يال شماتتي يا جولدا مائير !

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

March 15, 2008


 
شماتة من نوع خاص تخالجني كلما عنّت على بالي رئيسة الوزراء الصهيونية السابقة جولدا مائير، إذ هي من خالت ذاتها تستشرف مستقبل الفلسطينيين عندما قالت "كبارهم سيموتون وصغارهم سينسون".
 
تعتريني هذه الشماتة كلما نسب طفل فلسطيني ذاته ، التي لم تنعم برؤية فلسطين المغتصَبة، إلى إحدى القرى التي لا تزال قائمة على ذكريات أهلها وتاريخهم وإن هاج الصهاينة من قوة حق الفلسطينيين فيها فجعلوها قاعاً صفصفاً. تعتريني كلما أودع الله روح يافا وبيسان وكرمل وجنين في أجساد فتيات فلسطينيات غضة..
 
أشعر بتلك الشماتة كلما بُعِث عناد وعنفوان فلسطيني من رحم الشلل والدم والقتل والتعذيب، فالرِجل التي أصابها دمدم الصهاينة تستنهض أرجلاً، وكذلك اليد والصدر وأصابع النصر.
 
تتملكني تلك الشماتة كلما أطربتني أهزوجة أو موال فلسطيني، كلما رأيت حلقة دبكة فلسطينية، أو امرأة ترتدي ثوبها الفلاحيّ وتفتل المفتول أو تدمع، ولو مكابرة على الجرح، عندما تفرم بصل المسخّن، برغم كل ما يدّعيه لصوص الصهاينة من أن هذا الإرث الفولكلوري لهم.
 
تغالبني تلك الشماتة كلما عجزت  المواقع والمنتديات الإلكترونية المتصهينة عن دثر العلم الفلسطيني وشعارات النصر والعزيمة وصور قذارات الاحتلال التي لا يفتئ الدم الفلسطيني يبثها  مع كل نبضة قلب من الداخل والشتات.
 
وكم اجتاحتني تلك الشماتة عندما سار فلسطينيون من وسط ما يُدعى "إسرائيل" لتأبين الحكيم جورج حبش، ليتظاهروا ويتجمهروا في موقع قريته التي ردمها قُطّاع الطرق الصهاينة، ليقولوا لهم "لن تنعموا بما نهبتم، ولن تفرّقوا بين حبيبين وإن اغتصبتم المحبوبة وأسرتموها، ففارسها لن يترجل حتى يعيدها إلى أحضانه".
 
وكم أدمعتني تلك الشماتة عندما ذهبت لأمسية محمود درويش ورأيت يافعين وناضجين وهرمين جاؤوا ليشتموا رائحة حيفاوية ليحبسوها في صدورهم ولو لسويعات، لمواساة  وتصبير شوقهم حتى يشاء القدر يوما أن يختلوا ومعشوقتهم للأبد بعدما حالت بينهم قطعان  الخنازير البرية.
 
ولطالما أضحكتني تلك الشماتة كلما لمحت كوفية فلسطينية لم يفلح شواذ الصهاينة في نسبها إلى ذواتهم المريضة، وكلما رأيت خريطة أو مجسماً أو بيت شعر فلسطيني يضع أصبعه في عيون وقحة لم تفلح برغم جبروتها العسكري أن تتغلب ليس على حجر من طفل فلسطيني فحسب، بل حتى على كلمة "فلسطين".
 
وليال طوال لم أنمها من فرط شماتتي عندما تخيلت وجوه الأوغاد التي تكسوها قترة الإجرام وقد وقفت عاجزة أمام لوحة لإسماعيل شموط أو كاريكاتير لناجي العلي  لم يفلح "موساد  القذارة"  في استئصاله من كل بيت فلسطيني ومن كل واجهة كمبيوتر أو جهاز خليوي.  تماماً كما لم تتمكن  أفواههم المتعفنة التي تقتات على مص الدماء
من التهام معرض النكبة للفلسطينية رنا بشارة الذي سردت فيه فصول العذاب الفلسطيني من خلال الشوكولاتة. حينها وقفوا ومصانع شوكولاتتهم المتناثرة في كل مكان في العالم وقفة ذل وعجز من غير أن تفلح البلايين والإعلانات الساقطة من إسباغ الشرعية عليها.
 
 
وكم غمرتني تلك الشماتة مراراً عندما عجز الساقطون برغم سلاحهم الهوليودي القذر من دحر أفلام الفلسطينين الوثائقية بل وحتى شهاداتهم الحية التي تفوح منها رائحة زيت الزيتون الذي أسرج قلوبهم المعذبة في عقر الدار وفي مخيمات اللجوء. كذلك شماتتي بالآلة الصهيونية العسكرية المسعورة التي دكّت صبرا وشاتيلا، بيد أنها هُزِمت عند عبارات "فلسطين عربية" و"عائدون" التي خطتها الأيادي  المبتورة على جدران المخيم المهلهلة.
 
سنبقى نشمت يا جولدا مائير إلى أن تحين لحظة الشماتة الكبرى:  يوم ندحركم بالنصر..
يومها ستكونون يا جولدا مائير أمام خيارين أحلاهما  علقم بالنسبة لكم، وأمرّهما شهد بالنسبة لنا.. فمنكم من سيموت  قهرا من الهزيمة ليلتحق إلى جانبكِ في مقبرة ستغدو ذكرى نتنة نمر عليها كل يوم لنقول "لا سلام عليكم مقبرة قوم مغتصِبين"، فيما القسم الثاني منكم سيتوسل برحمتنا ليعود من حيث أتى، فيستيقظ فينا محمد الأمين ونخلي سبيلكم بعدما نغنم منكم ناطحات السحاب والقصور. وبعد أن نغنم الأهم: أرضنا ونصرنا.
 
وسنشمت يا جولدا مائير ونشمت بينما نرقص على قبوركم تلك رقصات النصر ودبكاته، وعندما نستقبل وفود العالم الحرة مهنئة لنا بالنصر، وعندما تعود لُحمتنا من جديد لنبني معاً ما هدمتموه بزفير نذالتكم.. حينها سنحمل معشوقتنا فلسطين على الأكتاف لنعوضها حنانا وحبا افتقدته صابرة محتسبة طوال حقبتيّ الاستعمار والاحتلال الساقطتين النتنتين..
 
يومها سنحتار أي دلال  سنغدقه عليها: فهنا سيكون شعر.. وهنا سيكون فن.. وهنا ستكون رقصات ودبكات وزغاريد.. وهنا قهقهات.. وهنا قُبلات.. وهنا ولائم.. وهنا صلوات.. وهنا أحياء.. وهنا أموات أحرار وشهداء سيبعثهم الله ليعوضهم عما عاشوه من لوعة وقهر وبُعد إبّان حقبة هياج الثيران الصهيونية..
 
 
والأيام بيننا يا جولدا مائير..

تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@yahoo.com