الانقلاب على جوهر القضية الفلسطينية

 سوسن البرغوثي

barghouti_sa@hotmail.com

June 23, 2007


منذ دخلت اتفاقية أوسلو حيز التنفيذ، تحولت القضية الفلسطينية من قضية قومية، إلى أخرى قطرية ضيقة، اقتصر على إطلاق صراع فلسطيني-"إسرائيلي" عليه. وقد ترتب على ذلك تأسيس سلطة محلية، لا تملك فعلياً من أمرها شيئاً، وبناء على اتفاقيات ومفاوضات علنية وسرية، حُسم الأمر على تقسيم المهمات بين السلطة والكيان الصهيوني، وليس أدل على ذلك من استمرار "إسرائيل" بتوسيع المستوطنات وبناء الجدار العازل وتكثيف الحواجز بين المدن الفلسطينية المحتلة، وإكمال مهمة تهويد مدينة القدس، وذلك بهدم منازل عربية بحجة أنها غير مرخصة.
أما السلطة فبنت ترسانتها المسلحة لملاحقة واعتقال المقاومين،وتصفية الكثير منهم بالسجون وبالقمع السلطوي، ولم تواجه الاحتلال في يوم من الأيام، بل على العكس تماماً حمت أمن "إسرائيل"، والإعلان في كل مناسبة أنها ضد العمليات الاستشهادية وإطلاق الصواريخ. في حين أن الصهاينة أنفسهم، يعترفون أن الصواريخ، أدت إلى إشاعة الخوف ونزوح الكثيرين من المستوطنين، رغم أنهم يقاتلون من وراء جُدر وترسانة عسكرية.

أما على الصعيد الخارجي، فإن احتلال العراق أدى إلى دق مسمار موجع في نعش الكيان العربي وقضيته المركزية. انتصار المقاومة اللبنانية في الجنوب العام المنصرم، وهزيمة الاحتلال في العراق، أفقد "إسرائيل" والحلف العربي – الأمريكي صوابهم، لأنه اُعتبر تعبير عملي وصريح على طريق إفشال رسم خارطة مشبوهة، مفادها أن يصبح الكيان الغاصب دولة، وبتطبيع شامل علني ووقح.

أحداث غزة الأخيرة، وليست الآخرة، تقسيم المقسم، وتجزئة الأرض الفلسطينية المحتلة إلى إقليم متمرد وآخر معتدل، وهو فصل، لا يقل خطورة على استكمال بما يُسمى الخطة الأمنية، عن الغارات والاعتداءات والتوغلات "الإسرائيلية" اليومية فيما اُتفق عليه، مناطق السلطة الفلسطينية.

الانتخابات التشريعية الأخيرة، ضمن خطة قد تقضي لاحقاً بحل المجلس التشريعي، وإمساك زمام الأمور بمركزية واحتكار القرار السياسي الفلسطيني للهيمنة على المؤسسات الثلاث، وسحب البساط من تحت أقدام الديمقراطية التي يتشدقون بها.
تصفية أدوات الخطة وأجهزتها، أُعدت بعناية وبعد صبر طويل، ومجمل هذه الأجهزة تأسست من أجل إقناع الشعب الفلسطيني بأوهام دويلة فلسطينية، فكانت صفعة لـ"إسرائيل" وشريكها الفلسطيني، والواضح أن المواجهة أفشلت الهدوء المصطنع، وإعطاء مهلة لإعادة هيكلة المؤسسة السياسية والعسكرية للكيان الصهيوني لمواصلة القضاء نهائياً على المقاومة بكافة أشكالها، وأهمها المسلحة، والبدء بالتفرغ للمفاوضات العربية - "الإسرائيلية"، والتنازل مجدداً عن حق العودة والقدس.

وبالربط بين أحداث نهر البارد وما يحدث في الداخل المحتل، نجد أن التوطين للفلسطينيين مرفوض، والاكتفاء بالتعويض قد يبدو واقعياً، بسبب الخسائر المادية الفادحة التي مُني به المخيم، فمشاركة أيادي فلسطينية في تصعيد القصف المتبادل، ولعب دور الوسيط في الوقت نفسه لتهييج الطرفين، تتفق مصالح هذه الفئة مع قتل شاكر العبسي، حتى لا تكشف أسرار ألاعيبها في قضية التنازل ورفض التوطين واعتماد التعويض كحل نهائي للاجئيين.

عودة إلى الداخل الفلسطيني، فإن ترحيل خطة ألف وباء وجيم وإلى آخر الحروف الأبجدية، هو بمثابة عدم جدوى المفاوضات مع بقاء المقاومة شوكة في حلوق الجميع.
وهنا لا بد أن نطرح سؤالاً جوهرياً: هل حُررت هذه المناطق بالكامل، وهل لنا حق السيادة عليها، دون التبعية للإملاءات الصهيونية، وتوغل قواتها في المناطق ذاتها عندما يفشل الشريك الفلسطيني بتصفية فلول الجهاد الفلسطيني؟.

تشكيل حكومة ما تُسمى حكومة طوارئ، وكأننا دولة ولها قانون يستند على سيادة واستقلال، يكمل نصاب الحكومات العربية، ومرجعيتها الاحتلال والهيمنة الأمريكية، وبالتالي ليس من مصلحة الجوقة الأوسلوية المسيطرة على الشعب وليس الأرض، العودة إلى الحوار الفلسطيني لتعميق الأزمة، وليصبح هم وشاغل الفلسطينيين الأخذ بالثأر، وتبدأ فصول حرب داحس والغبراء طويلة الأمد.
ولاعتبارات حزبية وفئوية، تفكك وحدة الصف الفلسطيني اجتماعياً وسياسياً، والأهم من هذا كله، اعتبار الحرب على المقاومة هدفاً مباشراً، على أنها منظمات "إرهابية"!.

دخلت خطة غزة أولاً حيز التنفيذ، فالقطاع بأكمله عائقاً، كونه معقل المقاومة، وبتطويقه ومحاصرته والتبرؤ منه، كونه إقليماً متمرداً، يعطي الشرعية لمحاربته والقضاء على هذا الإرهاب، وبيد وسلاح السلطة التي تقر بأن المقاومة تعيق عملية "السلام" الشامل.

الشروط التعجيزية المطروحة ليست دعوة للعودة إلى الحوار الوطني، إنما للإقرار بإنهاء الشراكة الوطنية، وهذه لم ينتبه إليها البعض، ومحاباة سلطة أوسلو التي رفضها هذا الفصيل أو ذاك. ومع ذلك فقد شاركت بعض الفصائل بالمجلس التشريعي والمنظمة، وضمنياً هناك من يوافق على خطة المبادرة العربية، بقصد أو من غير قصد، وفي كلا الحالين هو القبول بحل الدولتين، ولـ "إسرائيل" حق الجوار والدولة!، وهو انقلاب واضح على الثوابت الوطنية.

احتلت "إسرائيل" الأرض، واغتصبت حقوق الشعب الفلسطيني، ولم يُلغَ أو يتوقف أي لقاء مع أولمرت، بل على العكس تماماً، ولمن لا يذكر مذبحة عائلة هدى غالية، نذكره بالتقاء عباس الحميمي مع أولمرت وقتذاك، وأثناء الحفريات في باب المغاربة، وتعرض المسجد الأقصى للهدم والانهيار في بنيته التحتية، تبادل عباس الصور والاجتماع الحميم مع العدو، وسيلتقي الثنائي في شرم الشيخ برعاية الأنظمة العربية الأكثر اعتدالاً!.

إن كان من عقلاء ينبذون الأحقاد والثارات، ويبتعدون عن المصالح والانتماءات الحزبية، المطلوب منهم أن يكونوا على قدر من المسؤولية، بتقويض فصل من فصول المؤامرة، وهو نهج الإعلان عن قطيعة دون تقصي الحقائق التي لم تكن وليدة الأمس، بل نتيجة تراكمات، وسطوة أجهزة فاقت كل تحمل.
لا بد من حلول واقعية وعقلانية، إن وُجدت نية صادقة لتجاوز أزمة مفتعلة للقضاء على المقاومة بكاملها، وأهم تلك المداخل، إعلان حماس الصريح خروجها من سلطة أوسلو، والعودة إلى مربع المقاومة، فمواجهة العملاء والاحتلال فعل مقاوم بجدارة، وتشكيل جبهة متماسكة من جميع الفصائل المقاومة الصادقة لمواصلة العمل النضالي، يضمن استمرار النضال من أجل التحرير.

أما المقاومين السياسيين، عليهم تجهيز أوراقهم لمرحلة ستتبع هذه المرحلة، بالمطالبة بفك ارتباط منظمة التحرير بالسلطة، وإنشاء قضاء مستقل عن أي تبعية، لمحاسبة سماسرة بيع القضية والشعب بالمفرق والجملة، وتقصي الحقائق المجردة وليست المدبلجة، والعودة إلى الميثاق الأساسي للمنظمة، وإقالة كل من عبث بالقضية، وعندما نصل إلى هذا الحد من النقاء الثوري، يمكن أن تصبح منظمة التحرير المؤهلة لتمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.

أما احتكار الصوت الفلسطيني ضمن إطار التحكم والتسلط والاستفراد بكل ما يتعلق بالقضية، وإلغاء الأطراف الفلسطينية وإقصاؤها عن ساحة النضال السياسي، هو فضيحة علنية، وانقلاب علني أيضاً على الديموقراطية المزيفة التي تفصّل على مقاس المصالح الصهيونية ومن في ركبهم.

 


 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net