ما بين ثقافة العنف و الجريمة
 

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

May 28, 2007


يرقب البعض بعين ملؤها القلق ما أفرزته ظاهرة العنف في المجتمع الأردني من أشكال تراوحت من المشاجرات الجامعيّة ، للاعتداء على الطاقم الطبي في المستشفيات و كذلك الطاقم الصحفيّ أثناء تأديته لعمله ، للطاقم الأمني في الشوارع و السجون ، ليصل العنف في أحيان إلى حدّ ارتكاب جرائم القتل و السطو و الاعتداء الجسديّ ممّا تحفل به الجرائد الأردنيّة كمادّة إخباريّة موثقة بشكل شبه يوميّ .

ماهي نظرة الشرع للعنف الحاصل لاسيّما و أنّ كثيرين قد باتوا يشيعون أنّ العقوبات الإسلاميّة الرادعة تجذر العنف؟ و هل يقرّ علم الاجتماع و علم النفس بأنّ الظروف المعيشيّة الصعبة قد ساهمت في صوغ نفسيّة و مزاج العامّة ؟ و هل من مخرج من هذا المأزق أم أنّ احتماليةً اتساع هذه الظاهرة قائمة بشدّة ؟


ظروف اقتصاديّة و سياسيّة أم ثقافة عنف؟

يرى استشاري الطبّ النفسي الدكتور خليل أبو زنّاد أنّه من الثابت في المقاييس العلميّة أنّ ما نسبته 5% من كلّ مئة شخص يكونون "سيكوبات" أيّ "ميّالين للعنف بالفطرة" ، تماماً كما هنالك 5% من كلّ مئة شخص يكونون "خارقي الذكاء" ، 5% "ذوي إعاقات ذهنيّة" و إلى غير ذلك من الشرائح العقليّة و النفسيّة .

و يزيد أبو زنّاد أنّ "نسبة الميّالين للعنف قد ازدادت تبعاً للزيادة السكّانية و لتقاطر جاليات أخرى يحمل كلّ مئة منها ذات النسبة التي يحملها كلّ مئة من المجتمع الأردنيّ من فئة السيكوبات ". و يردف قائلاً : "و حتى عندما يُسجَن هؤلاء السيكوبات فإنهم بالإضافة لما يعيثونه فساداً في السجون ، فإنهم يخرجون ذوي خبرات أكبر من حيث الاقتباس من غيرهم من المساجين و تعليم الآخرين طُرقهم ما يجعل منهم معضلة حقيقيّة".

كما يرى أبو زنّاد أنّ صفاتٍ ك "العصبيّة و ردّ الاعتبار و ردّ الصاع صاعين و استعراض القوّة و العضلات و التأهبّ العصبيّ المستمرّ " هي من ضمن مفردات التربية الأسريّة الخاطئة في مجتمعنا ، ما أدّى لترسّخها في "نفسيّة و مزاج أفراد المجتمع" ، و التي لن تزول إلاّ ب "تقويم هذه التربيّة و ما تضمّه من مبادئ".

و بالتعريج على بعض الأخبار الواردة في الصحف الأردنيّة في هذا الصدد ، فإنّ جريدة الغد قد نشرت في عددها الصادر يوم 25 نيسان 2007 أخباراً محليّة عدّة، أوّلها خبرً مفاده أنّ مدّعي عام محكمة الجنايات الكبرى كان قد أسند لسيّدة تهمة القتل العمد بعد أن قتلت زوجها عبر تسميمه و من ثم تقطيع أوصاله و حرقه و دفن رأسه و إلقاء ما تبقى من جثته قرب شارع الأردن .

و قد تلا ذلك خبر آخر عن طالب أقدم على طعن زميله في مدرسة بالكرك بسكّين كان يخفيها في ملابسه . عدا عن خبر ثالث يتحدّث عن محكمة الجنايات الكبرى التي قضت بالحبس 3 سنوات ل 12 متهم كانوا قد تشاجروا في الانتخابات البلديّة السابقة ما أدّى حينها لمقتل شخصين.

و في خبر رابع كان هنالك مقتل شاب إثر مشاجرة في وادي السير بعد تلقيه طعنة في الصدر. ليعقب هذه الأخبار جميعها في نفس العدد من الجريدة خبرين أحدهما عن كشف الأجهزة الأمنية في الزرقاء عن مرتكبي سرقة و حرق مستودعين، و الآخر عن تبعات المشاجرة الطلابيّة في جامعة اليرموك و التي أدّت لإصابات بالغة في صفوف الطلبة ما أدّى لتعليق الدوام جزئياً.

بالإضافة لما حفلت به الصحف في الآونة الأخيرة من حوادث الاعتداء ضرباً على مصوّري الصحف في مجلس النوّاب ما أدّى لتهشيم كاميراتهم ، عدا عن حوادث الاعتداء على الأطبّاء و الممرضين و التي كان آخرها الاعتداء على 3 ممرضين في مستشفى الأمير حمزة، بعد أن تزايدت حالات الاعتداء على الممرضين لتبلغ ستة اعتداءات في العام الماضي و اعتدائين منذ مطلع العام الحالي، بالإضافة لحالات الاعتداء على الأطباء والتي وصل عددها نحو 20 اعتداء منذ منتصف العام الماضي وحتى الآن.

يعلّق على ذلك أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنيّة الدكتور إبراهيم أبو عرقوب قائلاً: "ما يعانيه المجتمع الأردن حالياً هو ثقافة العنف بحدّ ذاتها ، و التي لم تكن وليدة للظروف الاقتصاديّة المحليّة و السياسيّة الخارجيّة ، بل في تجذرها كثقافة خاطئة عبر التربية و الممارسات اليوميّة و تغذيتها بدلاً من كبح جماحها".

و يزيد أبو عرقوب أنّ "الطفل و الراشد و الشابّ و الفتاة باتوا يخرجون للشارع و هم على أهبة الاستعداد للدخول في مشاجرات" ، مردفاً أنّ السبب يعود للتربية "التعبويّة" و التي تلقن الفرد بضرورة "الحذر الشديد من أن يسيء أحدهم له و ضرورة الردّ بالمثل و أكثر في حال حدثت الإساءة المرتقبة".

و يقرّ أبو عرقوب أنّ جلّ المجتمعات البشريّة تعاني هذه الظاهرة ، بيد أنّ الأمور في مجتمعنا قد خرجت عن نطاق "النزاع عبر التلاسن" لتصبح "نزاعاً جسدياً قد يصل للقتل و التشويه".

و يضرب أبو عرقوب المثال على ذلك بما يحدث حالياً من مشاجرات جامعيّة بات استعمال "الهراوي و السكاكين و حتى المسدّسات" فيها من ضمن ما درجت عليه العادة.

و يرى أبو عرقوب أنّ "البُعد العشائري" يلعب دوراً كبيراً في تغذيتها ؛ فحتى القاتل يُعفى عنه ب "فنجان قهوة" بدلاً من "سجنه أو فصله من موقع عمله أو جامعته للأبد ومن كلّ الجامعات"، عدا عن "المدد العشائري" في حال المشاجرات و الذي يؤدّي لتوسيع دائرة العنف من نطاق فردي إلى نطاق "جماعي و قَبَلي".

هل تجذر عقوبات الإسلام الرادعة العنف؟

يرى أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنيّة الدكتور شرف القضاة أنّ هنالك فهماً مغلوطاً للحديث النبويّ الشريف "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" ، و الذي وضّحه الرسول الكريم بعد أن استفسر الصحابة عن كيفيّة نصرة الظالم قائلاً : "أن تكفه عن الظلم".

و يزيد القضاة قائلاً : " كما لا يحقّ لي حتى نصرة المظلوم بما ليس لي صلاحيات شرعيّة به ، و لا بارتكاب جريمة في سبيل نصرته ، بالإضافة لكفّ يد الظالم عبر نصحه أو تبليغ وليّ الأمر و من لهم سلطة عليه و ليس بصفتي الشخصيّة لأنّ الإسلام لم يترك أمر العقوبات الرادعة للأفراد بل للدولة ".

و يزيد القضاة أنّ الإسلام لم يلغي العشائريّة ، بل "جذرها بطريقة طيّبة و إيجابيّة كالصدقات التي لابدّ فيها من إعطاء الأولويّة للأقربين " ، و لكن ليس ما ننشره الآن من "عصبيّة قبليّة" قال فيها الرسول صلى الله عليه و سلّم "دعوها فإنها منتنة".

و يؤكّد القضاة على "الحكمة البالغة من العقوبات الإسلاميّة الرادعة" و التي من شأنها "ردع الجناة و تنظيم المجتمع" ، حيث أنّ "من أمن العقوبة أساء الأدب" ، و هذا ما نصّت عليه الآية الكريمة "و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب".

بيد أنّ القضاة يطرح شروطاً لهذه العقوبات الرادعة بالإضافة لما ذكره من ضرورة تطبيقها من قِبل المسؤولين و ليس الأفراد ، فإنه كذلك يتوجّب "نبذ الانتقائيّة في تطبيق العقوبات الرادعة" فما يُطبّق على الفتاة يُطبّق على الفتى و ما يُطبّق على الغريب يُطبّق على ابن العشيرة و ما يُطبّق على الزاني يُطبّق على القاتل ، بالإضافة لضرورة "التثبّت و عدم اعتماد الظنّ و الشبهة أساساً في تطبيق الحكم الشرعيّ" .

و يضرب المثال على ذلك ب"جرائم الشرف" المنتشرة في المجتمع الأردني ، و التي ينصّ الإسلام على ضرورة التقيّد بشروط عقوبتها كوجود "أربعة شهود عدول رأوا الجريمة بأمّ أعينهم أثناء حدوثها" ، و هو "ما يصعب حدوثه أصلاً" بحسب القضاة . عدا عن كون هؤلاء الشهود "مُخيّرون في الستر على ما رأوه أو تبليغ السلطات المعنيّة و ليس التصرف فردياً".

و يردف القضاة قائلاً : "أمّا ما يحدث الآن من مشاهدة الشاب لأخته أو بنت عشيرته و هي تتحدّث مع زميل لها في الجامعة فيُقدِم على ضربها أو قتلها و طعن الشابّ الآخر لمجرّد الاشتباه بوجود علاقة بينهما " فهذا ما "لا يجوز و لا يصحّ إلصاقه زوراً في الشريعة".

و يختم القضاة قائلاً: "و لكن ما يتحتّم علينا طرقه قبل كلّ ذلك هو ماذا فعلنا لإشاعة الخير و الفضيلة قبل أن نكبح الشرّ و الرذيلة ؟ ".

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net