| مشاهد من الحفلة التنكرية الفلسطينية |
سوسن البرغوثي |
|
March 24, 2007 |
ثمة خطوط عريضة في تآريخ نضالات أي شعب من الشعوب، تتخذ من حالة احتلال قرارها أو
أراضيها أو تاريخها وتراثها حوافز مبررة من أجل نضالاتها لتحقيق التحرير، فالنضال
السياسي من المفترض أن لا يخرج عن المفاهيم الأساسية، والكفاح المسلح وسيلة لتحقيق
قرار سياسي سليم، وهو وجه من أوجه المقاومة بأشكالها المتنوعة.
في فلسطين المحتلة هناك الآن سلطة محلية مؤسسة على فراغ وبلا مقومات دولة مستقلة
لها كيانها وحدودها ودستورها، وهي متوضّعة على خلفية وعود سرابية ليس لها وجود ولا
أملاً منظوراً للوجود، وبشكلها الحالي تقارب شكلاً لانقلاب على مسيرة نضال الشعب
الفلسطيني، وإنها تيار يتبع ريح قوى دولية، تتمثل بقوة الاحتلال المباشر "الإسرائيلي"
(العدو المباشر) إلى جانب مشروع احتلالي مشترك مع أمريكا.
ما استجد على الساحة الفلسطينية بشقيها الداخلي والخارجي، تحول تيار من حماس
المتشددة سياسياً إلى آخر معتدل، بناءاً على سياسة جديدة، لا تحمل إرث الانتفاضتين.
وهذا التيار أصبح شريكاً في الحفلة التنكرية الطاغية على المشهد الفلسطيني، يتقنّع
بأقنعة تناسب الخلطة السحرية تحت عنوان الوحدة الوطنية، التي تشمل السارق والمارق،
ومؤجج نار الاقتتال، وفق أجندة المؤامرة على الشعب وقضيته، واختلط الثوب الفلسطيني
الطاهر بالنجاسة، وبرنامج الإصلاح والتغيير بالفساد والإفساد، وعادت من جديد مظاهر
المؤامرة تطفو على السطح، مشكلين أنموذجاً إبداعياً للتخريب بين طرفين يلعبان على
شد الحبال والقفز عليها، والثقة الممنوحة للحكومة الحالية، هو إحباط لثقة الفرد
الفلسطيني بكل الأطراف المشاركة.
نعلم أن هذه المرحلة كسابقاتها، تخدير موضعي، نتيجة الابتعاد عن رسم برنامج مقاوم
للاحتلال، كصفة ثابتة لا تتغير، والحالة السياسية الفلسطينية الحديثة، تتبع رياح
الظروف والأحداث الإقليمية والدولية المحيطة، بعدما كانت تضع في أولوياتها برنامج
مطلب التحرير، بانتظار احتمالات متوقّعة لظهور قطب آخر في العالم قد يتشكل من عدة
دول تناهض وتحد من اتساع المشروع الاحتلالي الاستعماري، والذي قد يتشكل بعد مواجهة
سياسية أو عسكرية.
ولأن فلسطين الآن ليست أكثر من دولة صورية تابعة وعلى ورق، ولأن وهن وضعف الأنظمة
والشعوب العربية، وما فيها من انقسامات بالجبهات الداخلية، ففلسطين ليست بمنأى عن
الوضع العربي العام، ما جعل البوصلة الفلسطينية تفقد توازنها في فرض خيار النضال
المشروع، كحق كفلته كل الشرائع السماوية والقوانين الدولية.
إن السلطة الفلسطينية برمتها، أصبحت تشكل ثقلاً وعبئاً مضاعفاً على الشعب وعلى
القضية الفلسطينية، وهذا للأسف فوق مواكب الشهداء خلال أحداث الانتفاضتين الأخيرتين،
ناهيك عن نضالات وتضحيات عبر عقود قبل وبعد النكبة الفلسطينية الأولى، بمواجهة جادة
لم تتوقف للاحتلال، ليصبح القتلى والضحايا البشرية قرابين يُقدَمون على طبق من جراح
نازفة، وخيبات أمل، وذل في غرف التعذيب الفلسطينية، وكأننا أمام مشهد فجر اغتيال
الرئيس صدام حسين من قبل همجية ووحشية مقتدى الصدر وعصابته، وعلى أبواب قلعة جنبلاط
في الجبل اللبناني، مع فارق واحد، إن ما يحدث في فلسطين تحت شعار الوحدة الوطنية!..
فهل هذه هي الوحدة التي كنا نرجوها ونأملها،كيف يتفق ذلك ونحن نتابع ارتماءها
وقبولها بأنصاف الحلول، دون مساعيها لاقتلاع حقيقي وفاعل لجذور المؤامرة؟.
هي خطيئة أخرى، لا تفصل بين موظفي الاحتلال وبين قيادات عُرفت بإخلاصها الوطني،
ليظهر المشهد أشبه بحفلة تنكرية ساخرة ومعيبة.
يقول المثل الشعبي" ذنب الكلب أعوج، ولو وُضع في قالب" و" ابن الكلب لازم يعوي"،
بمعنى أن لا أمل يُرتجى ممن سلك درب غسل أقدام المحتل في الليل، وفي النهار يمعن
بإذلال بني جلدته، والأدهى أن نعلن قبولنا به بين الصفوف الفلسطينية..
إن السياسة الوطنية لا يمكن أن تكتفي بتطبيق دروشة الجوامع، ونعفو عما سلف، فإن
المدعو انطوان لحد العميل قائد جيش لبنان الجنوبي صنيعة الصهاينة حاصرته قوى
المقاومة اللبنانية عندما هزمته عسكرياً، وعندما تخلّت عنه ربيبته، وما كان له من
مفر إلا الانتهاء كبائع متجول في الليالي الحمراء في "تل أبيب"، فكان ذلك تمثيلاً
حقيقياً وأصيلاً لقرار الشعب اللبناني.
فأمثال هؤلاء لا توبة مرجوة منهم، وسيعاودون بث قذارتهم كلما سنحت الفرصة بالتكشير
عن أنيابهم المسمومة في أماكن نفوذهم وسطوتهم، فلماذا تم التخلي عن قوة الأمن التي
تشكلت في الحكومة السابقة، والتي اتفقت على تشكيلها الفصائل الوطنية المقاومة؟.
ولماذا يشجب ويستنكر وزير الإعلام إهانة وضرب الشعب الفلسطيني على حواجز الاحتلال،
وهو ما عُرف عنه بهمجيته وعدوانه، ويتم التعتيم الإعلامي على من أُهينوا في غرف
الفجر الفلسطيني!، أم أن حكومة الوحدة الوطنية الموقرة تقبل بتلك الممارسات
التعسفية وانتهاك حقوق الإنسان، بحجة الوحدة الوطنية، والمسؤولية تجاه أمن
الفلسطيني، تحتم عرض الشريط، الذي يتم فيه تعذيب شباب وشيوخ بغرف تخلو من الإنسانية،
أُجبروا المعتقلين إطلاق أشنع التهم وأقذر الكلمات البذيئة، إرضاءً للمقتدر
المتصهين الفلسطيني، فما هي آلية ومهمة الحكومة الجديدة، إن لم تقاضي وتحاسب مسببي
الفلتان الأمني؟.
فرحتنا بكم اكتملت بمقابلة السفير الفلاني، والاجتماع مع المسؤول الغربي العلاني،
والحال على ما هو عليه من تنفذ الشخصيات نفسها لتيار الفساد والإفساد نفسه، وتكريمه
بضمه تحت جناح الحكومة.
الحفلة التنكرية التي نتابع مشاهد من فصولها لا بد أن تنتهي سريعاً، إنقاذاً لكرامة
الفلسطيني من الضرب والإهانات والتنكيل به من المتنفذين الفلسطينيين، ونحن على يقين
بأن الأقنعة التي تنفّذ سياسات الصهاينة تحت شعارات مشبوهة لا بد أن تسقط، وسيسقطها
الشعب الفلسطيني، الذي ما سكت يوماً عن الباطل.
سيبقى الحل الوحيد وهو مطلب وطني مشروع ومواكب لنضال الشعب الفلسطيني يتمثّل بتشكيل
حكومة ثورية مؤقتة، وحلّ السلطة المزعومة برمتها، والقضاء على طحالب وسرطانات كبلت
الشعب الفلسطيني بقيود الانصياع لمرتزقة الاحتلال. التاريخ زاخر بالعبر والدروس
التي يجب أن نتمثّل بالصالح منها، وعلينا قبل ذلك كله أن ندرك بأن الحراك السياسي
والدبلوماسي إذا لم يكن على خلفية إرادة صلبة وقوية ومصممة، لا يمكن أن يحقق
انتصارات للشعوب، وأن الشعب الفلسطيني لن يتنازل لحفنة من المارقين عن تاريخه
النضالي الزاخر بالمكرمات والإشراقات عبر قرن من عمر الزمن، وسيأتي اليوم الذي يدرك
فيه المارقون أي منقلب سينقلبون.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |