حتى لا ننسى 6

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

May 20, 2008


على هدير موجه الذي يعانق بزرقته السماء تغازل العشاق ليالي طوال.. وعلى ضفافه الخيّرة صدحت ضحكات البراعم وهم يتراشقون بمائه.. وفي اللحظات التي كان ينشق عليه الفجر عزفت ابتهالات البحّارة والصيادين أجمل شجونها مع زقزقة العصافير التي كانت تشهد كل صباح ميلاد يوم أجمل وأزهى.

على حين غرّة هاجت رقاقات الموج الحنونة..وزبّد الموج وعربد، مبتلعا في طريقه نحو الشاطئ همسات العشاق وضحكات البراعم وابتهالات البحّارة والصيادين وزقزقة العصافير، ليخلّف مجزرة مرعبة..وليته اكتفى، بل راح يقضم مشيّعي المجزرة الواحد تلو الآخر..فمنهم من غشّاه الموج فطوى كل إرث سعادته السابق ودمعته التي لم تأخذ وقتها لتنهمر بعد على المجزرة المباغتة، ومنهم من التقفته رياح البعد فمضى وذهوله بعيداً.

يسرا ضيف الله التي ماتزال تتنشق نسائم بحر عكا، وسميرة الكيالي التي لم تفتأ تقبض على أمواج يافا الوادعة قبل أن يمتطيها سرب الحيتان المسعورة، كلتاهما لم تستطيعا يوماً نسيان شاطئ فلسطين على البحر المتوسط. ذلك الشاطئ الذي أودع أهله الأصلاء أيامهم وذكرياتهم فيه إلى حين العودة يوماً ما.

كانت يسرا، التي ناهزت الخامسة والسبعين هذا العام، في ذلك اليوم في منزل جدها لوالدها.تعالت صرخات أهالي عكا من العصابات اليهودية التي انقضت على المدينة.

بصوت يملؤه رونق عكا وأعمق جراحها، تقول "سمعنا الصوت وكنا خايفين على أبوي وباقي الرجال اللي بعكا، وشفنا لما الثوار فتحوا سجن عكا وطلعوا المعتقلين وقت الانتداب البريطاني بسرعة. كانت الحالة مرعبة بعكا بعد ما كانت من أجمل مدن فلسطين وأكثرها حضارة. كنا من الخوف ننزل على الدرج عشان نشوف شو صاير، وما نلاقي إلا ألغام يدوية بتلمع على باب البيت نرجع بسرعة".

يتعانق في عينيها جمال عكا ورعبها في ذلك اليوم، تطرق للحظات من غير أن تحتمل ثقل الآلام. بلكنتها التي تراوح بين الفلسطينية واللبنانية تعاود القول "أبوي إجى وركّبنا بسيارة نقل كبيرة. قاللنا: ما راح نطوّل برّة عكا لا تجيبوا معكن غير طراريح(فرشات صغيرة للنوم). كان الوقت حوالي أربعة الصبح، كانوا اليهود فاتحين الطريق على لبنان وضلينا ماشيين لحد ما وصلنا بيروت. ولما وصلنا بيروت...".

تهزمها تنهيدة حسرة لم تفلح في مغالبتها. تكمل بينما تطل من عينيها دموع عمرها ستة عقود "ولمّا وصلنا بيروت صارت وحدة ما بنعرفها تترجّى فينا ننزل عندها وعند زوجها من شفقتها على اللي صار بفلسطين وكانت من عيلة المغربي. وبعد كم يوم وإحنا عندهن سمعنا بالراديو إنه عكا سقطت بإيد اليهود...".

تمسح بكفيها، اللتين أرهقتهما المصاعب، محيّاها. تغط في موجة بكاء مرير بينما تغطي ملامحها.. بصوت مثقل بدموع وأحزان ستينية تقول "من لمّا طلعنا من عكا كنا بحالة ذهول ومش فاهمين شو اللي عم بصير. ولمّا سمعنا إنه عكا سقطت انهرنا. صرنا نبكي ونلطم وإحنا مش متأكدين إنه اللي عم بنشوفه حقيقة أو كابوس.. أبوي بعدها بكم يوم استأجر لنا بيت بمنطقة برجى وقال لأمي أنا لازم أرجع على عكا، بدي اشوف شو صار فيها. ودّعنا لأنه كان عارف إنه احتمال كبير ما يرجع، ولمّا رجع ما قدر يدخل البيت لأنه قعدوا فيه يهود...".

تكفكف دموعها للحظات، بينما تردف "كل إشي لقاه راح.. البيت وبستان الورد اللي كان مشهور بإنه كل أنواع الزهور بفلسطين مزروعة فيه.. ومحله للنحاسيات.. كله راح.. فلسطين كلها راحت.. كلها راحت".

سيل ألم عارم يجتاح صوتها من جديد، بصوت متقطع تقول "رجع أبوي مكسور من عكا، اليهود نهبوها. من يومها صمم أبوي يرجع وياخد حقه بأي طريقة. بعد سنوات من النكبة بلّش يفكر يقدم على هجرة لدولة أجنبية عشان يقدر ياخد جواز سفرها ويدخل عكا من جديد. راح على كندا، وبعد ما أخد الجواز وبلّش يحضّر حاله عشان يروح على عكا سهر ليلتها مع ناس من جاليات عربية وكان أخوي معه، حكى إلنا أخوي إنه للساعة وحدة ونص بالليل وأبوي عم بحكي عن عكا وجمالها واللي عملوه اليهود بفلسطين.. على الساعة تلاتة الفجر صابته سكتة قلبية وتوفى".

تجهش من جديد في نوبة بكاء شابه عويلها هدير بحر عكا الجريح... دقائق طويلة مرت قبل أن تقول "قلبه وقف ولسه حسرة اللي صار بعكا موجودة فيه. من لما صارت النكبة لحد ما توفى وهو متأكد إنه رح يرجع على فلسطين. كان لفترة طويلة يرفض يزوجني من لبناني وكان يقول عشان لما نرجع ترجعي معنا. وكان يرتب معانا أول سنتين من النكبة إنه لما يحكولنا إرجعوا على فلسطين نلحقه، لأنه رح يسبقنا على عكا".

تدمع من جديد بينما يطل صوتها الحزين من بين دموعها، قائلة "لمّا طلعنا من عكا كان معي عقد زواج أبوي وأمي، وكان أبوي دايماً يحكيلي ديري بالك على العقد عشان لما نرجع على عكا آخده منك. بعد كل العز اللي كان فيه أبوي ببلادنا صار يبيع حلويات في المخيم، ما كان مسموح إله يفتح محل فكان بائع جوال. كانت إمي تساعده وتعمل الحلو وهو يبيعه. انعرض عليه يشتري في مخيم برج البراجنة أرض المتر فيها بليرة ورفض، لأنه كان دايماً يقول إلا ما نرجع على عكا".

تختم يسرا حديثها بينما تستحضر أمواج عكا التي لم تغب عن ذهنها يوماً، قائلة "لمّا طلعنا من عكا عرفت شو كان مقصود بمقولة: يا خوف عكا من هدير البحر.. هدير البحر هو اليهود اللي هجموا عليها واغتصبوها منا بعد ما صمدت بسورها في وجه نابليون".

بقوة موج عكا وشموخه الممتزج برقته وحنانه، تقول "راجعين راجعين.. فلسطين مش إلهم.. فلسطين إلها أهلها اللي بعرفوها وبتعرفهم مهما عملوا الأغراب فيهم وفيها".

من سور عكا وسجنها وبياراتها وبيوتها وأسواقها الشاهدة على كل ما حصل خلال العقود الستة الماضية، تدير سميرة الكيالي وجهة الحديث نحو يافا، التي يربض تاريخها على قلب اليهود الذين لم يتوانوا منذ اغتصابها على طمس معالمها.

تعود سميرة، التي ناهزت الثمانين هذا العام، إلى ما قبل ستين عاماً عندما أنشب المحتلون مخالبهم فيها، لتتخطف أهلها سبل شتات مترامية لم ينته مطافها حتى اليوم.

تقول "كانت طفولتي بين اللد والرملة ويافا.. فلسطين كانت كلها وحدة: جمال وأمان برغم الانتداب البريطاني. كنا جميعاً ببيوتنا وبياراتنا وبين خيراتنا وأهلنا. النهضة اللي كانت بفلسطين ما كان في مثلها، يافا مثلاً كان فيها من هداك الوقت دور سينما ومسارح وأسواق ضخمة. كانت قبلة الفن العربي، مازلت بتذكر لمّا أهلي راحوا حضروا حفلة أم كلثوم يوم اللي إجت غنت بيافا... راحت أيام فلسطين اللي كلها عز ونهضة وخير وهدوء".

تتبدل نظرات الغزل بجمال فلسطين ولياليها المضيئة، بنظرات ملؤها الرعب والذعر من انقضاض العصابات الصهيونية على فلسطين الساحرة. تقول "كان والدي متوفي. وكنا نعيش بين الرملة التي تعود أصولي لها، وبين اللد الجميلة ويافا التي يسكن فيها أهل والدتي الذين نزحنا معهم. كان وضع بيت جدي ممتاز. عشان هيك ركبنا سيارات نقل كبيرة في طريقنا نحو النزوح، وفي أقارب إلنا مشوا على الأقدام. وما زلت أذكر إنه في أطفال من أقاربنا ماتوا في الطريق من شدة العطش. وكيف وحدة من قريباتي خلعت حجابها وعبايتها ولبستهم لابنتيها وزوجة ابنها وبقيت من دون حجاب خوفاً عليهن من اليهود لأنهن كن شابات.. كنا مرعوبين من فكرة التعرض للبنات والنساء من قصة دير ياسين. واليهود عرفوا يلعبوا على هالوتر وروّجوا إله بقوة".

تستحضر تلك اللحظات بآلامها الموغلة بعمق عمره ستة عقود، مردفة "شفت ناس عم بركضوا على البحر وبركبوا قوارب، وناس بركضوا على الطرقات البرية وناس مثلنا ركبوا سيارات نقل. القاسم المشترك كان بيننا كلنا هو الرعب والخوف. بس عمرنا ما تخيلنا إنه ما رح نرجع، كنا متصورين إنه الشغلة أسابيع على أبعد تقدير".

بعنفوان يمزج الرملة واللد ويافا، تكمل "المأساة قوّت الشعب الفلسطيني أكتر وأكتر، الكل توجه للتعليم أو الشغل. أنا على طول درست علوم سياسية في الجامعة الأميركية في بيروت بعد ما كان معي شهادة من دار المعلمات في القدس، وبعد هيك تخصصت بالتاريخ، وبعدها بالكيمياء والرياضيات. غرست مثل كل الشعب الفلسطيني بنفس بنتي حب العلم، والآن هي دكتورة جامعية في لندن في مجال أمراض الدم".

ينهزم عنفوانها للحظات، لتترقرق الدموع في عينيها بينما تقول "عانينا كتير.. قلبونا كانت بتتقطع في كل يوم بنبعد فيه عن فلسطين.. رمتنا الغربة والشتات من بلد لبلد، إجيت أنا وأهلي على الرصيفة بالأردن، وكمان على بيروت وبغداد والكويت. وبرغم إني رحت على معظم الدول الأوروبية مع زوجي إلا إنه ما في إشي بغني عن البلاد.. برتقال يافا بس بسوى الدنيا، فكيف فلسطين بكل ما فيها من خيرات وجمال وحضارة؟".

تزفر حسراتها بينما تتدارك دموعها، قائلة "كل إشي بذكرني بفلسطين، مطار اللد قام على جزء من أراضي أبوي في اللد. وبنتي أخدت الجنسية البريطانية وفي طور رفع قضية على الكيان الإسرائيلي اللي اغتصب أراضينا ومن بينها أرض المطار. ومش بس سرقوا أرضنا كمان تراثنا، ما بنسى لما كنت في باريس ومريت على محل فلافل وطلع محل يهودي بدّعي إنه بقدم أكلات إسرائيلية شعبية.. كل إشي سرقوه".

تتأمل في خريطة فلسطين الموزعة في جنبات فيلتها التي يهيمن عليها التطريز الفلسطيني، لتعاود القول "لمّا تمكن أقارب إلنا من الرجوع إلى يافا لقوا اليهود محتلين قصر جدي ومغيرين ملامحه، حتى إذاعة الشرق الأدنى والمستشفى اللي كانوا جنب القصر انطمست معالمهم.. اللي صار لفلسطين والفلسطينيين ما صار لحدا في الدنيا كلها.. بس راجعين أكيد، راجعين لأرضها اللي تعبنا فيها وزرعناها وبنيناها. راجعين لبحرها اللي لسه متذكرنا وعارف إنا أهله الحقيقيين".


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة :  arabissues@gmail.com