الفلاشا لا يتقاتلون مع الروس والهدوء يسود كريات أربع!

سري سمّور
 

SARI_SAMMOUR@YAHOO.COM 

’April 17, 2007


 
 
قد أجرؤ على التعميم وأقول:لا أحد منا سكان الضفة والقطاع من جنين إلى رفح آمن على نفسه و أنه سيعود إلى بيته أو يصل إلى مكان عمله أو دراسته أو بيت لقريب أو صديق سالما من رصاصة طائشة أطلقت في نزاع داخلي ،أو اعتداء بسلاح ناري من شخص أو مجموعة ،ربما بسبب خلاف حول مسألة ما أو لأن "شكله" أو "نظراته" لم ترق لشخص أو أشخاص يحملون السلاح!

 

الجميع من الرجال والنساء والأطفال عرضة لخطر القتل أو الإصابة "بالنيران الصديقة" ،وطبعا نحن أصلا لم نرتح ولم نسلم من "النيران الأخرى"،فكيف أصبح هذا حالنا وكيف تغيرت نفوسنا بهذا الشكل المفزع؟وهل إلى مخرج من سبيل؟ولو كان هناك سبيل أو سبل أليس حالها كحال المقولة الشهيرة "من يعلق الجرس؟!".

 

شخصيا لا أميل إلى إلقاء المسئولية فقط على انتشار السلاح بيد الناس رغم تحفظي ورفضي لهذه الظاهرة،لأن المسألة تنبع من ثقافة وتدهور أخلاقي قبل أن يتحول هذا إلى مأساة أداتها السلاح القاتل،لو نظرنا نحو الآخر في الجوار،فإن السلاح بيده متوفر بكثرة ولا مقارنة بينه كمّا ونوعا وبين ما هو موجود هنا في غزة ونابلس وجنين ورام الله وما يتبعها من قرى ومخيمات،ولكن هل سمعتم أن اشتباكات مسلحة تدور في شوارع تل أبيب أو حيفا أو غربي القدس بين العلمانيين والحريديم أو الفلاشا مع الروس أو بين الأشكناز والسفارديم؟هل أحرقت بعض العائلات في كريات أربع أو بيت إيل أو أرئيل أو غوش قطيف –قبل إزالة الأخيرة-بيوت عائلات أخرى داخل هذه التجمعات الاستيطانية مثل ما يحصل في التجمعات الفلسطينية في الجوار؟هل فتح حرس الحدود النار على الشرطة الإسرائيلية فقتل من قتل وجرح من جرح وهل تصارعت ألوية "تساهال" وهاجمت مجموعات منها قواعد الأخرى ومنشآتها وخطفت أو قتلت قياداتها؟هل يفتقر هؤلاء إلى السلاح؟أم هل تجانسهم الثقافي والاجتماعي وعلاقات المصاهرة بينهم  أقوى وأمتن مما هو موجود لدينا؟أنا مضطر للمقارنة رغم الألم الكبير من الفكرة ودلالاتها ولم أعد أشعر بالحرج ،علينا أن نعترف وبصوت مسموع وصريح بأن هناك انهيارا لدينا في منظومة القيم والمثل والأخلاق،وأصبح الخطر يهددنا جميعا وبلا استثناء،لا أمن لأي فرد ولا ضمانة بعدم اختطاف أو قتل أو جرح أو إهانة أي كان وفي أي مكان هنا.

 

لقد كان حادث اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين على يد يهودي متطرف انعطافة كبيرة-أو هكذا اعتبر- داخل المجتمع الإسرائيلي بسبب حجم الهدف وكونه سابقة خطيرة،لكن الحادث وذيوله قد حوصر ولم تتبعه تغيرات دراماتيكية على الأقل فيما يتعلق بعدم لجوء أطراف المختلفين سياسيا وأيديولوجيا في إسرائيل لحمل السلاح ضد بعضهم البعض،أما نحن –مع الأسف- فكل حادث أهون شرا وأقل ضررا من الذي يليه ،فالسلم الاجتماعي في مهب الريح ،ولو أن الآخرين تناحروا فلا يجوز لنا هذا لأسباب يعرفها الصغير والكبير،ولكن هيهات هيهات،فلا مواعظ العلماء والشيوخ والتذكير بالآخرة وحرمة الدم تجدي نفعا،ولا التذكير بضرورة الحفاظ على النسيج الوطني والترابط الاجتماعي تجد من يصغي لها،كل هذا بات شعارات وكلمات نحفظها ونرددها دون أن تنعكس على سلوكنا وتعامل كل منا مع أخيه في الدين والوطن والتاريخ والمصير!

 

عائلات تقتل أبناء بعضها وسكان مدينة يتقاتلون مع جيرانهم سكان المخيم أو القرية رغم أن علاقات مصاهرة كثيرة تربطهم عدا عن الروابط الأخرى القوية،أي أن أعمامنا يقتلون أخوالنا وبالعكس،هكذا هي الصورة التي أمام أعيننا ،فلا داعي أن ندفن رؤوسنا في الرمل ونتشدق بالشعارات التي ليس لها من التطبيق نصيب!

 

القضاء معطل وشبه مشلول وهو في حالته الطبيعية مدموغ بالبيروقراطية والروتين المزعج  وهذا شجع الكثيرين منا على أخذ القانون باليد ،ولوحظ أن مطالب مشروعة وغير مشروعة تتحقق وبسرعة عند لجوء أصحابها إلى العنف الموجه لمؤسسات عامة أو أشخاص،وكأن هناك إيحاءا خفيا بأن العنف هو السبيل لانتزاع الحقوق أو فرض ما هو غير جائز شرعا وقانونا وعرفا! أما صغارنا فيُشحنون بثقافة الاستعلاء والازدراء والسخرية و"تميز العرق" تجاه نظرائهم من أبناء شعبهم ،فماذا ننتظر منهم؟ لا أحد منا لديه استعداد للتنازل عن شبر أو موقف أو تقديم اعتذار لجاره أو قريبه أو ابن شعبه،ولا يتهمنني أحد بأنني أبرئ المسئول الرئيسي عن الأمر كله أي الاحتلال ،كلا،فالاحتلال يتحمل المسئولية الكبرى،وأيضا وبسبب الاحتلال زادت نسبة البطالة والفقر وهذا من أسباب تصاعد العنف الاجتماعي،فلو كان الناس منتظمين في وظائفهم ومتاجرهم ومهنم اليدوية والصناعية ومزارعم وحقولهم لكانت نسبة العنف أقل بكثير مما نشاهده بلا شك.

 

ويحق لنا أن نسأل وباحتجاج :أين هي برامج التشغيل المتواصلة المنتجة  التي تحد من عدد الفقراء وسينتج عنها وبالتأكيد إخراج عدد منا من دائرة ممارسة العنف  ضد الجيران والأقارب؟وأين هي الثقافة السليمة التي لا تقوم على شحني وتعبئتي ضد من أختلف معه في شيء صغير تافه وأتفق معه في أشياء وأشياء كبيرة وهامة؟ومتى أتعلم أن أحتفل بزفاف أخي أو قريبي أو صديقي دون أن أطلق النار في الهواء تاركا المجال لتحويل العرس إلى مأتم مثلما حصل في غير مكان؟ وأين من ينصر أخاه ظالما أو مظلوما بالمفهوم الشرعي الصحيح للعبارة بأن يردع شقيقه أو ابن عشيرته أو ابن بلدته أو مخيمه أو قريته أو ابن تنظيمه عن غيّه وعدوانه؟وكم يجب أن يسقط من الضحايا حتى نخرج عن صمتنا ونقول بملئ أفواهنا :كفى ...حسبكم ...نريد الأمن في بيوتنا وأعمالنا ومدارسنا؟هل سيحدث هذا عندما يكون في كل بيت مأتم نتيجة بأسنا الشديد فيما بيننا؟!

 

 هل نلوم من يسعى إلى الهجرة؟لماذا وهو يعاني بطش الغريب وتسلطه وشظف العيش وانسداد سبله وأيضا فقدانه الأمن والتهديد المستمر لحياته من الغريب والقريب،قدموا شيئا للساعي للهجرة يجعله يعيد النظر في هذه الفكرة،ولا تكتفوا بإلقاء المواعظ والشعارات ،فهو بالتأكيد استهلكها قبل أن يتخذ قراره!

 

نحن في مركب سيغرق لا محالة إذا لم تحدث ثورة ثقافية تقلب مفاهيمنا ونظرتنا إلى بعضنا البعض،لا تكفي الحوقلة بل يجب أن يتبعها العمل المأمورين به بالنص الصريح { وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ وسَتُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } ،ليعمل الجميع منا ابتداءا من الأسرة الصغيرة وحتى العشيرة الكبيرة والمؤسسة الأمنية والمدنية على وضع منهجية تجعلني أعتقد  في دخيلة نفسي أنه محرّم علي وعار كبير يلحقني إذا بسطت يدي لأقتل ابن شعبي ولو اختلفت معه على مبلغ من المال أو شبر من الأرض أو موقف معين ،لكن هذا يعتبر حاليا بطولة و رجولة وشيئا لا بد منه لدى قطاعات واسعة من شعبنا!

 

أنا لا أمارس جلد الذات بل أصف واقع الحال ،وأعرب عن خوفي على نفسي وأهلي وجيراني وزملائي مما يتهددني في كل لحظة وفي كل مكان من وطني،واعلم أنني لست أول ولن أكون آخر من يكتب ويتحدث عما يجري يوميا من قتل وتخريب إذا لم ينل مني اليوم سينال مني في الغد وإذا نجوت منه لن تنجو أسرتي أو البقية من أبناء أهلي ووطني ،ولكن إذا كان هذا الكلام سيذهب أدراج الرياح ،فخلال فترة أجزم بأنها ليست طويلة فإنه لن يجدنا وطننا ولن نجده أيضا!
 

 

(عضو تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين)

جنين-فلسطين

 

http://sammour.modawanati.com

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net