بانتظار فينوغراد العربي!

سري سمّور

SARI_SAMMOUR@YAHOO.COM 

’May 10, 2007


 
 
رئيس لجنة التحقيق الإسرائيلية إلياهو فينوغراد العجوز ذو الوجه المتغضن طلع على دولته وعلى المنطقة وعلى العالم بتقرير مزلزل ،ولكن نظرتنا –كعرب- لهذا الزلزال يجب ألا تقتصر على التشفي والفرح ،بل لو نظرنا للأمر من زاوية أخرى لكان علينا أن نرثي أو نبكي لحالنا ؛نعم،إن فينوغراد بتقريره مفخرة لشعبه ،فقد انطلق الرجل في عملية التحقيق والبحث والتقصي حول نتائج الحرب التي خاضها جيش دولته في صيف العام 2006م غير خائف من انفجار "غامض" أو رصاصة طائشة تودي بحياته أو سرقة لملفاته  أو مكالمات أو رسائل تهدد حياته وحياة فريق عمله ليطلع علينا بتقريره القنبلة ليقول في تقريره وبلا وجل أو خوف أو مجاملة أو محاباة :" يتحمل رئيس الوزراء المسؤولية الأولى عن الحرب وكل ما يتعلق بها، بسبب تركز صلاحيات شخصية واسعة بيده وكذلك معظم الصلاحيات المتعلقة في إدارة الحكومة وتحديد جدول أعمالها. وهو من قاد وأدار قرارات متعلقة بالخروج للحرب ومداولات متعلقة بذلك، ونشاطات دولية.
نجد أن رئيس الوزراء مسؤولا بحكم منصبه وبشكل شخصي عن الخلل في القرارات التي اتخذت والخلل في عملية اتخاذها. وقد بلور رئيس الوزراء موقفه دون أن تعرض عليه خطة مفصلة ودون أن يطلب عرض مثل تلك الخطة. علاوة على ذلك لم يطلب بدائل لتقييماته ولم يبد أي تشكك بشأن مواقف الجيش. وبذلك أخفق" ،هكذا تكلم فينوغراد ،لقد طالت شظايا قنبلته رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الجيش عمير بيرتس ورئيس هيئة الأركان السابق دان حالوتس،ومن هم هؤلاء؟هؤلاء الذين وصلوا لمناصبهم بعملية ديموقراطية وانتخابات وليس بانقلابات عسكرية بالتنسيق مع هذه السفارة أو تلك أو عبر تسلسل في العمل العسكري "المبدع" ضد العدو وأقصد حالوتس هنا؛فلم يشفع لأولمرت أنه عمل على تهويد القدس بكل ما أوتي من جهد عندما كان يترأس بلديتها،ولم يشفع للثلاثة تسابقهم في إطلاق التهديدات وتنفيذ عمليات القتل،ولم تستطع "أمطار الصيف" ولا مذبحة قانا2 في إخراج تقرير فينوغراد بصورة أكثر لطافة أو في التماس أعذار ،وهكذا نجد مستقبل الاثنين الباقيين في مناصبهما (أولمرت وبيرتس) في مهب الريح بعد هذا التقرير.

 

أما لماذا يجب أن نبكي معشر العرب على حالنا ،وما شأننا بفينوغراد وتقريره؟فالأمر واضح لمن كان له بصيرة وبصر؛فقد اعتدنا على تحويل الهزائم النكراء إلى انتصارات خارقة،واستمرأنا المجاملات والكذب والأوهام والشعارات الجوفاء والخوف،وأصبح من تكويننا النفسي والتربوي والإعلامي والسياسي تسمية الأمور بغير أسمائها الحقيقية ،وأخذنا منذ زمن نتهم من يضع يده على الجرح بأنه مغرض أو عميل أو مشبوه أو انهزامي،وما درينا أن بداية الخلاص هي معرفة أين أخطأنا وأين أصبنا،ورفعنا شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" فخسرنا معركة في إثر معركة،وتحدثنا عن الخيارات الاستراتيجية دون أن نرسم لها خططا معقولة أو تكتيكات قابلة للتنفيذ على الأرض.

 

يشفع للزعيم والقائد عندنا بعض إنجازاته مقابل إخفاقات تهدد مصير الأمة ،ونخرج لنتظاهر أو ليكتب بعض كتابنا ويصرخ بعض أو كثير من محترفي التنظير لدينا بأن القائد الضرورة والزعيم الأوحد هو الشخص القادر على تحقيق الأحلام والطموحات وحماية الأرض والعرض،لننظر حولنا فلا نجد أرضا ولا عرضا ولا مجدا ولا عزا ،بل أرضا محتلة وثروات منهوبة ،وشعوبا تحكمها أجهزة الأمن..ثم نصفق ونهتف ونهلل بأننا على طريق التقدم والازدهار ودحر العدو سائرون...حسبي الله ونعم الوكيل.

 

لم نفلح في أن نسال أنفسنا عن هزيمة الجيوش السبعة فلم يكن فينوغراد لدينا ،وواصلنا الغرق في الخطابات وإطلاق الشعارات و"أمجاد يا عرب أمجاد" ،لنصحو على "إزاحة" جديدة تضمنت ضياع كامل فلسطين بما فيها شرقي القدس التي تضم المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وفوقها الجولان وسيناء،فكان لدينا فينوغراد من نوع آخر قال لنا بأن هذا كله ليس سوى "نكسة" وأن العمل جار من أجل إزالة آثار العدوان..وما زال جاريا،ففنوغرادنا العربي الشبيه بفينوغرادهم بصراحته وعدم محاباته وعدم خوفه من المخابرات والمباحث المتخصصة في إبقاء المواطن مخدرا ،هذا الفينوغراد العربي لم يولد بعد،أو لم تعط له الفرصة والصلاحيات،ربما حتى نجد أنفسنا خارج التاريخ والجغرافيا.

 

لا يستطيع أولمرت التغني أو التبجح بإنجازاته في تهويد القدس وعمليات القصف والتدمير في الضفة وغزة ولبنان؛لأن الجواب على قدر السؤال أمام فينوغراد الذي يمثل جمهورا يريد نوعا من الإجابات واضحة صريحة وبالأرقام والنتائج على الأرض؛فقد كان المطلوب من أولمرت ما دام يريد خوض الحرب أن يكون مستعدا لها جيدا ،وأن يحرر الجنديين من قبضة حزب الله مع تدمير قوة الأخير العسكرية وإرسال زعيمه إلى المقبرة  أو الزنزانة،وإذا لم يحدث هذا ولم يحدث فأولمرت ووزير الجيش ورئيس الأركان مدموغون بالفشل،بغض النظر عن ماضيهم وما قدموا لأجل دولتهم!

 

ألسنا بحاجة لفينوغراد عربي يعمل الساسة والقادة لتقريره حسابا؟كم من الحرث والنسل يجب أن يهلك عندنا حتى ننادي بفينوغراد عربي الهوى والهوية حريص على دمائنا وأرضنا وعرضنا؟هل جيناتنا ترفض ظاهرة الـ"الفينوغراد" أم هل عجزت أرحام نسائنا عن إنجابه؟كيف ونحن خير أمة أخرجت للناس؟ أتوقع بل أعتقد أن جماهير العرب المفجوعين بأرضهم وأبنائهم تنتظر فينوغراد...فلينتظروا وأنا معهم من المنتظرين!

 

http://sammour.modawanati.com

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net