برلين

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

June 03, 2007


 

تحلّق هنالك كفراشة الربيع.. بكلّ الحيويّة و الحبّ و الجمال تمضي أيامها و لياليها هناك.. ما بين جنان برلين و جامعتها و متاجرها و سكّانها.. نهار يدشّن الجدّ و العمل منذ ساعاته الأولى.. ليحنو الليل بالتجوّل الهادئ في شوارع برلين بعيداً عن صخب النهار..

سارة.. غادرت بلادها بهذا الاسم و بقيت وفيّة له.. اسم يناسب كافّة الأماكن و الأزمان.. تماماً كما تناسب هي كافة الظروف و المواقف.. حبّها يناسب كافة القلوب.. حتى القلوب الألمانيّة القاسية لطالما أحبتها.. تأسر كلّ من حولها بتلك الابتسامة البريئة التي يخال كلّ من يلمحها بأنّ يد الله قد رسمتها مكافأة له..

نحتت في الصخر.. وصلت ألمانيا و عمرها لا يعدو عشرين عاماً.. لم يكن لديها أدنى فكرة عن اللغة الألمانية.. لم تحمل حتى ذلك الحين أيّ شهادة أو مؤهلات غير الثانويّة العامّة.. عكفت على كتب اللغة الألمانيّة و نحوها حتى غدت ممسكة بتلابيبها بجدارة تفوق الألمان ذاتهم.. أتمّت بكالوريس اللغة الألمانيّة و أعقبت نفس التخصص بدراسة الماجستير و من ثمّ الدكتوراه.

ما بين دروس اللغة الألمانيّة للجاليات العربية هناك .. إلى محاضراتها التي تلقيها على طلبتها في جامعة برلين.. إلى ضفاف بحيرة تلك المدينة الساحرة.. إلى شوارعها و عمرانها.. إلى لوحات رسمها التي تلوّن بياضها بألوان زاهية تشبه تموّجات شجر برلين الباسق..

سنوات مضت عليها و هي في هذه الجنّة الألمانيّة.. في بيت لا يحمل دفئاً في جنباته فحسب، بل في لونه القرميديّ المتمازج مع خضرة أصص النباتات المنثورة بكلّ الحبّ و الذوق حوله..

انتدبتها الجالية العربيّة لتقود رحلة لهم في ربوع ألمانيا.. لم تتردّدّ للحظة.. كان جلّ ما تريده منذ التحاقها في برامج نشاطات الجاليات العربيّة أن تخدمهم لكثرة معارفها هناك و لتميّزها الأكاديميّ و إتقانها اللغة الألمانيّة..

ابتدأت جولتهم منذ ساعات الفجر الألمانيّة الساحرة.. سيكون لهم وقفات عدّة قد تمتدّ لأيام في ميونخ وهامبورج وشتوتغارت وغيرها من المدن الألمانيّة..

في ميونيخ تجوّلوا هناك حيث مئات المحطّات الإذاعيّة و التلفزيونيّة و دور النشر.. حيث كنيسة السيّدات.. قصر نوفينبورج و غيره من القصور العريقة..إستاد ميونيخ الأوليمبي.. ميدان ماريا..

حلّت ساعات المساء.. توجّهوا لتناول عشائهم في بهو الفندق، كيّ يخلدوا بعدها للراحة تمهيداً لرحلة اليوم التالي نحو هامبورج.. لم تكد تنهي عشاءها حتى عاودها ذات الألم.. خُيّل لها أن جبلاً يربض في هذه المرّة على صدرها.. ضاقت أنفاسها حتى غابت عن الوعي.. لطالما كانت تعتريها آلام ما بين الحين و الآخر في الجهة اليسرى من الصدر حيث النبض.. فتشعر في لحظات بأنّ قلبها قد انكمش بطريقة تثير الذعر.. لم تعر الموضوع اهتماماً.. لطالما عُرِف عنها في أوساط من تخالطهم بأنها لم تدخل مستشفى قطّ منذ ولجت برلين.. بل تكتفي أثناء نزلات البرد بمراجعة العيادة الملحقة بجامعتها ليصرفوا لها دواء الزكام..

لم تفق إلاّ و هي في العناية المركّزة في إحدى مستشفيات ميونيخ.. جالت بعينيها في أرجاء الغرفة حتى لمحت جرس النداء بجانبها.. قرعته بقوّة حتى قَدِمَت لها الممرضات و أفهمنها خطورة حالتها.. فما تعانيه كان هبوطاً في عضلة القلب.. أخبرنها بأنها في طور التحضير لعمليّة جراحيّة معقدة.. جنّ جنونها.. لطمت جميع الأجهزة بجانبها.. سلّت أنبوب الغذاء المتوسّد في ذراعها.. رمت جميع الأسلاك الملصقة عليها.. كانت في حالة هيستيريّة و هي تصرخ "لا أريد عمليّات"..

هرع إليها الطبيب حاقناً إياها بإبرة مهدّئة حتى استيقظت على أثرها في عصر اليوم التالي.. استيقظت على صفحة ذلك الوجه الأسمر الأصيل.. و بكلمات مفعّمة بكلّ دفء العربيّة قال لها "الحمد لله على سلامتك.. أنا دكتور صالح.. هيك بعملوا المرضى العرب.. فضحتينا".. لم تستطع كتم ضحكتها إزاء هذه الدعابة اللطيفة.. بصوت متقطّع توسّلت إليه ألاّ يجري لها عمليّة فهي تخاف المستشفيات.. هدّأ من روعها مطمئناً إيّاها أنه سيتمهل في قرار العمليّة حتى تقرّ هي بضرورتها بعد أن يشرح لها خطورة الوضع..

لم تفلح جميع محاولات إقناعها.. صمّمّت على الخروج من المستشفى و العودة لبرلين.. تحت ضغطها و رفضها التوقيع على العمليّة كان لها ما أرادت من خروج على مسؤوليتها.. قبل أن ترحل رجاها أن تترك له رقم هاتفها و عنوانها في برلين كيّ يطمئنّ عليها.. على عكس ما كانت تعهده في ذاتها من سعادة بالتعارف مع العرب هناك ، لم ترغب في ذلك هذه المرّة.. تكفّل هذين اليومين بإخباء الكثير من بريق سنوات برلين..

تنفّست الصعداء حين وصلت برلين.. باتت تعني لها الحضن الدافئ.. كلّ ما خلاها من مدن أضحت رمزاً للغربة.. كابدت كلّ التعب و الألم و عاودت تدريس الجاليات العربيّة، و باشرت محاضراتها في الجامعة.. عادت لليل برلين.. حيث البحيرة و الشوارع و اللوحات.. كلّما رصدت مسحة حزن فيما تبدع فيه من رسم كانت تبادر لإبداله بالفرحة و التفاؤل و الأمل، تماماً كما كانت تصمّمّ على صبغ ملامحها بكلّ هذه المعاني الجميلة معاندةً صفرة محيّاها و وهن جسدها بعد تلك الوعكة الصحيّة..

في تلك الليلة.. لطالما رسمت و مسحت ما رسمته.. كانت كمن يهرب من فكرة مترجمة لرسم.. قطع خلوتها مع لوحاتها قرع الباب.. عندما فتحته كان مالم يكن في حسبانها.. كان ذلك الطبيب العربيّ الذي ظنت أنه قد نسي أمر الرقم و العنوان في زحمة ميونيخ.. ألجمت دهشتها داعية إيّاه للدخول.. مزجت دفء منزلها بدفء الضيافة العربيّة و لطفها.. اختلطت الأحاديث الأكاديميّة و الاجتماعيّة عن ألمانيا و الجالية العربيّة الضخمة التي تضمّها.. حاولت إبعاد الحديث عن كلّ ما هو شخصيّ.. حاصر مراوغاتها بسؤاله عن أصلها.. ردّت"من أرض الله الواسعة".. لتعقبها بضحكة أرادت بها تضييع جديّة السؤال قائلة "طبعاً من الجهة العربيّة بأرض الله الواسعة".. لم يُرِد إحراجها أكثر.. استشفّ بوضوح رفضها الحديث عن أصلها الحقيقيّ..

أدار دفة الحديث نحو وضعها الصحيّ.. "ليش رفضتِ العمليّة؟ وضعك خطير".. لاحظ امتعاضها من طرق هذا الموضوع.. آثر المغادرة لشعوره بأنّ الحديث قد وصل لطريق مسدود.. "شكراً على استضافتك.. مع السلامة".. عاجلته بالسؤال مجاملة عن المدّة التي سيمضيها في برلين.. أجابها بأنه سيبقى حتى عصر الغدّ ليغادر بعدها في القطار المتوجّه لميونيخ..

ليلتها.. أصابها تأنيب ضمير لم يصبها من قبل.. ذلك أنها لم تعهد ذاتها تفتقر للدبلوماسيّة في الحديث مع الآخرين.. كيف تصرّفت بهذه الفظاظة مع طبيب عربيّ محترم أراد الاطمئنان على صحتها.. لم تذكر يوماً أنها قد تأثرت ببرود برلين.. بل لطالما بثت الدفء في جنباتها.. كانت تضفي إكسيرها الذي يضمّ حباً و حناناً و عاطفة عربيّة على كلّ ما هنالك حتى البحيرة و الشوارع.. لطالما أحسّت بأنّ أعشاب البحيرة و أشجار الشوارع و ورود حدائقها تفتقدها إذا ما غابت و تضحك لها إذا ما أقبلت.. ملأت القلب بحبّ المكان.. ففاض الحبّ لمن هم حولها هناك..

عاجلت في اليوم التالي للفندق الذي أخبرها بأنه يقطنه حتى موعد رحيله عصراً.. انتظرته في البهو حتى حضر.. كان يبدو عليه التحفظ في الحديث.. أحسّت بتذمّره من فظاظتها ليلة أمس.. دعته للغداء في منزلها و من ثمّ ليمضي في طريقه نحو ميونيخ.. بعد إلحاح مستمرّ قَبِلَ دعوتها..

كان لديه من الذكاء ما يكفي ليلتمس طيبة قلبها و إصرارها على مسح ما رسمه موقفها من حدّة في الليلة التي مضت و إن لم تصرّح بالأسف.. قبل ساعة من موعد مغادرته شحذ قواه ليستفسر عمّا أثار فضوله.. بإصرار قال "من وين أصلك؟".. لأوّل مرة منذ خطت قدماها برلين تجد ذاتها تتوق فجأة للإجابة.. رأت في عينيه مالم تره في عينيّ غيره من عرب و ألمان.. رأت فيه حناناً و أصالة تضاهي ما يضمّه قلبها المنهك بأضعاف.. "من فلسطين".. تسمّرت عيناه.. لملم هشيم دهشته سائلاً إيّاها عن سبب مراوغتها في إخفاء أصلها.. "ستّي كانت تحكي عين ما تشوف قلب ما يحزن.. أنا برأيي لسان ما يحكي قلب ما يحزن.. مش مستعرّة من أصلي بالعكس.. الحبّ في القلب.. و الوجع في القلب.. و لمّا بدّي أحكي رح أضطّر أحكي كلّ الحكاية.. و قلبي من يوم ما خزن الحكاية ما عاد طلّعها"..

لم يعد لديه من الوقت ما يكفي.. رجاها أن تسرّ له ببقيّة حكايتها قبل أن يقصد محطّة القطار.. "قلبي مش راضي يطلّع الحكاية.. بس هالقلب خذلني و تعب من الكتمان لمّا شفت إستاد ميونيخ.. ريحة شباب البلاد لسّه فيه.. كأني شفت دمهم مغطّي أرض الإستاد.. حسّيتهم هبّوا بشهامتهم يطمّنوا عليّ لمّا عرفوا إني فلسطينيّة.. ما كنت أرضى أروح على ميونيخ عشان ما أسمع صدى صوتهم لمّا نزلوا فدّائيّين في الأولمبياد في72.. حتى برلين حبيتها كلّها بس كنت لمّا أشوف آثار جدارها اللّي انهدّ أتخيّل شباب البلاد حيهدّوا الجدار اللي بنوه الصهاينة.. كنت أهرب من صدى صوتهم..من عينيهم اللي بتطلّ من وسط الكوفيّة الملثمة سمارهم الدافي.. ما عمري دخلت مستشفى من لمّا إجيت هون لأنه الدمّ بذكّرني بأختي رنا اللي طخّوها اليهود و هي بين إيديّ.. شايف لوين حرارة دمّها وصّلتني بلاد.. و بكلّ برود هالبلاد ما برد دمها.. اللي الله كاتبله حياة بعيش.. لو كانت الحياة على قدّ الحرص كانت آخر وحدة لازم تموت من كثر ما حميتها بحضني.. مش حتكون الأجهزة الطبيّة بتحمي من الموت أكثر من حضني.. مشان هيك خلّيها عالله "..

انتهى الوقت الذي راوغ فيه.. ودّعها واعداً إيّاها بزيارة قريبة.. ودّعته بكلّ الأمل و الارتياح..

لم يستطع البعد عنها و عن حكايتها و بقايا أسرارها أكثر من ذلك.. وجد في عينيها الواسعتين حكاية شعب.. وجد في جنبات قلبها ما أذاب كلّ الغموض الذي كان يلفّ لقاؤه السابق معها..

عاد لمنزلها بعد أسبوعين.. وجد عمّالاً ينظّفون المنزل و ينقلون أثاثه .. وجم لدقائق.. سألهم عن صاحبة المنزل.. بكل برود و قساوة الألمان ردّوا "ماتت"..

شعر بعاصفة برودة تهبّ في جسده و قلبه لتذيب ما سكنه من دفء الزيارة السابقة.. تخبّطت خطواته.. و تمتم لسانه" دنيا غريبة.. قلوب دافئة تنزف حرارة في بلاد البرود و الجمود.. و حثالة باطشة طاغية في أرض الصمود و الخلود"...


 
 
 
 

تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net