فيه لتكون أدوات قهرٍ للأحرار وإذلالٍ للشرفاء. أما حكوماتهم فهي وطنية رغم أن رؤساءها بعضهم انتحر، وبعضهم أمواله محجوزة بتهم الفساد والحبل على الجرار، ومستعدون للتفاوض مع اليهود بغير شروط (بس اليهود) غير مستعدين، وعندهم من عجائب السحر أنْ إذا راياتهم طُوِيَتْ، وأعلامهم نُكّسَتْ، تَحَوّلتْ بقدرة قادرٍ إلى هراواتٍ وعِصيٍ وخَيْزُرَانات تضرب المعتصمين، لتتكسّر على مناهضي الثورة وعُصَاة الثوار، فيبطحون أرضاً من يبطحون، ويسحلون من يسحلون، ويرفسون من يرفسون، ويبصقون عليهم متهمينهم بالخيانة وأنهم المأجورن، وإذا هم قد مسحوا الأرض بهالمعتصمين الشيطانيين.
هل تراهم علموا فيما عملوا أن هذه عِصيُّ نهايتهم وهِراواتُ حتفهم، حَضَّروها وأَحْضَرُوها بأنفسهم، فتَحَضَّرَت لتكون أقلام حقٍ تفضح قمعهم وفسادهم، وخشبَ نعوشهم الى الجحيم- كما الذين من قبلهم- يوم الخلاص الأكبر. ويقولون: متى هو!؟ قل: عسى أن يكون قريباً.




 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net