لم تفلح المؤهلات الأكاديميّة
العالية التي يحملها د. أبو نادر
(56 عاماً) في منحه الشعور بالثقة
والاطمئنان لقراره إنهاء رحلته مع
الاغتراب بعد 35 عاماً قضاها في
عمله الأكاديمي ما بين أميركا
وبريطانيا والكويت والسعودية.
"يتملكني القلق حيال المرحلة التي
سأقدم عليها وعائلتي على الرغم من
تأميني مسكناً ً ومورداً للرزق في
عمّان قبل سنوات من أخذي لهذا
القرار"، بهذه الكلمات يعبّر أبو
نادر عن حيرته و توجّسه من قرار
العودة للوطن.
مبرراً ذلك ب "انتهاء حقبة الدخل
الثابت الوفير" الذي اعتاد عليه
طوال سنواته الماضية، عدا عن ضيق
شبكة معارفه في المجتمع الأردني
ما يعيده لذكريات "أولى سنيّ
الشباب عندما كان شعور الضياع هو
سيد الموقف".
و بحسب الإحصائيات الرسمية، فإنّ
ما يقارب 590 ألف مغترب هم
الأردنيون الذين يعيشون في دول
الخليج العربي وحدها، أي ما يقارب
10 % من تعداد سكان الأردن.
على الصعيد الآخر، ترفض (داليا،
27 عاماً) فكرة الاغتراب من
أساسها، على الرغم من "الفرص
الذهبية المعروضة عليها في القطاع
الطبي الذي تعمل فيه منذ سنوات".
مبررة ذلك ب "التجربة القاسية
التي عاشتها عندما عادت للأردن
بعد سنوات عمرها التي أمضتها مع
أهلها في الغربة، حيث لازالت
تقاسي مشاعر الغربة وسط الأقارب و
المعارف". بالإضافة ل "افتقارها
للمعرفة الكافية بطباع أفراد
المجتمع" ما عرّضها للعديد من "التجارب
الاجتماعية الفاشلة" التي تتمنى
ألاّ يقاسيها أطفالها مستقبلاً.
ويعزو استشاري الطب النفسي
الدكتور خليل أبو زناد مشاعر
الخوف والضياع عند العودة من
الغربة إلى غياب عنصريّ "التهيئة
لحتمية العودة للوطن يوماً ما،
بالإضافة لغياب التخطيط في حال
أخذ المغترب قراره بالعودة".
ويميز أبو زناد بين "العودة
الإجبارية المتمثلة بالإقالة،
والعودة الاختيارية المتمثلة
بالاستقالة". حيث تعتري المُقال
مشاعر "القهر والألم على قطع مورد
رزقه من غير وضعه ذلك في حسبانه"،
بعكس "المستقيل الذي غالباً ما
يرتب حياته على أساس القرار". غير
أنّ أبو زناد لا يلغي في كلتا
الحالتين حتميّة "الشعور بالقلق
والضياع الذي قد يتطور لدى
الكثيرين لحالة اكتئاب حادة
تستلزم تدخلاً علاجياً".
و يعرّج أبو زناد على أسباب أخرى
لمثل هذه الحالة، و منها "الإقبال
على مجتمع جديد يضمّ عادات وأعراف
كانت قد غابت عن وعي المغترب الذي
كان يعود للوطن في إجازة محدودة
فقط". كما أنّ آخرين يخشون من "الطمع
المادي ممّن حولهم فيما عادوا به
من أتعاب و مستحقات".
إلى جانب المعاناة النفسيّة، يؤكد
الخبير الاقتصادي حسام عايش على "المعاناة
الاقتصادية" التي يعانيها من ينهي
رحلته مع الاغتراب، حيث يعني ذلك
للبعض "غياب الدخل الثابت وانحسار
الرفاهية الاقتصادية التي كان
يعيشها في غربته".
كما أنّ الكثير من المغتربين
العائدين، بحسب عايش، يخوضون "مغامرات
مالية متهورة تتسبب في ضياع ما
عادوا به من أموال". و هو ما يراه
عايش "تقصيراً في التحري من قِبل
المغترب عن أوجه الاستثمار
السليمة لأمواله، كما تقصير حكوميّ
في التوعية الاجتماعية و
الاقتصادية للمغتربين قبل عودتهم
وبعدها".