أيمّمّ وجهي شطر السفر هذه المرة وقلبي
مثقل بأحزان تفوق تلك المرتبطة بدراميّة السفر
المعتادة؛ فلم يمض على انفتاح جرح نكبة الثمانية
وأربعين وقت طويل، حتى هلّت ذكرى نكبة السبعة
وستين، يؤجّجّ نار النكبتين أحداث مخيّم نهر
البارد للاّجئين الفلسطينيّين التي تلت أحداث
الاقتتال الفلسطينيّ الداخليّ بالتزامن مع التنكيل
بالفلسطينيّين في العراق بالإضافة للعذاب اليوميّ
المحقق على أيدي الصهاينة في داخل الأراضي
المحتلّة.
ما زاد على هذا وذاك، خطاب دينيّ بائس
مهلهل كنت قد تشرّفت بسماعه بمناسبة ذكرى النكبة،
خطاب دينيّ لا يزيد ولو حالة واحدة عن المشهد
الفلسطينيّ في الخطاب الدينيّ، فإذا ما افترضنا أنّ
إحدى حالات هذا الخطاب هي تجاهل القضيّة
الفلسطينيّة بشكل كامل واللجوء عوضاً عن ذلك
لتعريف الجهاد على أنه ليس إلاّ مجاهدة شهوات
النفس في العصر الحاضر، فإنّ الحالات الأخرى تتمثل
في خطاب انفعاليّ خياليّ يصوّر الإسلاميّين على
أنهم جيش القدس القادم وما عداهم لا يملك من أمره
شيئا مع شتم غير قليل للناصريّين والقوميّين، أو
خطاب سوداويّ خطير يضمّ مقطعيّة كارثيّة وهي أنّ
القضيّة الفلسطينيّة لن تحلّ إلاّ بقيام الساعة.
بتسليط الضوء على الشرائح الآنفة الذكر،
يكون الصنف الأخير وهو ربط حلّ القضيّة
الفلسطينيّة بقيام الساعة هو الصنف الأكثر دماراً
و"نكبة"؛ ذلك أنّ ما وراء هذا التفسير المجحف
للأحاديث النبويّة الشريفة في هذا الصدد تثبيط لا
بل ودعوة للتقوقع وكفّ اليدّ عن كلّ ما قد يتصل
بالمقاومة والجهاد، أو بمعنى آخر فإنه رسالة
مبطّنة للمقاومين والمجاهدين بأنهم قد أزهقوا
روحهم بلا جدوى حقيقيّة على أرض الواقع وأنّ ما
ينتظرهم فقط هو نعيم الآخرة!
بالرجوع إلى آراء عدد من المتخصصين يتبيّن
أنّ الحديث النبويّ الشريف "لا تقوم الساعة حتى
تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا
مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله" هو حديث صحيح، بيد
أنّ التفسيرات البائسة التي أحاطته تغافلت عن كون
هذه المعركة لم تحدّد بمدّة زمنية محدّدة، فبحسب
رأي الدكتور هايل عبدالحفيظ فإنّنا لا ندري هل
المقصود هو معركتنا الحاليّة مع اليهود أم أنها
معركة أخرى ستكون، كما أنّ الحديث الشريف لم يخصّ
الفلسطينيّن في القتال بل ذكر "المسلمين" برمّتهم،
ما يرمز لعداوة ستظلّ قائمة مع المسلمين وليس فقط
الفلسطينيّين، عدا عن كون ما فسّره هؤلاء يتنافى
قطعياً مع ما يحث عليه الإسلام من جهاد ومقاومة
وعدم تفريط بالحقّ.
على ضوء ما قد يراكمه هذا التفسير الخاطئ
للحديث الشريف من يأس وخنوع ووعي جمعيّ سوداويّ،
فإننا نفضّل أن نختار الحالتين الاخريين على مبدأ
"أمران أحلاهما مرّ"؛ فان يتهرّب الخطاب الدينيّ
ويراوغ مع حقيقة أنّ ما بإمكانه في فترة الضعف
والخنوع هذه أن يقاتل، أو أن يستدرّ ضحك الجماهير
العربيّة والإسلاميّة من حيث قصر الجهاد في الوقت
الحاليّ على مجاهدة الشهوات، فكلّ ذلك أرحم ألف
مرّة وأخف بلاء من حشد العقول الساذجة بفكرة
"أبديّة المأساة الفلسطينيّة".
والحال هذه، نعود لنقطة الأساس وهي هشاشة
وكرتونيّة جزء كبير من خطابنا الدينيّ إلاّ في بعض
القضايا التي يُشهد له بالتعامل المثاليّ معها
كقضايا الطهارة والاختلاط على سبيل المثال.
للمرّة الألف يقف الخطاب الدينيّ وقفة
طفوليّة خجولة أمام النماذج الفذة في الخطاب
المقاوم من فنّ وأدب وكاريزما عالية. فلو أردنا
مواجهة الحقيقة فأيهما أكثر تأثيراً في الجماهير
وإيجابيّة للقضيّة: قصيدة لمحمود درويش تملؤك
أملاً وإيماناً بالعودة والنصر أم موعظة دينيّة
يلقيها شيخ بسيط متحفاً إيّاك بتفسيرات خاطئة
ومدمّرة كالتفسير السالف الذكر؟
ما نحتاج إليه هو أن نثور وننتفض فكرياً
وفلسفياً ودينياً على كلّ ما ضمّه ولا زال يضمّه
مستنقع التخلّف العربي الذي نرتع فيه مستغرقين،
علّنا نحيي بعد سنوات، وإن طالت، ذكرى النصر
واسترداد الأرض بعد أن جفت مآقينا من ذكرى
النكبتين..