|
فرقة القدس تسلّم على الأرض المحتلة |
رشا عبدالله سلامة |
|
Aug 05, 2008 |
على وقع أقدام "الدبّيكة" وشجى اليرغول الحزين ناجت فرقة القدس للفولكلور
الشعبي شجون فلسطين الستينية على مدار يومين في مركز الحسين الثقافي.
وتحت عنوان "حتى لا ننسى" استلت صبايا وشباب الفرقة ذكريات الوطن الجريح على
دروب التهجير واللجوء والشتات، والتي تعانقت وأطياف أيام الخير والأمان على أرض
فلسطين عندما كان صدى ضحكات أهلها وأفراحهم وحصادهم يملأ المكان.
وبأغنية "أنا القدس" التي أدّاها مطرب الفرقة حسن سلطان استُهِلّ الحفل الذي
احتشدت له الجماهير، التي غلب عليها الطابع الشبابي، والتي يقول مطلعها "أنا
القدس.. اسمي القدس وعلى صدري بكت الشمس.. إني لست كأي مدينة، عند الأسر تظل
حزينة.. فأنا بنت صلاح الدين جدي عمر وأنا عذراء فلسطين...".
وبعد أن تعالت نداءات سلطان، التي ملأها الأسى حين غنى "رغم النكبات ومأساتي
رغم الكفر أقيم صلاتي.. فاشهد يا تاريخ وسجل اسمي القدس"، دبكت صبايا الفرقة
وشبابها برشاقة فلسطين وحلاوة روحها على أغنية "يا زارعين السمسم خلّي السمسم
على أمه" والتي تجلت فيها اللهجة الفلاحية الفلسطينية المرتبطة بكروم وحقول
الخيرات.
وأمام جدارية مرسومة اتخذتها فرقة القدس رمزاً للحفل، والتي تعانقت فيها ألوان
دفء فلسطين وتوهجها مع رموز مفتاح العودة والأسر وجرار الماء وأقواس البناء
والزيتون وسنابل القمح، قدم عريف الحفل الذي اعتمر الكوفية الفلسطينية وأجاد
لهجتها الشعبية بجدارة وصلة "من مزرعتي"، قائلاً "مين يرجّعلي شجرة زيتون واقفة
عالتل تمثال.. ورصاص البندقية نازل شلال..".
وعلى صدى زغاريد فلسطين وأفراحها الآمنة قبل أن يقع عليها الاحتلال، قدمت
الفرقة وصلة "ومن حارة لحارة.. درنا الإمارة.. لنخطب بنت شيخ البلد"، ليتألق
بعدها براعم الفرقة في وصلة "طاحت الخيل تلعب في ميدان العريس يا صلاتك يا محمد
يا خزاتك يا إبليس"، والتي ألهبتها تصفيقات الجماهير وهتافاتها: عالقدس رايحين
شهداء بالملايين، وبالروح بالدم نفديك يا فلسطين.
وامتداداً لرمزية الأمل في الأجيال الفلسطينية القادمة، قدمت الطفلة نادين أيمن
تيسير بمرافقة العود أغنية "يا جسر العودة يا جسر الأحزان.. سميتك أنا جسر
العودة.. المأساة ارتفعت واتسعت..."، لتغالبها الدموع حين غنت "من صلبوا كل نبي
صلبوا شعبي".
وبعد أن أهدت تيسير سلامها لوطنها عبر أغنية "وسلامي لكم يا أهالي الأرض
المحتلة.. والمجد لأطفال آتين.. لهم الشمس.. لهم القدس.. لهم النصر ولهم ساحات
فلسطين"، غنت بعدها للسيدة فيروز "نسّم علينا الهوى من مفرق الوادي.. يا هوا
دخل الهوا خدني على بلادي".
وألهبت فرقة القدس مزيداً من حماس الجماهير عندما تركتهم ليرددوا معها "يا
حلالي ويا مالي"، والتي تماهت فيها صبايا الفرقة بأثواب ملونة ترمز لأطياف
الشعب الفلسطيني المتنوعة، والتي أتبعنها بـ "يا زريف الطول وكف تكلك.. رايح
عالغربة وبلادك أحسنلك".
وعلى صدى أغنية "إلا يعاود عبلاده.. إلا يعاود عبلاده" أكدت فرقة القدس باسم
الفلسطينيين على حق العودة لشعب وصفته في أحد المقاطع بـ "من الـ 48 في الخط
الأخضر، ومن الـ 67 في لمهجر"، مختتمة إياها بكوبليه "حق العودة لكل الناس..
للأقصى تعود الأنفاس ويرجع عزه وأمجاده".
وبألوان حيفا وقوة جنين أدى أعضاء الفرقة رقصة "حيفا وجنين" التي امتزجت فيها
الدبكة بالرقصات الشعبية للنسوة الفلسطينيات.
وفي لحظات، استطاع الجمهور المحتشد صهر التجربة الفنية الفلسطينية في بوتقة
واحدة عندما غنى بين وصلات الحفل أغنية فرقة العاشقين الشهيرة "هبّت النار
والبارودة غنى.. أطلب شباب يا وطن وتمنى"، ليقتبس عريف الحفل بعدها أغنية "هذا
هو العرس الفلسطيني" لذات الفرقة، عندما وصف حياة الشعب الفلسطيني التي هي كلها
عرس: عرس الحياة وعرس الاستشهاد.
وعاد بعدها سلطان بأغنية منفردة أخرى بعنوان "والله ما نسينا"، والتي تلتها
وصلة دبكة شعبية على أنغام اليرغول الذي استحضر تمايل أغصان زيتون وجميز فلسطين
مع نسائم هوائها.
واختتمت فرقة القدس حفلها بالسلام الوطني الفلسطيني، والذي ردد الجمهور مقاطعه
بحماسة "موطني.. موطني.. الجمال والدلال والسناء والبهاء في رباك.. والحياة
والنجاة والهناء والرجاء في هواك"، ليطلقوا بشجن تساؤلهم عبر مقطع "هل أراك؟ هل
أراك سالماً منعماً وغانماً مكرماً.. هل أراك في علاك تبلغ السماك.. موطني..
موطني".
وكأنما وخزت جراح اقتتال الفصائل الفلسطينية في هذه الأيام الجماهير، إذ رددت
بغضب "موطني موطني.. الحسام واليراع لا الكلام والنزاع رمزنا"، ليتبعوه تلقائياً
وبصوت واحد "الله يديمك فلسطين على البحر مبنية.. وبوحدة وطنية".
وبصوت يملؤه الشجن علقت وداد الديبة (50 عاماً)، قائلة "كل هالناس عم بركضوا
على الدبكة والثوب.. هادا الإشي الوحيد اللي قادرين نطوله من فلسطين".
فيما يقول أبو ناصر (46 عاماً) والذي اصطحب عائلته للحفل "لا أستطيع سماع أن
هناك حفلا فلسطينيا سيقام من غير أن أذهب له، أشعر بأن هذا هو الشيء الوحيد
المتبقي لنا بعد ستين عاماً من اللجوء".
ويردف "أصطحب أبنائي في كل مرة آتي فيها لحفل فولكلوري فلسطيني، فهذه مسؤوليتي
في أن أعرّفهم على تراث وطن حرموا منه".
"بحب آجي مع أصدقائي على الحفلات الفلسطينية... شعور غير أي شعور لما بشوف
دبكاتنا"، يقول رامي أبو حشيش (19 عاماً).
ويقول أحد "دبّيكة" فرقة القدس أمير صلاح (20 عاماً): "التحقت في الفرقة منذ
سبعة أعوام.. وكل هدفي هو أن أسهم في حماية التراث الفلسطيني وإحيائه".
بذات المفردات يعبر أحمد البيطار (20 عاماً)، قائلاً "لو لم أكن دبّيكاً في
الفرقة لدعمتها على الأقل، هذا أبسط واجب يجدر بنا تقديمه لفلسطين"، فيما تقول
لينا السجدي (23 عاماً): "أشعر بأنه لابد لنا من الاستمرار في إحياء التراث
الفلسطيني لأنه قد يتعرض للنسيان عبر سنوات اللجوء وفي دوامة الحياة اليومية
الطاحنة".
عريب الخطيب (18 عاماً) ويافا عابورة (16 عاماً) وشمس عبد الرحيم (19 عاماً)
يؤكدن أيضاً على مفهوم "إحياء التراث الفلسطيني من خلال أنشطة الفرقة وحفلاتها،
لما له من ظرف خاص، إذ هو معرّض للتزوير والانتحال والطمس الإسرائيلي".
فيما يقول "لوّيح" الدبكة نزار القباني (23 عاماً): "لقد غدت الفرقة جزءاً من
حياتي، تماماً كما هي القضية الفلسطينية عنصر لا يمكن نسيانه ولا تجاهله في
حياة أي فلسطيني مهما طال لجوؤه"، مردفاً بصوت يعبق بالشجن "حتى لا ننسى
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : arabissues@gmail.com |