مخيم البقعة لا يستقبل العيد !

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

Oct 08, 2007


 
 بين الأزقة النازفة بمياه الصرف الصحي الآسنة، والبيوت المهلهلة التي تضيق بساكنيها، والطرقات الحبلى بالحفر والعثرات التي تشبه قدر عابريها، يقطن أهالي مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين في الأردن.

وسط لجة المخيم، وشقاوة أطفاله، ودواجنه التي تحوم بين المارّة، تقبع الحاجة أم محمد التي تختزل ملامح محيّاها ذكريات النكبة وضياع الأرض منذ رُحّلت من قريتها (شحمة) الواقعة بين يافا وحيفا عام 1948، عندما كانت لا تزال طفلة حين هرعت بها والدتها هرباً من آلة البطش الإسرائيلي المنقضة على وداعة فلسطين.

وبدموع أفصحت عمّا لا تفصحه الكلمات، بثت أم محمد شجون الفقر والعوز وغياب أبسط متطلبات الحياة الكريمة من سقف أخف وطأة من صفيح الزينكو الذي ينفث حرارة الشمس اللاهبة صيفاً، وصخب المطر المنهمر شتاء، إلى جانب شح المياه والكهرباء والخدمات الصحية.

"
أي عيد؟ إحنا مالناش عيد.. من يوم ما انطردنا من بلادنا خلصت الأعياد"، بهذه الكلمات الممتزجة بشهقات الحزن والأسى وصفت أم محمد عيد البقعاويين، محتضنة تطريز ثوبها الفلاحي الذي رفضت طوال حياتها ارتداء غيره من ملابس.

وعلى بُعد أمتار متسخة من منزل أم محمد، تقبع عائلة هشام (52عاماً) في مأوى مساحته ثمانية أمتار عرضية وإثنا عشر طولية، مقتسم منه غرفة صغيرة للابن المتزوج، ومتر لطاولة عليها سكاكر زهيدة الثمن يشتري منها صبية المخيم من خلال نافذة صغيرة يدسون منها "الشلون والبرايز"، ليتذوقوا ما قد يحلي مرارة بؤسهم.

"
الولد الصغير عنا من وهو خمس سنين بسأل ليش اسمه ابن مخيم، وشو يعني وكالة وكرت مؤن"، هكذا يصف هشام طفل المخيم الذي يرضع مع لبن والدته أبجديات المأساة الفلسطينية في مخيمات اللجوء.

وبجولة خاطفة على سوق البقعة الذي لايشبه في بعثرته وبؤسه إلاّ ذكريات وواقع أهله، ترصد العين الأيادي الفارغة من أي بضائع مشتراة لموسم العيد، وهو ما يؤكده بائع الملابس ناصر (40 عاماً) قائلاً "المخيم خاو على عروشه، الحركة الشرائية خفيفة"، مردفاً "كل سنة عم بتخف الحركة، الأمور ماشية للأسوأ".

ويذهب الثلاثيني عادل، الذي يكدس في بقالته النصف مظلمة علب الحلوى الزهيدة الثمن، لمثل ما ذهب إليه ناصر، إذ يقول "أنا محلي مفرق وببيع بسعر الجملة، وبرضه الناس مش عم بشتروا".

وبأسى لم تفلح السخرية في إخفائه، يفسر مالك محل بيع بالجملة، رفض ذكر اسمه، هذا الركود مازحاً "ومن وين يا حسرة الناس بدها تجيب؟ كيلو السميد ب 60 قرش، وحتى التمر المدوّد ب 70 قرش، لو كل واحد بدو يشتري ويعمل معمول مش حيوكل هو وولاده باقي الشهر".

وببؤس يشبه حال سوق البقعة، الذي يملؤه الذباب المتهافت على المياه الآسنة المتدفقة بين بسطاته، تقبع صواني الكرابيج حلب والعوامة والهريسة المعروضة على إحدى البسطات من غير أن تمتد إليها يد مشتر، فيما يتزاحم البقعاويون بصحونهم الفارغة على محل للفلافل والحمص الذي يشكل "وليمة الراتب الجديد"، بحسب أحدهم.

ووسط طلبات متزاحمة من الزبائن لإضافة ثمن كيلو البندورة والخيار على دفتر الدين المتراكم، تحدث الستيني أبو نبيل عن كساد سوق الخضار كما باقي الأسواق، معللاً ذلك "الناس طفرانة يا عمي".

وبسواعد سمراء تلفحها شمس المخيم، يصب بائع التمر الهندي، الذي رفض ذكر اسمه، العصير لبعض الصبية الذين لا ينتعل معظمهم أحذية تقي أقدامهم من وعورة وقذارة طرقات المخيم.

وبثوبه المصفرّ ولحيته السمراء، يقول الأربعيني علي بأسى تنطقه عيناه قبل لسانه "العيد عنا بس للصغار، لولا خاطرهم ما بننزل على السوق ولا بنعيّد، إحنا ناس تحت خط الحياة مش بس تحت خط الفقر".

ويسرح للحظات، ليردف "إمي الله يطول بعمرها ما عادت عملت معمول ولا قدمت حلو من يوم صبرا وشاتيلا".

وبعنفوان يغزو ملامح الثلاثيني سمير عبد الحليم الذي يحمل طفلته على ساعده، يترنم بأغنية لأبو عرب كي يصف عيد البقعاويين "العيد لما أولادنا تعود، وترجع أرض الوطن ونبوس ترابه".

وبنظرات قاسية ومرتابة، أشاح أحد المسنين بوجهه عند سؤاله عن العيد بين بؤس الذكريات الفلسطينية وبؤس الواقع الفلسطيني المعاش، ليتدخل أحد المتواجدين قائلاً "شو بدك نحكي يعني؟ عيد الفطر أو الأضحى زيّ أيّ عيد، زيّ عيد العمال أو أحكيلك زي عيد الترمس أحسن".

وبلهجة تغلب عليها الثقافة، يقول الستيني أبو كفاح "الوضع الفلسطيني قديماً وحالياً لا يسمح حتى بالتفكير في الفرحة، وما زاد الطين بلّة هو وضع العراق الذي يعيدنا لذكريات بداية المحنة الفلسطينية".

ويردف "نحن أهالي المخيمات عصب القضية، ماضيها وحاضرها ونتائجها المعاشة منذ تسعة وخمسين عاماً، لا يعني لنا العيد أكثر من مناسبة دينية نضيفها سنوياً على مذكرات مأساتنا"، ليستسلم لبؤسه في نهاية الحديث قائلاً "العيد انتهى بالنسبة إلنا من يوم ما راحت أرضنا، ومش حيرجع إلاّ بس نرجع".

وبأكياس صغرة محمّلة بمواد غذائية بائسة، تسير أم نضال نحو وحدتها السكنية البالية، لتعلّق على السؤال عن العيد في البقعة قائلة "مشان الله بدنا نعيش بأمان، أتركيني بحالي"، لتعقّب بعد طمأنتها "أختي برّة المخيم ووضعها أحسن مني، أعطتني خمسين دينار عشان أشتري للأولاد جاكيتات وشويّة ملبّس قبل الشتوية والعيد".

ومن تحت نظّاراته الطبية السميكة، أطلت عينا الصيدلاني، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، ببؤس وأسى عند سؤاله عن الأحوال الصحية في المخيم، قائلاً "الوضع الصحي متردي كثيراً، الناس لازالت تعاني من تبعات مشكلة التسمم التي ألمّت بالمخيم قبل أشهر، المياه الآسنة المتدفقة من المجاري، القمامة في الشوارع والذباب المنكبّ عليها، الوضع المالي الذي لا يسمح بشراء أدوية، كل هذا وتسألين عن الصحة في المخيم؟".

ويعدّ مخيم البقعة واحداً من بين ستة مخيمات أنشئت عام 1968 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين الذي هُجّروا من فلسطين على أثر العدوان الإسرائيلي عام 1967، لتضاف إلى خمسة مخيمات سبقتها نتيجة عدوان 1948.

ويقع المخيم، الذي يشار لكونه من أكبر مخيمات اللاجئين في الأردن، على بعد 20 كلم شمالي العاصمة عمّان، كما كان المخيم يتسع في بداياته ل 5000 خيمة تؤوي 26000 لاجئ على حوالي 4و1 كم مربع، لتستبدلها الأونروا بمساكن جاهزة نتيجة الشتاء القارس، وليبلغ تعدادها 8048 بين عامي 1969 و 1971.

وبحسب إحصائيات وكالة الغوث، فإن 5161 لاجئ في المخيم يتلقون مساعدات منها من خلال برنامج حالات العسر الشديد، كما تدير الوكالة عيادة عامة وعيادتين لرعاية الطفولة والأمومة لخدمة حوالي 1200 مريض يومياً، كما تدير 16 مدرسة في المخيم ينتظم فيها حوالي 16718 طالب.

وتشير تقديرات غير رسمية بأن هنالك حوالي مليون وربع لاجئ فلسطيني غير مسجلين لدى الأونروا، ومشردين في بقاع العالم كافة.

ويرفض الإسرائيليون الاعتراف بأحقية اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها قسرا بعد نكبتي 1948 و1967.

في مخيم البقعة، تختلط النظرات المنكسرة بالعنفوان الرابض في الأعماق، بلسان حال جماعي يردد "عيدٌ بأي حال عدت يا عيد، لأمر مضى أم فيك تجديد؟"، لتبقى صادحة في جنبات المخيم الشاهد على اغتصاب فلسطين في وضح النهار

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net