بضحكته الصفراء كان يطرد
تلك الفكرة كلما ألحت عليه.. هراء.. محض
أوهام.. كان يعزم في كل مرة تراوده فيها
هذه الخاطرة أن يبتر عالم الماضي برمته..
ليبقى قوياً.. أنا فلاّح.. ابن فلاّح..
والدي لقنني أنّ صفة فلاّح تعني جبروتاً
إذا ما كانت الشمس حارقة.. و جبروتاً إذا
ما فاحت رائحة الأرض بعد الشتاء.. و
جبروتاً إذا ما صعبت الأرض على الفأس..
لازال فلاحاً.. بدون فأس و لا أرض..
بجبروت فقط.. يرددها في أعماقه ليلاً
نهاراً منذ أيام الحقل.. أنا فلاّح..
تشربتها أعماقه.. باتت تهدر فيه ليلاً
نهاراً.. جعل من الهندسة التي شقّ طريقها
جبروتاً.. إمبراطوريات تجارية عملاقة هي
تلك التي تجبرت فيها هندسته.. هدير
فلاّحيته بات يطاول هذه الإمبراطوريات..
هندس قصره بجبروت فلاّح.. قصر يشار إليه
بالبنان.. وراء قصره كان يختلي وهدير
فلاّحيته.. لم تكن أرضه الحقيقية التي
أرضعته الجبروت.. و لكن فأسه لا تنفكّ
تناديه.. تعال.. ليست أرضك المرضِعة.. و
لكني فأسك التي كانت تدرّ عليك لبن و عسل
أرضك.. بقدر ما أسقته الفلاّحية جبروتاً
بقدر ما أسقته وفاءً و أصالة.. يبرّ
بالفأس عرفاناً بما أوصلته إليه.. مع برّه
كانت تختلط شهقات شفقة على تلك الفأس..
لطالما استرق السمع لأناتها الحزينة
ليلاً.. أنات الفراق.. يعلم بحبّ الفأس
مع أرضه هناك.. حبّ بجبروت فلاّحي.. حبّ
فريد.. بقدر ما يشتدّ الحبّ يشتدّ
الجبروت.. جبروت تتأججّ معه المشاعر حتى
تلد محصولاً..
في ميدان إمبراطورية هندسية طور
الإنشاء، كان هدير تعليمات يملئ المكان..
في لحظات.. كان جبروته يسبح وسط دماء
عنقه.. كانت قامته تفوق شيك الأسلاك
المكشوف الذي ينتصف في الميدان.. لحظات
خدران اعترت عنقه المنغرسة في أطراف شيك
الحديد.. تماماً كما لحظات الخدران التي
ساقته بجنون نحو الشيك.. لحظتها كان قد
عاد لسنوات غابرة مضت.. شيك الحديد الذي
قسم قريته في الثمانية و أربعين.. كأنه
هو.. بنفس ارتفاعه و لونه القاتم.. صور
أخوته المتزوجين و هم يعانقونه و والديه
من وراء الشيك.. زواج ابنة أخيه الذي
أحييوه على الشيك.. شيك حاقد لا يسمح
بغير تسللّ الزغاريد و الدموع.. و الحب..
بضحكته الصفراء.. مات واقفاً.. كما
تموت شاهقات النخيل.. بجبروت فلاّح لم
ينحنِِ عندما ودعته روحه.. فقط هي ضحكته
التي انحنت للفكرة التي لطالما خنقها..
فكرة أنّ لعنة المكان لا تلبث تطارد
المرء أينما حلّ.. ليست لعنة المكان بقدر
ما هي لعنة الموت في مكان.. نعم.. لقد
ماتت روحه في بيت صفافا عند ذلك الشيك.. و
ها هو الشيك يطارده ليقبض روحه ثانية..