| حتى لا ننسى 5 |
رشا عبدالله سلامة |
|
May 16, 2008 |
ما تزال حتى اليوم برونق
قريتها الحيفاوية "السنديانة"، رغم كل ما صبّه الزمان من قسوة على جمالهما الغضّ.
وتماما كما هدم اليهود "السنديانة" قبل ستين عاما، فإنهم هدموا أفراح الحاجة فاطمة
مصطفى التي برحت تلك القرية الساحرة وعمرها خمسة عشر عاما.
بابتسامتها التي تجمع، كما ليالي "السنديانة"، بين الجمال والشجن، تقول "كانت
قريتنا جنة على الأرض، لحد اليوم ما بنسى شجر التين والزيتون. وكل خير ممكن يخطر
على بالك كنت تلاكي هذيك الأرض بتطرحه".
تتنهد لثوانٍ، مردفة "ما بنسى لما كنت صغيرة وكنت أشوف رجال القرية وين ما ضربوا
جهة في أرض السنديانة بتطلع ميّ من كثر ما كانت قريبة من البحر وأرضها خصبة. وكان
عندنا عين اسمها (عين الميتة) معجزة من الله، كان الرمل يطلع من أطرافها والميّ من
نصها"... بصوت لم تذبل فيه ملامح الحسرة تقول "مش من إشي كليل طمعوا فينا".
لا تلبث ملامح الحزن تطل من عيني الحاجة فاطمة مصطفى ونبرة صوتها، مستذكرة كيف تبدل
نعيم ذلك الجمال السندياني برعب الاحتلال وفظائعه. تقول "وفي يوم بلّشت أخبار القرى
الثانية توصلنا. المجازر والعجايب اللي عملوها اليهود في الناس. وكيف كانوا في
القرى اللي جنبنا يوقفوا الشباب على الحيط ويرشّوهم مرة وحدة بالنار، وكيف كانوا
النسوان يخبوا الشباب جوا الحصيرة وييجوا اليهود يطلعوهم منها ويقتلوهم كدام عينيها
بسكين ماضية. وكيف حتى اللي كانوا يتخبوا بالمغارات كانوا اليهود يقصفوا عليهم
المغارة زي ما صار بقرية (كيزان)، الناس بتفكر هذا الحكي مبالغة، ما بعرفوا إنه كله
صار والمخفي أعظم".
دمعة حزينة تفرّ من عين الحاجة فاطمة بينما تستذكر لحظة هرع المنكوبين من القرى
الآمنة معا، وكيف جمعتهم ليالي التشريد والرعب بعد أن انقضت العصابات الصهيونية على
قريتها والقرى المجاورة. تقول "ليالي كنا فيها ما نوكل ولا نشرب ولا نعرف شو صار
ولا شو حيصير. ولا كنا نتخيل إنه اليهود اللي كانوا عايشين جنبنا بسلام حيعملوا
فينا هيك. كان إلهم مستعمرات جنب قريتنا زي (ابن يمين) و(بردس حنا) و(الخضيرة)
و(المراح) وما عمرنا أذيناهم ولا شافوا من الفلسطينيين إلا كل خير".
يطبق الصمت للحظات، لتشق شهقات بكاء الحاجة فاطمة ذلك الصمت. تقول "لما وصلنا قرية
(عارة) وإحنا نركض من الخوف، كان من بين اللي نازحين من القرى الثانية مرة من قرية
(صبارين) واسمها أمينة الشافعي. وكانت تركض معانا. ولما كعدنا عند شجرة فتحت ثوبها
عشان تطول ابنها اللي كانت حاملته فيه وإلا هي جايبة معها مخدة بدل الولد من كثرة
الرعب والخوف".
يعلو صوت شهقات الحاجة فاطمة. وبصوت متحشرج تكمل "صارت المرة تصيح بحالة هستيرية
لما اكتشفت إنها نسيت الولد، وصرنا نهدّي فيها وما في فايدة. قام زوجها واسمه ياسين
الضحيا رجع على القرية عشان يجيب الولد ما لكي لا الولد ولا البلد. لكى اليهود
دمروا القرية كاملة. ولحد ما توفى من فترة مش بعيدة وهو مش بحالته العقلية ولا
النفسية السليمة من هظاك اليوم".
تعتمل في صدر الحاجة فاطمة تلك الحسرات من جديد. تهدأ للحظات، وتدمع لأخرى. حتى
عاودت الحديث قائلة "كنا نفكر إنه المسألة بس شغلة أيام ورح نرجع. وخصوصا لما ناس
من قرية (كفر قرع) حاولوا يرجعوا، وفكرنا إنا بنكدر نرجع إحنا كمان بس اليهود
انتبهوا ومنعوا أي حدا بحاول يرجع وصاروا يبعدوا فينا حتى عن القرى المجاورة مثل (عارة)
وأجبرونا نطلع منها".
وبصوت يتهدج مرارة، تهمس قائلة "كعدنا تحت الشجر ليلتين في قرية (برطعة) وبعدها
رحنا على قرية (كفّين) وبعدها على قرية (يعبد) وكعدنا تحت شجر اللوز، وكنا بدنا
نموت من الجوع والعطش والدنيا كانت صيف".
بصوت تخنقه الآلام تكمل عن رحلة العذاب تلك "بعدين رحنا على جنين وكعدنا هناك خمسة
أشهر، وصار الصليب الأحمر يوزع مؤن، وبعدين طلعنا على قرية (قباطيا) وجنبها نصبوا
إلنا خيام وصار اسمه مخيم الجنزور".
تستذكر تلك الأيام بينما تكفكف دموعها. تقول "الفلسطينيين شعب بعيش بأصعب الظروف.
حتى وأنا بالخيام كنا نزرع عشان نعيش. الأرض خصبة ووين ما زرعت بطلع الخير...
وظلينا في الجنزور لحد ما وكعت علينا مصيبة جديدة".
تفر الدموع من عينيها بحرقة وغزارة بينما تحاول الحديث فتخذلها قوتها. تكمل بعد
دقائق "إجت سنتها ثلجة كوية ووكعت الخيام على روس الناس. والمواليد اللي تحت
السنتين معظمهم ماتوا وما كنا عارفين وين بدنا ندفنهم. صرنا ندفنهم في المغارات".
تصمت للحظات تهزمها فيها الأحزان. تعاود الحديث قائلة "رجعنا طلعنا بعد ما وكعت
علينا الخيام على جنين وهناك كعدنا في المساجد... وبعدها طلعنا على مخيم نور شمس.
ولما صاروا يبنولنا خشش كطّعت الحسرة قلوبنا وعرفنا إنه البلاد راحت".
تجهش الحاجة فاطمة، التي تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى الأردن لتنجب منه ثلاثة أبناء
وابنة، في بكاء مرير تلح عليه آلام ستينية لم تلتئم جراحها يوماً.
وكأنما تستنهضها حمى الذكريات، تقوم من مقعدها لتمشي في الغرفة التي تطل من نافذتها
بينما تقول "إمي ماتت ولسة حاملة معها مفتاح دارنا في السنديانة وين ما تروح كأنها
طالعة مشوار وبدها ترجع. برغم إنه ناس من قريتنا رجعوا وما لكوا منها إشي. كل إشي
هدّوه اليهود ودمروه وعاملينها مزارع قطن على مدّ البصر. نهبوها وأخذوا خيرها بس
الله مش رح ينسى اللي عملوه في الفلسطينيين".
تعاود تلك البسمة التي تستحضر جمال السنديانة إلى محيا الحاجة فاطمة مصطفى بينما
تقول "راجعين راجعين ولو بعد مية سنة. كل أمة تجبّرت الله كسرها ورجع الحق لأصحابه.
والأرض هذيك ما بتنسى أهلها ولو نسفوا كل اللي عليها".
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |