هناك .. في بلاد ما بعد المحيط الأطلسيّ .. يقبع بقامته
الطويلة .. من غير أيّ ملامح انفعاليّة أو ذهنيّة واضحة .. لا
يحفظ تاريخ قدومه .. يعيش بمعزل عن الزمان .. بمعزل عن المكان
.. ينام عند ساعات الفجر الأولى .. يستيقظ بعدها ببضع ساعات ..
يذهب لعمله.. لا يعيش في حياته إلاّ مرحلة العمل .. يعيش
وحيداً .. في شقة تبعد عن الأرض طوابقاً عدّة ..
زملاؤه المعدودون .. انتقاهم بعدما تأكد من عدم إصابتهم بذات
الأعراض التي قاساها و لا زال يقاسيها في أعماقه .. انتقاهم
بعدما تأكد من عدم فضوليّتهم في تقصّي أسباب شروده الذهنيّ
المستمرّ .. يُمضي معهم سفرات عمل طويلة من غير أن يتفاعل مع
أيّ من نشاطاتهم .. ليسوا إلاّ قطع ديكور في حياته الخاوية..
يعلم في قرارة نفسه أنّهم يشعرون بمشكلة دفينة في أعماقه ..
يعلم كم يحثهم الشوق لاستكشاف هذه المشكلة.. يحترم فيهم القدرة
على عدم التدخل مهما بلغ مقدار الاعتياد على من أمامهم .. يعزو
ذلك للبيئة الغربيّة التي يقبعون فيها مغتربين ؛ بيئة لا تلحّ
على المرء بكشف و إيضاح ما يريد ستره ..
لطالما استرعى انتباه زملائه أنّه لا يضع في بيته الغامض
صوراً .. لا يضع على الطاولات تحفاً أو مجسّمات.. حتى عندما
يفتح محفظته أمامهم لدفع النقود ، لا يرون في محفظته أيّ صورة
كتلك التي يضعونها لأحبابهم.. لطالما استغربوا عدم طلبه أيّ
إجازة صيفيّة مثلهم .. يتعجّبون من عدم شرائه بطاقات هاتفيّة
ليجري اتصالات مع أقاربه .. يحتارون في عدم زواجه على الرغم من
وسامته التي يزيدها الشيب و التجاعيد جاذبية و غموضاً .. بيد
أنّ من أكثر ما يثير استغرابهم هي حالات الهلوسة و التمتمات
التي تعتريه كلّما رأى مسطّحاً مائياً ..
مرّت سنوات طوال على غربتهم جميعاً .. اعتادوا عليه .. باتوا
متأقلمين مع غموضه و هويّته المجهولة .. لا يتحدّث معهم غير
الإنجليزيّة .. يتظاهر بالانصهار في الحياة الغربيّة لدرجة
نسيان اللغة الأمّ .. لا يعرفون له ديناً .. خمّنوه ملحداً ..
احترموا كلّ ذلك .. يكفي معرفتهم أنه عربيّ مغترب .. يشفقون
عليه لعوارض الهلوسة التي تعتريه .. يشفقون عليه أكثر من كونهم
يحبّونه.. لم يعرفوا عنه شيئاً حتى يحبّوه .. بيد أنّ دمعة
غريبة كانوا يلمحونها حائرة في مقلتيه عندما يهمّون بالعودة
لبيوتهم أو السفر .. يشعرون في عينيه بطفل يخاف من الفراق و
الوحدة .. لا يستطيع النطق بذلك .. عيناه تنطقان .. لكثرة
شفقتهم عليه ، يدّعي واحد منهم كلّ ليلة أنّ النعاس قد غالبه
فينام عنده حتى الصباح ثمّ ينطلقان بعدها للعمل ً .. و لكن ...
ليس هذا الموقف وحده الذي يلمحون فيه خوفاً من الوداع ؛ فعند
سفرهم لأيّ مدينة ، يرونه خائفاً عند وصول المطار .. يلتفت
يمنة و يسرة كمن يخاف أن يستقلّ الطائرة .. يخاف مشهد المطارات
و الوداعات .. بمجرّد أن يشعر بذلك يمدّ يده في جيبه ليتناول
قرصاً مهدّئاً فينام في الطائرة كالرضيع حتى لحظة الوصول ..
في
إحدى سفرات عملهم .. قصدوا ولاية غربيّة لم يقصدوها من قبل ..
نفس العوارض التي تصيبه في كلّ رحلة .. تأقلم معها الزملاء ..
كان الجوّ عاصفاً عندما لامست الطائرة مدرجها ..
عندما رأى الجوّ عاصفاً ، زادت حالة توتره هذه المرّة .. بات
يهلوس بذات التمتمات التي يردّدّها دوماً .. عرفها زملاؤه من
لحنها الحزين ، بيد أنّهم كالعادة لم يستوضحوا كلماتها .. غير
أنّهم قد تعجّبوا لكونه للمرّة الأولى يردّدّها في مكان غير
قريب من المسطّحات المائيّة ..
بعدما أنهوا إجراءاتهم في المطار .. لوّحوا بيدهم لسيّارة أجرة
كيّ تقلّهم نحو الفندق .. وقفت سيارة الأجرة .. جلس و زملاؤه
في المقعد الخلفيّ .. حتى ذلك الحين لم يلتفت نحو السائق ..
في وسط زوبعته الذهنيّة ينظر فقط للعاصفة الخارجيّة من زجاج
السيّارة .. بيد أنّ السائق قد تسمّرت يداه على المقود ..
استشاط أحد الزملاء غضباً من السائق.. نهره كيّ يمضي في الطريق
.. صرخ السائق " محمد .... محمد .... ياخوي يا محمد".. استيقظ
من شروده الذهنيّ كما لم يحدث معه من قبل ..
حدّق في عينيّ السائق .. جُنّ الزملاء من المشهد غير المفهوم
.. صرخوا في السائق " من محمد ؟؟ هذا زميلنا جوزيف .. ما
المشكلة ؟؟ "..
في لحظة خاطفة .. نزل من السيارة مسرعاً .. الزبد يسيل من فمه
.. يعدو بسرعة و زملاؤه و السائق يعدون وراءه .. خانته قواه ..
وقع على الأرض .. كان منهاراً بشكل كليّ .. تزايد الزبد
المتدفّق من فمه .. بيد أنّ الزبد لم يمنع تمتماته في هذه
المرّة من أن تكون واضحة.. " يا دمّ روحيّة .. يا دم صبحي و
فوزيّة .. طخّوكم بالبندكيّة .. و غركّوكم في الميّة .. كدّام
عنيّة .. نكبتنا يا مرتي و ولادي أبديّة .. من هذيك الصبحيّة
.. مش بس خسرت أرضي .. خسرتك يا روحيّة .. و صبحي و فوزيّة ..
ما عادلي بعدكم عيشة هنيّة .. يا ريتهم كتلوني معكم و لاكينا
ربنا معيّة .. بس عمر الشكي بكي .. و هاظا كدر فلسطين و كدرنا
نموت بدل المرّة ميّة " ......