"انس الزمان..  انس المكان"

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

Jan 25, 2008


على شرفة ذلك المقهى المطل على دوحة نخيل.. تمضي لحظاته هناك.. ما بين ساعات وسنوات.. بين سحابة دخان أرجيلته وعبق قهوته المحمصة من تحت يديّ ذلك النادل الذي يكتفي بالنظر في وجوه العابرين..

 

يتعجب من توق ذاته كل يوم لتأمل شاهقات النخيل على مدار تلك العقود الخالية.. وكأنه يلتقط لها تفاصيلاً جديدة كلما رمقها.. تماماً كما تدور حكايات جده كشريط في رأسه.. كلمات حنونة عن عشق النخيل.. يتذكر تلك الحكاية التي لطالما كان يرددها عن النخلة التي أعصت في سنة عن إنجاب حبيبات ذهبها المباركة، وكيف أنه  بوحي من إرث معتقداته كان يتهجم عليها بفأسه كي يخيفها لتثمر في الموسم القادم..

 

من نخلة إلى أخرى تدور عينيه بتأن يشبه تأمله لكافة مرتادي المقهى على مدار كل تلك السنوات..

 

هناك.. بين هامات النخيل.. رآها بثوبها الأسود المنقوش بالحمرة.. وبشالها الأبيض الذي يشف شعرها الثائر بسواده الغني.. تسمر في مقعده.. حدقت عيناه.. "من أين أتت بعد كل تلك السنين؟ سنوات طوال مضت وأنا أتأمل كل ذرّة في دوحة النخيل تلك ولم يسبق لي أن لمحتها.. من أين أتت؟ من أين أتت؟"..

 

من هناك.. من بين أحضان النخيل دلفت إلى مقهاه الذي يحتضن ذكرياته مذ حل في تلك المدينة..

ساعات مضت وهو يتأملها بجرأة لافتة.. "أيُعقل أن الخرافة باتت حقيقة؟؟ تلك الخرافة التي كان يعيدها  جدي عليّ.. الروح المعشوقة لا تموت.. بل تتقمص أخرى ولو بعد أزمان.. إنها لا تموت.. لا تموت"..

 

ارتعشت يداه عندما رمقته بنزق واختفت بين زحام مرتادي المقهى.. هرع نحو الباب ليلحق بها.. تبخرت من بين يديه في وََضَح النهار وعلى مرأى الناس كافة..

 

لم تحمله قدميه.. لم تسعفه أي قوة في العالم لكبح دموعه.. "جدي.. ما بال أساطيرك تلاحقني أينما حللت؟ ستون عاماً ولازالت كلماتك ترن في أذني"..

 

أيام مضت وهو يتأمل دوحة النخيل بإصرار.. "لابد وأن تعود ولو بعد سنين.. لابد لها أن تعود.. ذلك ما كان يردده جدي.. لابد وأن يغدو ذلك حقيقة.. تماماً كما كان يردد جدي بأن الحياة تلوّع المحب على محبوبته لكنها لا تلبث بعد عقود من اللوعة أن تمنحه إياها كي تقر عينه.. جفت المآقي يا جدي.. متى ستعود؟"..

 

وحده نادل المقهى يعلم من ينتظر بينما يرقبه من بعيد.. عندما همّت قطرات الغيث بالانهمار عاجله "لن تعود.. أدخل إلى القاعة الدافئة.. من غيرك يجلس على شرفة تحت المطر؟"..

 

تحدِ لمع في عينيه على وقع كلمات النادل.. يتساءل في خلده "لماذا يملك هذا الساذج الانهزامي كل هذه الروح المستسلمة؟ من قال بأنّ ما ذهب لن يعود؟؟ من أين ابتدع هذا المنطق السوداوي.. لم يجرب عشقي وإلا لما نطق بهذه القناعات"..

 

في صبيحة يوم من أيام المقهى الممتزجة بالألم والأمل.. الصحوة والحلم.. البعد والقرب.. لم يصدق عينيه.. "ها قد أقبلت.. هي.. هي.. أين هو ذلك المتخاذل الانهزامي؟؟ قلت له لابد وأن تعود.. ها قد عادت.. لابد وأن أرقى للحظة الإقدام.. اللحظة الموعودة تستحق المضي قدما مهما كان الثمن"..

 

داهمها على طاولتها.. باغتها بسؤال يتهدج مع خوفه.. "كيف تركوكِ وحيدة؟؟ ألا يغارون على كل هذا الجمال.. تضاهين كل الجمال.. كل جمالهم في كفة وجمالك أنت في كفة أخرى.. ليس الجمال وحده.. فيك السر والسحر الرباني الذي أودعه الله في قلبك كي تظلي المحور".. قاطعته "مجنون.. أنت تهذي.. من أنت؟ دعك في نفسك.. إذهب واعمل في أي شيء ينسيك ذِكري.. انشغل في أي خطب دنيوي ينسيك اجترار الأحلام التي لا تدور إلاّ في رأسك.. والتي لا يسمعها غيرك"..

 

بينما تنسال دموعه.. "أنتِ يافا.. ألستِ يافا؟ لا تراوغي.. سمرتك الدافئة وعينيك الواسعتين.. هدير البحر في صوتك.. وشموخ النخيل في طلعتك.. وأساطير جدي تحوم حولك كتعويذة عتيقة.. ألا يكفيك يا يافا بُعداً؟"..

 

بعصبية مفتعلة "مجنون أنت.. من هي يافا؟ لم أسمع بهذا الاسم من قبل"..

 

 قاطعها "يافا.. بلى يافا.. لا تتخفي حبيبتي.. يكفي ما طمسوه ودثروه منكِ طوال تلك السنين.. أتتنكرين أنتِ الأخرى لذاتك؟"..

 

قامت من مقعدها ترنو نحو الفرار.. أطبق بكفيه على معصميها.. "لا ترحلي.. لا ترحلي.. اسمعيني"..

 

باحت دموعها بما سعى عنفوانها إخفاؤه.. "إهدأ.. أهدأ.. سأنزع لثام الصمت لأبوح لك.. أنا يافا.. لازال الدم يجري في عروقي برغم كل ما سعوا إليه لقطعها.. لا زلت أطل عليك من بعيد.. أرصد نظراتك للنخيل.. أستنطق صمتك مهما كانت مسافة البعد.. أسمع نبضاتك كلما هبت نسائم ذِكري ممن لا زلت أداعب مخيلتهم.. ما باليد حيلة.. كيف لي ولك بكل هذه الشجون أن نقف أمام مؤامرات العالم بأسره؟"..

 

-قاطعها ببقايا صوت ونبض.. "أنا معك.. ألا يكفي؟؟ أليس الحب يصنع المعجزات؟"..

 

بيأس بالغ أجابت  "وماذا صنع الحب طوال الستين عاماً الماضية؟ زادك لوعة وأوصلك حافة الجنون.. زادني غرقاً في مشاعر العجز.. زاد الأوغاد إصراراً وجبروتاً على إبعادنا عن بعضنا"..

 

-" ألا زال جدي رابضاَ تحت النخيل؟"..

 

- "لا يزال هناك.. جعجعتهم تسعى لتذويب صدى حكاياته التي لا تزال تملؤ المكان.. ولكني لازالت مثلك.. أسمعها كل حين"..

 

- "لعل حكاياته تتحقق"..

 

-        " لا تحلم كثيراً.. أخشى عليك من هذا الغرق في بحور الأحلام والأماني.. مأساتنا أعقد من ذلك.. لا بد وأن أرحل الآن.. لا أملك مغادرة مكاني أكثر من ذلك.. قد يتنبه الأوغاد لغيابي وينتزعوا آخر وجود لي هناك"..

 

-        "لا ترحلي جدي كان يقول لابد لجولة الحق أن تنتصر.. لابد للنهر وأن يعود لمجراه الطبيعي يوماً ما"..

 

-        "لا أستطيع البقاء"..

 

 -  "خذيني معكِ مهما كان الثمن.. خذيني"..

 

-        "دربي درب المجهول.. لربما تمتد مأساتي لمئة سنة أخرى.. هل لك أن تصبر على كل تلك السنين؟"..

 

-        "ما يضر الشاة السلخ بعد ذبحها يا يافا؟ مذ افترقنا ونحن جسد خواء بلا روح.. أموات منذ ستين عاماً وما يشعرون"..

 

- "ألم تسمع ببضع الجنيهات التي سيلقونها عليكم بدلاً مني؟؟ دعك مني.. لي من خلقني"..

 

-        "خذيني.. سآتي.. أنا معكِ"..

 

 

في إحدى ليالي الصيف.. جلس هناك بفتوته وريعان شبابه.. سارحاً في دوحة نخيل.. همس النادل في أذنه "فنجان القهوة الذي طلبته بَرَدَ فيما أنت سارح.. هل أحضر لك آخر؟"..

 

بنظرات ملؤها الشوق والعجب قال "أشعر وكأني  أعرف هذا النخيل والمكان من قبل.. لا أدري أين رأيته وأحسست به؟"..

 

اقترب منه، بينما أبدله فنجان قهوة آخر، قائلاً "لا تردد مثل هذه العبارات.. كثيرون قبلك سألوا ذات السؤال.. فما كانت النتيجة إلاّ أن جُزّت رؤوسهم من جلاديهم.. أو سُرقت أرواحهم من معشوقتهم.. انس الزمان.. انس المكان"..


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com