| أول السقوط، خطوة خاطئة |
سوسن البرغوثي |
|
Feb 17, 2007 |
لا أحد من الكتاب ولا من القوى الوطنية الفلسطينية والعربية المخلصة، تصدى لتيار
التنازل من دافع شخصي، أو مما يدعيه زبانية ذلك التيار، من حقد أو ثأر خاص، إنما من
منطلق وطني بحت لكشف الممارسات الخاطئة، التي طال الصمت عليها، والتي تسعى لتثبيت
شرعية الاحتلال، وبدعم أمريكي علني.
عندما أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة فوز حماس السياسية، كان هناك رهان على
أنها ستنزلق إلى النفق السياسي "الأوسلوي"، وبشكل يهيئ الظروف والضغوط بوجوه مختلفة
للقضاء عليها كحركة مقاومة.
قدمت حماس برنامجاً سياسياً لدفع عجلة التغيير وإصلاح البيت الفلسطيني الداخلي،
ومنظمة التحرير كمظلة شرعية لجميع الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات، دون التخلي عن
إرادة المقاومة، وعلى هذا الأساس فازت بخيار الشعب كانتصار للمقاومة أولاً وأخيراً.
عام مضى والجميع يشهد صمود الشعب وخياره، رغم الضغوط المستمرة، التي لم تتوقف لحظة
للنيل من حقه في اختيار قادته، وتلاحم الشعب مع قيادته السياسية المنتخبة، وواجه
عراقيل وأزمات أقساها ابتداع الأزمة المالية، والتي شاركت بها الدول العربية
والغربية على حد سواء، وكنا نتوقع من اتفاق مكة المكرمة أن يخرق الحصار الجائر قبل
أي خطوة إيجابية لتوحيد الفصيلين على برنامج عائم وغير محدد.
لكن التلويح بافتعال شبح حرب أهلية من جهات تعمل على تنفيذ خطط المؤامرة، أوقع حماس
في فخ، بتقديم بعض التنازلات من أجل حقن الدماء الفلسطينية، وتغيير الخطاب السياسي،
وهكذا بدأ سقف التنازلات يرتفع، عبر تصريحات تحمل بطياتها العاطفية البحتة، ولتبدأ
حماس السياسية مسيرة ما انتهت إليه فتح أوسلو.
فمن الالتزام بقرارات القمم العربية، إلى الاعتراف بما يُسمى الشرعية الدولية، التي
لم تعترف يوماً بحقوق الشعب الفلسطيني، إلى اعتماد سياسة جديدة، و"ماكنّا نرفضه
بالأمس نرفض من يرفضه اليوم"، يعني أن ما كنّا نرفض ممارساته الخاطئة بالأمس نقبل
به اليوم، ولربما نقبل بفتح قنوات حوار مع العدو، حسب السياسة الواقعية الجديدة!.
إذن ماذا بقي من برنامج حماس السياسي، خاصة وأنها تنخرط تدريجياً في منظومة الأنظمة
العربية، كانت ترفض سياساتها التابعة لأمريكا.
الأنظمة المضادّة لم تتغير أبداً، وإنما تزداد إصراراً على ضرورة اعتراف حماس بـ "إسرائيل"
من أجل السلام مقابل السلام فقط، وهذا ما وجهته "إسرائيل" مؤخراً في خطابها للعرب
والفلسطينيين، ولم يعد شعار الأرض مقابل السلام مطروحاً!...
الخطاب السياسي العاطفي بأن اتفاق مكة تم وفقاً للإرادة الفلسطينية، وأغاظ العدو
الصهيوني، لا يشير إلى أن هناك مؤامرة أزهقت أرواح الكثيرين من أبناء شعبنا، أم
القتلى كانوا قرابين بشرية لتوحد القطبين الفصيلين فقط؟!.أما الخطاب السياسي
العقلاني للأسف كان عبر تصريح أولمرت،"بأن حكومة الوحدة الوطنية ستنهار في مطلق
الأحوال"، لأنها لا ترتكز على أسس ومقومات لإنجاحها، بل جاءت نتيجة احتدام الاحتكام
للسلاح بين الطرفين، ولم يتم مكاشفة واضحة وصريحة تضع النقاط على الحروف باستبعاد
ونبذ كل من شارك بالخطف والقتل والتدمير، وقبل ذلك من سخر الأجهزة الأمنية لاغتيال
وملاحقة المقاومين، وقمع الشعب في سجون السلطة، والاستئثار بالإرث الأوسلوي السلطوي
والمالي، والذي على ما يبدو من السياسة الجديدة، أصبح مقبولاً، إلا إذا كان هناك
تفاصيل مخفية، لم يطلع عليها ما قيل أنه مصدر السلطات، وكأنه فقط للتطبيل والتزمير
لجهة دون غيرها على أساس المحاصصة، وليس المصلحة الوطنية العليا.
النظرية السياسية الجديدة تتغاضى وتتنازل مجدداً وضمنياً عن إصلاح البيت الفلسطيني،
وإعلان مصالحة مع تيار الفساد والإفساد ومقاولين التنازلات، التي أدت بمجملها إلى
تداعيات وتهاوي بيتنا في الداخل والخارج، واعتبار "إسرائيل" أمراً واقعاً، اعترفنا
به أم لم نعترف!.
أوليست تلك الخطوات والسياسة التي انتهجتها سلطة أوسلو، فلماذا يعاد تكرار الخطأ
نفسه، ونُلدغ من جحره مرات مكررة، ليقودنا إلى النتيجة نفسها التي رفضها الشعب
الفلسطيني، ورفض من تبناها؟.
الاقتتال هو جزء من المؤامرة، ويجب أن يتصدى لها كل الشعب الفلسطيني، للحفاظ على
منجزات الانتفاضتين وعلى دماء شهدائنا، وأن نعمل لنصرة المظلوم بدعمه بكل الوسائل،
يستمر نضاله لاسترجاع حق مشروع لن يموت ووراءه مطالب مثابر، وأن لا نعمل على نصرة
أخينا الذي كان لعهد قريب يعاني مما عاناه الشعب الفلسطيني في سجون السلطة، وأول ما
يدعو له إسقاط حق الفلسطينيين بمحاسبة من أخلّ بالأمن الداخلي وحجب تأمين أدنى
مستوى من الخدمات تليق بشعب تحمل الاحتلال وسلطة محلية عانى منهما الأمرين.
كما أن ضرورة توحد البرنامج السياسي النضالي بالتوازي مع استمرار المقاومة في سبيل
استعادة الحقوق الوطنية، هو ما يؤهل حماس بجدارة أن تحمل مسؤولية حكومة وحدة وطنية
متوازنة ومنسجمة مع برنامجها الانتخابي، وإلا فما الذي أتانا من برنامج التغيير
بجديد، بعد أن تغير الخطاب السياسي لحماس، ورُكن الصوت الآخر المسلح لأجنحتها
العسكرية، بهدنة لم تكن لهذه اللحظة سوى حماس منفردة عن سرب الفصائل المقاومة
الأخرى ملتزمة بها.
أما قضية القدس وانتهاك المسجد الأقصى بعملية الهدم في باب المغاربة، يجعل مسؤولية
القيادات الفلسطينية بأكملها على المحك، وتستدعي تضافر كل الجهود، ومن خلال موقف
حاسم لمواجهة المحتل، وليس بالانشغال عن تلك الانتهاكات السافرة بين تيار يرسّخ
ثقافة الركوع، وآخر يحمل متناقضات مع سياسته الجديدة خيار المقاومة، بإعادة تشكيل
حكومة تنسجم مع شرعية دولية وهرطقات عربية من أجل التصفية النهائية، وتطهير الأرض
من شعبها، وتحقق بذلك النكبة الفلسطينية الكبرى.
ما يجمع شمل الشعب الفلسطيني ليس تشكيل صورة مملكة أفلاطونية مثالية، وإنما قيادة
على الأرض، تعمل على التحرير وفق ثوابت وطنية لا تحيد عن درب النضال بحرف واحد أو
باصطلاح سياسي، لمهادنة وتهدئة أدوات المؤامرة، مما يجعل القوة الضابطة فريسة
مطـَاردة من قبل أجهزة وفّرت لـ"إسرائيل" ما كانت لتحلم به، وفق مصالحة ما هو مرفوض
جملة وتفصيلاً.
حرصنا ووفاءنا لتاريخ النضال الفلسطيني، ومن أجل من سيؤرخ صمتنا المكرر بعد أوسلو،
وبالإيحاء مجدداً للتحضير إلى مؤتمر سلام دولي آخر، نعرف نتائجه منذ الآن، أن ننحني
للعاصفة خير من أن تخلع رؤوسنا، وأفضل ألف مرة من أن نركب الموج العالي، الذي سيغرق
السفينة الفلسطينية في بحر هائج لن يهدأ حتى يقضي على المقاومة، والانحناء لا يكون
بالمناورات، وإضاعة الوقت والتخدير الموضعي، ولكن بمصارحة الشعب، واستشارة أصحاب
الفكر والرأي بكيفية مواجهة المؤامرة، حتى نكون نحن وما نريد، وحتى لا تتكرر مأساة
أخرى.
نرفض أن نكون قشة تتبع أهواء المتغيرات والتيارات الإقليمية والدولية، وعلينا أن
نعود إلى قواعد قوية ثابتة لتحرير الأرض المغتصبة والمطالبة بحياة كريمة تليق بنضال
شعبنا لعقود، وليس عن طريق مساومات وتوريطات تسقط حماس كحركة مقاومة في براثن
شياطين النفوذ والمال، ومقايضة "شاليط" بالتظاهر مؤقتاً على موافقة البدء بتشكيل
الوحدة الوطنية بإطارها العام من قبل "إسرائيل"، وبعدها ستعيد وتستعد لنسج خطوط
المؤامرة لتطبق علينا شعباً وقضية، ولعل مطالبة أمريكا برأس المجاهد د.رمضان شلح،
لدليل على استمرارهم إنهاء فصيل وراء الآخر.
الحلول الجدية وبعيداً عن التحيز، هو اجتماع وإجماع كافة الفصائل وشرائح سياسية
وطنية مستقلة لبناء برنامج سياسي موحد يرتكز على المقاومة، بتشكيل جبهة إنقاذ
فلسطيني، وإعادة بناء قضاء مستقل وإعلام نضالي، والقضاء على كل ما كنا وما زلنا
وسنبقى نرفضه شعباً وقيادات نضالية وطنية، والذي استباح الدم الفلسطيني وأمنه
ومعالمه العلمية، وليكن شعارنا المقاومة ولننتصر بها ومعها، ولا نهزم إرادة التغيير
بتصديق وعود لن تُحقق، والعمل الجاد الحقيقي الصادق لتفعيل نهج توحدنا وقوتنا، ولن
يكون الخلاص من خلال استيراد سياسات تزيدنا انقساماً، وتدعم الردة الوطنية عن
برنامج التغيير والإصلاح.
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |