"الإيدز الاجتماعي" ...هو السبب!

 

سري سمّور
 

SARI_SAMMOUR@YAHOO.COM 

June 08, 2007



(1)
يحلو للكثير منا أن يعزو كل ما يحدث في بلادنا العربية والإسلامية من فتن في الدين والدنيا إلى المؤامرات الخارجية؛ونعلل كل ما يجري من أحداث تراق فيها الدماء وتهدر في سياقها الكرامة وتنتهك الحرمات والأعراض وتضيع معها الثروات بوجود مخطط أجنبي ومشروع للشخصية الفلانية المسئولة في الدولة سين أو صاد أو... ،وأن ثمة نوايا مبيتة وأمور دبرت بليل كي ينال هؤلاء منا ويضعوا الشقاق في ما بيننا بشتى أشكاله السياسية والعرقية والمذهبية والإقليمية.
وقبل أن أتهم بأنني أقلل من حقيقة وجود الخطط الخبيثة والمؤامرات الشريرة ،والصراخ في وجهي بأن تفاصيلها أو عمومياتها نشرت علنا في الصحف المطبوعة والإلكترونية وتحدث عنها الخبراء والمطلعون عبر شاشات الفضائيات ،ولم ينف القائمون المفترضون عليها وجودها بل أكدوها تصريحا أو تلميحا،قبل هذه الرزمة الهجومية العاطفية،أقول بأنني لست بصدد نفي أو مناقشة تفاصيل الخطط وحيثيات المشاريع ،لأننا بتنا نحفظ ما يقال عن ظهر قلب،وأيضا لست بصدد وضع "مشاريع مضادة" هنا أو تقديم برامج تصدي ،ولكن الهدف من هذا المقال هو الحديث عن السبب الحقيقي والأهم لنجاح هذه المخططات والمشاريع بنسبة كبيرة ربما حتى أذهلت القائمين عليها على مدى سنوات طويلة،علما بأنه من الطبيعي والبديهي في عالم تحكمه المادة وتسيطر عليه القيم الاستهلاكية أن نجد مثل هذه الخطط والبرامج،وسأتناسى هنا الآراء التي تنفي وجود مثل هذه الخطط انطلاقا من رفض نظرية المؤامرة جملة وتفصيلا.
إني قد ترجّح عندي أن النجاح المذهل للمشاريع المضرة والمهددة لكياننا كعرب ومسلمين في الماضي ،والنجاح المتوقع بنسبة أكبر لمشاريع الحاضر والمستقبل؛يعود إلى أننا مصابون بـ"الإيدز الاجتماعي" ؛فإذا كان مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز أو السيدا) يصيب جسم الإنسان-لأسباب نعرفها- فيجعله فريسة سهلة للأمراض الفتاكة القاتلة ،فإن "الإيدز الاجتماعي" أصاب المجتمع بأسره بكافة مجاميعه السياسية والمذهبية والإقليمية وجعله عرضة لفتك الآخرين وحقل تجارب لبرامجهم ومخططاتهم المعلنة منها والمخفية ،وبوجود واستمرار وتفاقم فتك الإيدز الاجتماعي بنا فستنجح الخطط بمتوالية حسابية عاما بعد عام وجيلا بعد جيل ،وأبشر بطول فشل وإحباط يا مسلم ويا عربي!
قلت إن التآمر أمر طبيعي في عصرنا،وهو أيضا يدخل في باب الصراع ضمن سنة المدافعة منذ الأزل ،ولكن المؤامرات والنوايا المبطنة لم تكن تفلح فيما مضى وإن صدف ونجحت هنا أو هناك فبشكل محدود التأثير والوقت.
(2)
صخر بن حرب بن أمية ،أبو سفيان،رأس قريش في مكة في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته من المهاجرين والأنصار ،توجه وقد بيّت أمرا بعد أن نقض حلفاؤه صلح الحديبية إلى المدينة المنورة ،وكانت المدينة مفتوحة له وترك له المجال للحديث مع من يشاء وبما يشاء ،فسحبت أم حبيبة بساط زوجها النبي من تحته،رغم أنها ابنته،ولم يكن تقبله بأفضل حالا مع علي وفاطمة وعمر وغيرهم ،لم يُمنع أبو سفيان من الحركة ولم يحدد له مع من يتفاوض ويتكلم ،لكن ذاك المجتمع كان برجاله ونسائه بمن فيهم أقرب الناس إليه موحدا متماسكا ثابتا،لماذا؟ببساطة لأنه مجتمع لم يصب بالإيدز الاجتماعي،وعليه فمهما كانت نوايا أعدائه ومهما رسموا من خطط وحاكوا من مؤامرات فإن "جهاز المناعة الاجتماعي" كفيل بحفظه بإذن الله سبحانه وتعالى الآمر بالأخذ بالأسباب والبناء والاستعداد وتحري العدل والصدق،وإلا كيف ستنجح هذه الثلة في يثرب المحاطة بالأعداء والمتآمرين وبمن لا يقبلون معتقدها الجديد في حال كان المجتمع اليثربي الجديد (مجتمع المدينة المنورة) مصابا بالإيدز الاجتماعي؟! هذا محال طبعا.
سيقول قائل:ذاك مجتمع كان فيه محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه،محفوظ وعين الله ترعاه،صحيح، ولكن الله سيحفظنا إذا اقتدينا بهم بقدر ما نستطيع ،نحن فقط نسمي أولادنا وبناتنا بأسمائهم ويحاول بعضنا محاكاتهم في لباسهم ومظهرهم دون ملامسة جوهر مجتمعهم السليم من داء الإيدز الاجتماعي،ولأن مجتمعهم سليم من هذا الوباء فقد تحققت العدالة الاجتماعية وغاب عنهم شبح الاستبداد وتبعاته الكريهة.
وحتى بعد هذا بسنين حين امتشقت السيوف ووقعت الفتنة،لم يكن التشخيص هو الإصابة بالإيدز الاجتماعي ،بل ربما تكون تلك حالة من الحمى الشديدة أصابت الأمة،فملك الروم خاطب معاوية بن أبي سفيان قائلا:" من ملك الروم الي معاوية :لقد غاضني خصام هذا الرجل لك (يقصد علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه)ومنافسته لك على الملك وبحق تجاور بلدي لبلدك. فقد كتبت إليك إعلانا عن استعدادي أن حارب معك وان أكون جنديا لك أنا وجميع جنود الروم كلهم تحت أمرك فأمر بنا بأمرك لكي نقاتل معك عدوك . والسلام" فرد معاوية على ملك الروم :" من معاوية إلى (...) الروم:لا يغرنك ما حدث بيني وبين ابن عمي ولن يجعلني الخلاف معه استعين بك عليه.فو الله لئن تحركت من مكانك لأسلمن هذا الأمر له ولأكونن جنديا عنده ثم نقاتلكم قتال عاد وثمود، قتالا لا طاقة لكم به فالحذر الحذر" ،ولو جرب ملك الروم الحديث مع علي بن أبي طالب لوجد ذات الجواب وأقسى وأشد:،أولئك أناس عافاهم الله مما أصبنا به بعد 14 قرنا وهو داء الإيدز الاجتماعي،فقد كان ما يعرف بلغة اليوم بـ "الأمن القومي" أو "المصلحة الوطنية العليا" كما رأينا فوق كل خلاف سياسي أو شخصي أو قبلي أو خلافه مهما بلغ من شدة و اقتتال.
سلامة السلف من الإيدز الاجتماعي جعلت مجموعة منهم تموت عطشا لأن كل فرد حريص على سد رمق أخيه قبل نفسه،وجعلت منهم سادة في الحرب والسلم والعلم والأدب،حملوا سيوفهم فانتصروا على أعدائهم ،وحملوا أقلامهم فأبدعوا وبهروا الدنيا بمعارفهم،جابوا البحار تجارا فاعتنق من خالطهم دينهم،ولأنهم بشر فقد اختلفوا وأحيانا اقتتلوا لكن لم يخطر ببالهم تهديد أمن أمتهم والتآمر مع الأغيار ،وتقبل كل ما هو من الخارج بلا تمحيص أو رفضه بغباوة وجهالة لمجرد الشك،ربما أصاب مجتمعهم الحمى أو شلل بعض الأطراف أو بعض السرطانات المحدودة هنا وهناك ولكن الإيدز الاجتماعي ظل بعيدا عنهم!
لكننا اليوم نتشدق بالأمن القومي والمصالح العليا والمصير المشترك وعوامل الوحدة الأكثر من عوامل الفرقة ،ثم تجدنا في تناقض رهيب نقتل وبلا رحمة كل هذه المعاني وبلا تردد،أيا كان من يتآمر أو يخطط أو يحمل مشاريعا أو له أطماع فإنه سيلاقي عندنا من يرحب به ويتعاون معه ويساعده بل يكون متحمسا أكثر منه،وقد يحدث صراع بيننا أينا يكسب وده وثقته...أليس هذا من أعراض الإيدز الاجتماعي؟!!
(3)
إسرائيل تعتبر أمنها في سلم أولوياتها وصلب اهتماماتها ،ولا تخطو أي خطوة تشك ولو لحظة أنها قد تضر بأمنها يوما ما،وحين أذكر إسرائيل تحديدا فلأننا نتفق أنها فسيفساء اجتماعي،ولكن هذا الفسيفساء بيمينه ويساره ووسطه يتوحد ويتفق ضد كل من يمس بأمنه،أما الولايات المتحدة فهي بتشكيلتها الفسيفسائية المعروفة دائما ما تفرز ساسة وخبراء يسعون للحفاظ على تفوق كيانهم وإبقائه على رأس الأمم في الأرض،ثم نأتي ونتشدق بأن مجتمعاتنا ليست فسيفساء بل هي "قطعة واحدة" ،وننسى أن هذه القطعة يفتك بها الإيدز الاجتماعي وليته حولها لفسيفساء متناسقة بل تشظت وتبعثرت وتحولت إلى صورة شوهاء قبيحة!
(4)
السؤال الجاهز الآن هو كيف نشفى أو "نخترع" لقاحا مضادا للإيدز الاجتماعي؟من وجهة نظري ليس هذا المهم الآن ولكن المهم أن نقتنع أننا فعلا مصابون بهذا الداء ،بشجاعة وبلا محاولة للتبرم والهروب بتوجيه اللوم للآخرين فقط ،ثم –وهذا أهم- أن نجمِع على أن هذا الداء هو سبب نجاح أي مشروع أو خطة تستهدفنا وبنسبة كبيرة،وبأنه ما لم نبرأ منه فلا نلومن إلا أنفسنا وسنكون عرضة لأنواع أخرى من الإيدز مثل الإيدز السياسي والتربوي العلمي والثقافي والاقتصادي... ،وفي حال برأ مجتمعنا منه فكل خطط وبرامج ومشاريع ومؤامرات دهاة ودهاقنة السياسة والمال في العالم لن يكتب لها النجاح بالمفهوم الاستراتيجي،اللهم إلا برهة من الزمن على نطاق ضيق من الجغرافيا...فهل هذه القناعة متوفرة وهل ذاك الإجماع ممكن؟!

 

http://sammour.modawanati.com

 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net