برغم الوضع الفلسطيني ... فاز أردوغان

سري سمّور
 

SARI_SAMMOUR@YAHOO.COM 

Jul 25, 2007


 
فوز حزب العدالة والتنمية بقيادة السيد رجب طيب أردوغان في الانتخابات التركية يحمل رسائل ذات مغزى عميق ويفند كثيرا من الإدعاءات والأراجيف والأقاويل والشائعات التي كثرت في الآونة الأخيرة.
أمريكا بالمرصاد!
من المعروف ومن المسلّم به أن القوى الغربية الاستعمارية المعاصرة سعت وتسعى وستسعى لإفشال أي تجربة للحكم تخوضها الحركات الإسلامية بمختلف مشاربها ومنطلقاتها؛هذا بغض النظر عن طريقة وصولها للسلطة سواءا وصلت بالقوة أو بانخراطها بـ"اللعبة الديموقراطية" ،وهذه القوى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في سبيل تحقيق هدفها المتمثل بإفشال بل واستئصال الحركات الإسلامية التي تصل إلى السلطة أو التي يمكن أن تصل تتبع أساليب عدة بدءا بالحصار الاقتصادي وفرض العزلة السياسية الدولية والحرب المخابراتية السرية،وافتعال حروب وأزمات مذهبية وطائفية وقومية،وانتهاءا باستخدام الخيار العسكري المباشر،وقد يسبق هذه الحروب الشعواء بمختلف مستوياتها عملية مساومة تقضي بالسماح للحركات الإسلامية بالمشاركة في الحياة السياسية شريطة أن تكون ضامنة للمصالح الأمريكية وبالتأكيد الإسرائيلية في المنطقة أو المناطق التي تحكم أو تشارك بالحكم فيها.
وواشنطن لا تفرق هنا بين حركة أو أخرى إذا ما سارت في فلكها؛فلقد رأينا كيف استقبل الرئيس جورج بوش كلا من عبد العزيز الحكيم(شيعي) وطارق الهاشمي(سني) في البيت الأبيض بعدما رأى من كليهما استعدادا لتكريس الاحتلال والهيمنة الصهيو-أمريكية على العراق شعبا وأرضا وثروات،إضافة إلى ما يجري تداوله في بعض الأوساط عن حوارات وتفاهمات مع بعض أطراف الإخوان المسلمين السوريين بهدف إسقاط نظام الحكم في دمشق مقابل سير الأخيرة بعد ذلك في المخطط الاستعماري الأمريكي الصهيوني.
لقد حاولت واشنطن وما زالت القيام بثورة مضادة في إيران لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية التي جاءت بها ثورة الإمام الخميني،ولجأت لاستخدام القوة العسكرية في سني الثورة الأولى،وتقوم اليوم بإعداد العدة لغزو جديد يستهدف إيران بذريعة برنامجها النووي،ولم نرها تتحرك بنفس الحدة فيما يتعلق بباكستان التي امتلكت القنبلة النووية.
وعندما فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجولة الأولى من الانتخابات الجزائرية عمد الجنرالات المرتبطين والموالين للغرب إلى تنفيذ انقلاب قطع الطريق أمام جبهة الإنقاذ وأدخلوا البلاد في عشرية دامية لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم،ولم يحرك الغرب ساكنا لإنقاذ الديموقراطية التي يتشدق بالدفاع عنها،مثلما فعل في أكثر من مكان في العالم والسبب معروف!
وقد قامت واشنطن بقيادة قوات من حلف الناتو بغزو واحتلال أفغانستان التي كانت تحت حكم حركة طالبان ونصّبت في كابول حاكما على مزاجها ووفق معايير خططها الاستعمارية،وتكرر الأمر مع الصومال  بعد سيطرة قوات المحاكم الإسلامية عليه فأغرت دولة تابعة لها هي أثيوبيا لتنفيذ مهمة اجتياح الصومال وتنصيب حكومة موالية لها وبالتالي لواشنطن في مقديشو.
وبغض النظر عن رأينا وتحفظاتنا على بعض أو كثير من مسلكيات طالبان في أفغانستان أو المحاكم الإسلامية في الصومال ،فإنه ليس من المقبول تدخل قوى خارجية لإزاحتهما ومطاردتهما بالبطش والقوة ،وفرض أمر واقع جديد ،فالشعبين الأفغاني والصومالي يفترض أنهما هما من يقرران مصيرهما وليس أسلحة أمريكا وقوات أثيوبيا المدعومة من أمريكا،مع العلم أنه لو قبلت طالبان ومن بعدها المحاكم الإسلامية بالشروط الأمريكية لبقيتا في الحكم حتى الآن ودون أن تعترض واشنطن على مسلكياتهما إلا همسا ،ما دامت كل منهما منفذة لمخططات أمريكا في ما يتعلق بالثروات والحرب على ما يسمى بـ"الإرهاب".
في فلسطين بل بمعنى أدق في جزء من فلسطين المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة جرت انتخابات شهدت واشنطن نفسها بنزاهتها وفازت فيها حركة حماس بأغلبية مكنتها من تشكيل الحكومة،فكشرت الولايات المتحدة عن أنيابها وبمساعدة دول أوروبية كبرى وبالطبع إسرائيل ،وأخذت تطرح الاشتراطات والإملاءات ،وقامت بحصار الشعب الفلسطيني وفرضت العزلة على الحكومة التي شكلتها حماس ،وكأنها تريد أن تعاقب الشعب الفلسطيني على خياره الديموقراطي،ولسان حالها يقول:"إذا أرادت حماس كسر العزلة عن شعبها فعليها القبول بالإملاءات والشروط وإلا ..." ،وإذا كانت أي حكومة تعطى مهلة مئة يوم لتقييم أدائها فإن هذه الحكومة لم تعطى ولو حتى مئة دقيقة،وواصلت أمريكا سياسة زرع بذور الفتنة والاقتتال بين الفلسطينيين بعدما حاصرتهم ،وهي تدرك أن تربة الفقر والتجويع والحصار خصبة بما يكفي لإشعال فتيل الاقتتال بين الإخوة.
هذا مصيركم!
من خلال التجارب السابقة أرادت أمريكا ومعها بعض الأبواق المأجورة وأيضا بعض من لا يرون الصورة بوضوح فيصبحون أبواقا دون أن يكون بنيتهم التعاون مع أمريكا،أرادت توجيه رسالة وتعميم ثقافة بين مختلف الشعوب العربية والإسلامية تتلخص بعدة محاور:-
1) الحركات الإسلامية لا تجلب على الشعوب والبلاد التي تقع تحت سيطرتها إلا الخراب والدمار واحتلال الأغيار وأفغانستان والصومال أكبر مثال!
2) الحركات الإسلامية لا تستطيع إدارة شئون البلاد والعباد وتعاني من طفولة سياسية مزمنة لا شفاء منها،ولا تسعى لخدمة شعبها ولا تهتم بمعاناته في سبيل التمسك بالحكم وفق برامجها ،حتى لو كانت تلك البرامج تقطع أرزاق الناس،وحماس في فلسطين مثال حاضر!
3) وبناء عليه فإنه خير للشعوب التمسك بل الدفاع عن أنظمتها الحالية مهما بلغ بها الفساد من مبلغ ،وحتى لو سادها الترهل والعجز والجمود ،لأن البديل مرعب جدا،فالأنظمة الحالية بلا أي تغيير خير من مجرد التفكير بالتغيير عبر الحركات الإسلامية!
4) وفي حال نجحت واشنطن في تعميم ما سبق وترسيخه في أذهان الشعوب والنخب؛تنتقل إلى مرحلة أخطر وهي أن الخلل يكمن في الدين الإسلامي نفسه ،فهذا الدين لم يعد صالحا لهذا الزمان ،ويجب إعادة النظر في سور وآيات القرآن،واستبدال الإسلام بغيره من الأديان!
5) وفي حال عمّت هذه الثقافة الخبيثة وطمّت ستكون الشعوب العربية والإسلامية جاهزة كي يصبح معبودها هو أمريكا وكل ما يأتي منها غثا كان أو سمينا،علما أنها لا تصدر إلا الغث المنتهية صلاحيته للعرب والمسلمين،وتكون الشعوب والأراضي لقمة سهلة الابتلاع سلسلة الهضم في بطن الوحش الاستعماري الجديد.
تركيا من جديد
يرى المراقبون أن حزب العدالة والتنمية هو "حفيد" أو ابن حفيد حزب الرفاه الإسلامي بزعامة السيد نجم الدين أربكان ؛ولا زلنا نذكر الملاحقات والمضايقات والمحاكمات التي تعرض لها أربكان ،واستئساد المؤسسة العسكرية عليه وعلى الحياة المدنية في تركيا.
ولا يخفى علينا أن لتركيا وضع خاص بل أخص من الخاص ،فهذه البلاد كانت يوما ما آخر عواصم الخلافة الإسلامية بقيادة العثمانيين،وقد خضعت لحكم علماني يفوق في تطرفه ما يطرحه حتى بعض غلاة العلمانية في الغرب نفسه ،مدعوما بمؤسسة عسكرية قوية قد تلجأ للانقلاب العسكري إذا رأت أن علمانية البلاد المزعومة في خطر،وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي(الناتو)،وتربطها بإسرائيل علاقات عديدة واتفاقيات عسكرية،حرص العسكر على تمتينها وتعزيزها،وتوجهت تركيا خلال عشرات السنين الماضية نحو الغرب رغم أن معظم أراضيها تقع في آسيا وليس في أوروبا ،ورغم أنها عضو في منظمة المؤتمر الإسلامي،فإنها سعت بطريقة قاربت الاستجداء للانضمام للاتحاد الأوروبي،وقدمت في سبيل هذا الهدف كل ما يمكن،ولكن النتيجة ليست كما اشتهى اللاهثون وراء أوروبا،والآن مع وصول ساركوزي للإليزيه فإن  أمل تركيا بتحقيق ما سعت إليه واستجدته في السنين الماضية يبدو أضعف من ذي قبل،ومن البديهي أن تتجه نحو الشرق،لأن الشرق هو حاضنتها الطبيعية وبيئتها الثقافية والحضارية الحقيقية لا المصطنعة.
ورغم تمتع تركيا بثروة بشرية كبيرة وثروات طبيعية هامة ووقوعها في منطقة حساسة من العالم ،فإنها لم تحقق تقدما يتناسب مع هذه المقدرات وظلت تعاني من أزمات اقتصادية مختلفة،ولم تحقق من التنمية التي تتناسب مع مقدراتها إلا النزر اليسير.
من هنا جاء حزب العدالة والتنمية وبفوزه الأخير وضع النقاط على الحروف؛فقد فاز في ظل الأزمة الفلسطينية الداخلية التي أعقبت فوز حماس في الانتخابات التشريعية العام الماضي،وفلسطين كانت قبل حوالي قرن جزءا من ولاية واحدة تحت حكم تركيا،وأخبار فلسطين وأزمتها الداخلية جرى نشرها وتعميمها والتركيز عليها من قبل ساسة وإعلاميي العالم بشكل متعمد،وكان من المفترض تأثر تركيا بما جرى وألا تنتخب حزب العدالة والتنمية ولكن خابت كل تلك الأقاويل،وفاز حزب العدالة والتنمية المستند إلى أرضية إسلامية في الانتخابات ولو بنسبة أقل مما حصلت عليه حركة حماس في فلسطين لأسباب عديدة.
وهذا مؤشر على أن أي عملية ديموقراطية نزيهة في أي مكان من العالم العربي والإسلامي ستحمل على أجنحتها حركة إسلامية إلى المشاركة بالحكم بنسب تختلف من مكان لآخر،ولكن لا يمكن اعتبار الحركات الإسلامية حركات هامشية،وتأثيرها واضح لا جدال فيه ،ومحاولات إقصائها تجر البلاد والعباد إلى ما لا تحمد عقباه،وبالتأكيد هذه المحاولات الإقصائية والاستئصالية يعتمد القائمون عليها على دعم غربي خاصة من أمريكا.
أمام السيد أردوغان مهمات صعبة فحمله ثقيل ولكن التجربة أثبتت حنكة الرجل وذكاءه في إحداث الإصلاحات،في بلد عُمد إلى سلخه من هويته وثقافته على مدى عقود من الزمن،ولا زال سيف العسكر مسلطا على رقاب الشعب ملوحا بالانقلاب،وأردوغان ،إن شاء الله، أهل لهذه المهمة الإصلاحية القائمة على بناء الوطن وتحقيق العدالة والتنمية فيه،مع استعادته لهويته الحقيقية لا المصطنعة وإعادة ترتيب العلاقات مع مشرقه ولعب دور في هذا المشرق خاصة فيما يتعلق بفلسطين والعراق وإيران بإيجابية وفاعلية تتناسب مع حجم تركيا وتأثيرها وإرثها، والسيد رجب فاز في شهر رجب!
أما بعض المشككين بالتجربة التركية وبالسيد أردوغان والذين يطلبون ما عجز من هم أقوى من أردوغان على تحقيقه ،فأسأل الله لهم الهداية،فهم يريدون من أردوغان،وقبله أرادوا من أربكان أن يعود بتركيا بين عشية وضحاها إلى عصر بايزيد أو سليمان القانوني أو عبد الحميد الثاني،وأقول:لا يكلف الله نفسا إلا وسعها،وفي بلد مثل تركيا فإنه لو استطاع الناس تأدية الصلوات الخمس بلا مضايقات فهذا إنجاز كبير جدا،فيكفي أن سياسيا مثل أردوغان يظهر أمام جمهوره مع زوجته المحجبة...تذكروا إنها تركيا وليست...!
ربما أبدو وقد بالغت وأظهرت تحمسا زائدا عن الحد للتجربة التركية وللسيد أردوغان،لا داعي للإفراط في التفاؤل،هناك معوقات كثيرة وخطيرة؛فالعسكر بتدخلاتهم ومضايقاتهم،وضغوط الدول الغربية ،والمشكلة الكردية وغيرها ،لا يجب أن ننسى كل هذا،ولكن توقيت الفوز يدفعنا للتفاؤل بمستقبل الأمة من طنجة إلى جاكرتا،ودلالات الفوز كبيرة والحديث عنها يدخل في إطار وصف الوضع لا التحمس الزائد.
نسأل الله أن يوفق أردوغان لتحقيق العدالة وتعزيز التنمية.
قال الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام:-
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }هود
 

تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net