معبودو الجماهير

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

June 29, 2007



 
 
يبدو أنّ مقولة "الجماهير دوماً على حقّ" لا تنطبق إطلاقاً على جماهيرنا العربيّة التي كانت ولا زالت عصيّة على التغيير والتنوير، وكأنّ بينها وبين الزمن الذي يتكفل عادة بإبراء أمراض الشعوب المستعصية عداوة كبيرة؛ فلا الزمن استطاع تنوير الجماهير العربية ولا استطاع حتى أن يمنحها بارقة أمل في الشفاء في الزمن القادم..
جماهيرنا العربيّة تعاني مرضاً سرطانياً مزمناً وهو (التمجيد)؛ التمجيد على الصعد كافة من سياسة وفنّ وتديّن وحتى في الحياة الشخصيّة!
تمجيداتنا المجيدة هذه لم تسمح لنا باستقراء الماضي ولا باستشراف المستقبل؛ ذلك أنّ هذه التمجيدات قد حجبت الرؤية الموضوعيّة عن الكثير من الشخصيات والمواقف التي كنا قد أفرطنا في حبها وتأليهها فلم نجن سوى الغرق في مستنقع أخطائها مع شجب وخسف لأسفل السافلين لخصومها، فلم نر حينها غير الحقّ المطلق فيمن ألّهنا من شخصيات والباطل المطلق فيمن كرهنا من شخصيّات تبعاً لما يُروى ويُلقّن لنا وليس احتكاماً لعقل أو منطق.
 لو أردنا استعراض الجانب السياسيّ في ظاهرة الجماهير العربيّة فإنّ خير نموذج قد نقيس عليه هو نموذج جمال عبد الناصر وصدّام حسين، تحضرني هنا مقالة للأستاذ جهاد الخازن تحدّث فيها عن ذكرياته مع نكبة السبعة وستين، حيث يقول أنه قد راقب النازحين من فلسطين على إثر مغامرة عبد الناصر الطائشة سنة سبع وستين، حيث حاول حينها عبد الناصر التكفير عمّا سببّه من مأساة للفلسطينيّين فأعلن خبر استقالته على المذياع، وعلى الرغم من كون النازحين يعلمون في قرارة أنفسهم عمّن سبّبّ لهم هذه المأساة إلاّ أنهم انفجروا باكين فقام شاب يقول لهم من تبكون عليه هذا هو من شرّدكم، فتكالب عدد غير قليل من النازحين ليضربوه ضرباً مبرحاً لأنه قد تجرأ على المساس برمز عبد الناصر!
يسوق الخازن مثالاً آخر عن الجماهير العربيّة التي كانت سبّاقة في العالم في الهتف لزعيم على قرارين متناقضين، حيث هتفت الجماهير لعبد الناصر عندما قرّرّ إرسال قوّات لقمع من يرغبون بنقض الوحدة العربيّة في سورية، لتهتف له مرّة أخرى عندما تراجع عن قراره خوفاً من إسالة الدمّ العربي!
 قد يتذرّع لدينا البعض بأنّ الجماهير العربيّة في حينها كانت "متخلّفة" غير أنّ الحال قد اختلفت الآن، إلاّ أننا في لحظة صراحة نقرّ بأنّ الجماهير العربيّة قد ازدادت تخلفاً، وإلاّ فما معنى تمجيد صدام حسين حتى الآن على الرغم من تجبره بشعب العراق، وما معنى أنه لازال من بين صفوفنا من يبرّرّ لصدّام غزو الكويت وجرّ المنطقة برمّتها للكوارث التي حلّت على إثر تلك المغامرة التي لا تختلف كثيراً عن مغامرة عبد الناصر؟
من الجدير بمن لا زالوا يمجّدون ويهلّلّون لهذه الرموز أن يتذكّروا خجلنا وألمنا عندما حاكم الكيان الصهيوني جيشه في حرب لبنان في الصيف المنصرم على مرأى العالم برمّته، فيما نحن لازلنا حتى الآن نخشى نقد الناصريّة والصدّاميّة على الملأ خوفاً من الختم علينا بأختام التخوين والعمالة!
فضاء التديّن والإسلاميّين لا يبتعد كثيراً عن مهازل التمجيد العربيّة في حقل السياسة؛ فمن منّا يجرؤ على نقد التيّار السلفي المتشددّ علناً؟ وحتى تيار الدعاة الجدد الذي بات يشكّل اكتساحاً محموماً في أوساط الجماهير العربيّة من منّا يجرؤ على نقده والتصريح بأخطائه علناً؟ وإذا ما حدث وتجرأ أحدنا على هذا النقد فلا بدّ حينها أن يضع في حسبانه أنّ سمعته معرضة لتشويه سافر قد يصل إلى حدّ الطعن في شخصه ومبادئه، بل قد تصل الأمور في مرات إلى حدّ الضرب المؤذي على يدّ "حماة الدين والدعوة"!
يحضرني هنا ما فعلته شخصيّة دعويّة بارزة تتشدّق بمبادئ حرية الرأي عندما أقدمتُ كما بعض الدكاترة الأفاضل على نقد عمرو خالد نقداً موضوعياً لا يختلف على حياديته اثنان! فما تبقّى من تلك الشخصيّة الدعويّة الفذّة إلاّ أن تكمّمّ أفواهنا يومها كيّ ننهي هذا الحديث "المتحامِل" على عمرو خالد على الرغم من كوننا قد شهدنا له بإيجابيّات عديدة..
وحتى حقل الفنّ والإعلام لم يسلم من تمجيدات الجماهير العربيّة المتعطّشة للتمجيد!
الجماهير العربيّة تنقسم إلى قسمين، إمّا تلك الساذجة التي تنبهر بشخصيّات عربيّة وغربيّة إعلاميّة فتنجرف نحو تمجيدها من غير أن تعي حقيقتها الإعلاميّة وتوجهاتها السياسيّة لا سيما نجوم الإعلام الغربيّ، وإمّا أن تنزلق في فخّ الهجوم المريض لدرجة تجريد الآخر من أيّ صفات إيجابيّة تفرضها الحياديّة والموضوعيّة في التقييم!
أتصفّح هنا مجلّة سيدتي الرائدة عربياً، لأرى ما كتبته بعض الأقلام الساذجة لأوبرا وينفري وهي الإعلاميّة الأميركيّة المشهورة التي أماطت اللثام عن معظم الجماعات المنكوبة في العالم باستثناء الشعب الفلسطيني، من بعض هذه الرسائل كانت تلك التي تقول صاحبتها "أنا من أشد المعجبين بأوبرا وأتمنى أن تعتنق الإسلام، وأطلب منها قراءة كتب موثقة عن الإسلام ومحاولة فهمه"، لتكتب لها أخرى قائلة "الحق أن البعض ممن يرسلون لأوبرا هم بلا كرامة، تأتي أميركية وتسخر من السعوديات ثم يأتينها سعياً وبالفمّ الملآن قائلات نحبك يا أوبرا"، رسائل كهذه من شأنها أن تفضح واقع الجماهير العربيّة التي لا تريد ممّن أمامها إلاّ حالتين إمّا أن يكون ملاكاً فتمجّده أو شيطاناً فتلعنه وتستعيذ منه! بل قد تصل حالات التمجيد لاختلاط الرؤية لدى البعض فيخال ذاته يتمسّح بوليّ صالح طالباً منه المساعدة، ليس أدلّ على ذلك من بعض الرسائل لذات الإعلاميّة كرسالة من أحد الشبّان يقول فيها "أوبرا يا صاحبة العينين الناعستين، مجنون سيارات وأريد منك تحقيق حلمي في امتلاك سيارة فراري"!
لربما يعود كلّ ما ذكرناه آنفاً لغياب القدوة والنموذج في العالم العربيّ نتيجة للضربات النفسيّة المتلاحقة ما يدفع بالجماهير العربيّة للبحث عن النموذج بأيّ ثمن، وقد يكون في ذلك أيضاً محاولة لتفريغ وإسقاط الغضب والإحباط على الشخصيّات المكروهة ممّن تخالف ما يختزنه الوعي الجمعي العربي المهلهل، بل قد تصل الأمور في لحظات للتصيّد لأيّ نفر رغبة منّا في خلق عدوّ من العدم وكأنّ أعداءنا الحقيقيّين لا يكفون! كما أنّ عاملاً آخر يجدر بنا التعريج عليه وهو وقوع جلّ الشعوب العربيّة تحت وطأة الإعلام الرسميّ الذي يتركهم في خانة المتلقي المجبر للتفسير الرسمي من غير وجود طروحات متنوعة تسمح له بالتدقيق والاختيار.
ما من مجال لإنكار أن جرعة "التمجيد" قد وصلت مرحلة قاتلة عند الجماهير العربية التي أعياها التخلّف الفكري، ما نريده حقاً هو تقنين لجرعة الحكم على كافة الأشياء والشخصيات والأمور، فأنّ نحب عبد الناصر وصدّام حسين وعمرو خالد بطلّتهم الكاريزميّة فإنّ ذلك لا يلغي أننا شطحنا بعيداً في تمجيدهم وعدم إعطاء تجربتهم حقها من التدقيق والتمحيص، تماماً كما أنّ أهداف إيران التوسعيّة في المنطقة واحتكامنا للمنطق الطوائفيّ كمسلمين لم تسمح لنا بالإقرار بالنموذج الفريد الذي يمثله شخص أحمدي نجاد الذي يحمل معه "ساندويشته" من المنزل ويفترش الأرض للنوم ويرتدي ملابس عمّال النظافة عندما يساعدهم في كنس شوارع طهران، ما يشكّل منه حالة فريدة في أوساط الحكم على مستوى العالم كلّه..
نقطة البدء تكاد تكون الأصعب؛ وهي أن نقرّ بداية أنّ الجماهيرالعربيّة على الرغم من طيبتها التي تصل حدّ السذاجة إلاّ أنها تكاد تكون الأضعف والأكثر هشاشة، في معاييرها الاحتكاميّة، بين جماهير العالم قاطبة!

 
 

تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net