يونس في بطن الحوت

سوسن البرغوثي

barghouti_sa@hotmail.com

May 28, 2007


تنسم يونس عبير شقائق النعمان التي نبتت بمهد الأحرار، تنثر عبير زهورها مع عرس شهيد يحمله الثرى نجماً وميضه يعانق السماء، يطوف بفكره المكان الذي طوته حكايات وأساطير روت أرض البرتقال الحزين.

زفرات الحزن يطلقها مع كل نسمة فجر لعل الأمل يواسي الصبر بالفرج القريب.

تحت الشمس سكنت كلمات يجمعها بذاكرته من هنا ومن هناك ليعيد رسم خطوات متعثرة تتبرأ من انكسار الهمم.

لم يكن سوى ذلك الفتى غير حالمٍ، يروي للحقول رؤى تتشابه معانيها وتختلف معها بالرمز والخطوط، لتأخذ بعد الأفق المعاناة الإنسانية، يلقي الحجارة في يمّ يجرف الحصى والحلم إلى ذلك المصير المجهول.
اختزل الوطن برسم ٍ لبيت صغير وفراشات تحوم حول الزهور، وبيوت العسل معلقة على الشجر تنتظر عودة النحل.

كان يتأمل بدهشة كل يوم ما وقع عليه نظره بالأمس وكأنه يريد أن يطبع في ذاكرته الرسم الأزلي لوطن يبحث عنه في سكون الليل وصخب النهار.

أرهقه المسير وأتعبته مناجاة الحلم، وراح يبحث عن النجاة من أضغاث أحلامه التي كثيراً ما راودته المترامية لتقذف الحمم فوق رأسه.

أشباح ومسوخ تنكره وترفض إنسانيته وهموم تؤرقه، انشغل يفك رموزها.. ولكن عبثا، حاكت حوله شباك الظلام ولفظه المكان ليهوي كطير مهيض الجناح يعلن هزيمته.

تداخلت لوحته بخطوط الذاكرة ولم يتبق منها سوى ناس وأرض من حجارة بلا روح يهوون نحو الأسفل!!.

ذلك البحر البعيد ما قصته.؟ لماذا تُسمع هدير أمواجه.؟ ولماذا تحلق النوارس في الفضاء تلثم ثغر ذلك البحر الذي عانق حلمه!؟

تضيق عليه جدران الغرفة، وتطبق بإحكام على تلك اللوحات المرسومة، ويضيق بظله من فرط خياله.
استرجع ذاكرته ولم يعثر على مساحة له بهذه اللوحة،! هزأ من جنونه الذي وصل إلى حد الهلوسة، انتقل من فكرة إلى فكرة ومن لون لآخر، حتى وجد قراره في بطن حوت.

من التراب وإليه عاد صامتا لا يعرف ما حدث ولماذا صار هو حجارة كالآخرين!
هدأ في عالم تعمه العناية الإلهية ، وماذا عن القادمين ؟! هل غلفّت بصائرهم تلك الأشباح المتسللة من عالم الشر لتزعق الغربان بخرائب نفوسهم، وتنبئ عن انكسار أجنحة الخير.؟

السلام في مرقده والخديعة ثمر عاقر لشجرة جذورها في الأرض وأغصانها تخشبت من الرياح العاتية، أما أوراقها فقد نزفت جرحاً.. ولم يبقَ منها إلا صور وحجارة..


 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net