|
هَوَس الفتاوى |
رشا عبدالله سلامة |
|
May 27, 2007 |
"اشتريت خروفاً و أكل ورق
جريدة أجنبيّة ، هل حكم أكله الآن حلال؟" ، "هل يجوز للمرأة الجلوس على الكرسي على
الرغم من كونه مذكّر؟".. نكات باتت متداولة في الآونة الأخيرة، في إشارة لحمّى
برامج الفتاوى التي دبّت في أوصال القنوات الإسلاميّة و بعض المجلاّت ، بالإضافة
لخدمة الفتاوى على الهاتف المحمول و البريد الإلكتروني و التي باتت منتشرة في بعض
الدول الإسلاميّة.
هل وصل المسلمون لدرجة التخبّط التي تدفعهم لاستفتاء رجال الدين في كلّ حدث عابر؟
أم أنّ ذلك يعود لصحوة دينيّة من سماتها الحرص على أخذ المصادقة الشرعيّة على كلّ
أمر و لو كان بديهيّاً ؟ ألا يدلّ التوالد المتسارع لهذه البرامج على أنها قد باتت
تشكّل مشروعاً ناجحاً لأيّ وسيلة إعلاميّة؟ أم هي ردّة فعل معاكسة لمن لا يريدون
متابعة برامج تلفزيون الواقع و برامج الغناء و الفنّ ؟
ظاهرة تستحقّ الاستطلاع من زوايا شرعية و اجتماعية و إعلامية عدّة .
فوضى الفتاوى
لم تستطع (سناء ،27 عاماً) الاستمرار في حضور الدروس الدينيّة المقامة في إحدى
مصليّات النساء ؛ لكثرة ما تعجّ به هذه الدروس من " إفتاءات عشوائيّة تسمح كلّ من
الحاضرات لنفسها بالإدلاء بها ".
و تردف قائلة : " و حتى منهجيّة استفتاء الداعية التي تلقي هذه الدروس تميل نحو
اعتبارها عالمة بكلّ الدواخل الشرعيّة و بأنّ كلامها من المسلّمات التي لا يصحّ
المساس بها".
و تضرب المثال على ذلك باستفتاء إحدى النساء لهذه الداعية عن ألوان الملابس التي لا
يجوز للمحجبة ارتدائها ، ليكون ردّها "لا يجوز ارتداء غير الأسود و الكحلي للمحجّبة"
، لِتمتثل أغلبيّة الحاضرات لهذه الفتوى التي "لا تملك أصولاً دينيّة واضحة" بعد أن
تقصّت سناء عنها.
حادثة أخرى يرويها (غالب ،36 عاماً) عن فتوى سأل بها أحدهم في مجلس دينيّ ، و هي عن
" هلال رمضان الذي تعلقه البيوت لأجل الزينة ، هل يجوز تركه ليضيء و يطفئ أم أنّ
أنواره حرام ؟ ".
بيد أنّ غالب يحترم "سعة صدر المفتي الذي أخذ السؤال على محمل الجدّ مفتياً بجواز
ذلك".
و عبر سؤال ثلّة غير قليلة من الأفراد عن أغرب الإفتاءات التي سمعوا بها ، أجابت
(آلاء ،17 عاماً) أنّ جارتها كانت قد أفتت لها بعدم جواز "قصّ الشعر ليلة الجمعة "
، بينما تطرّق (محيي ،26عاماً) لصديقه الذي لا ينفكّ يفتي له بأنّ "ربطة العنق حرام
لكونها تشبه شكل الصليب ". فيما ذكرت الأربعينيّة (حنان) أنّ إحدى المصلِيّات كانت
قد أفتت لها ب"عدم جواز صلاتها إذا ما افترشت الأرض بغير سجادة الصلاة ".
يعلّق على ذلك أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنيّة الدكتور نبيل المغايرة قائلاً :
" لابدّ و أن يأخذ المفتي و رجل الدين أيّ فتوى على محمل الجدّ مهما ارتأى له
بساطتها ، ذلك أنّ مقامات الناس الفكريّة تتفاوت و لا يمكن الحكم عليها بالتعميم ".
و يشير المغايرة لضرورة "أخذ الفتوى من مصدرها الشرعي الذي يتمثل برجال الدين و
المفتيين و الذين هم بدورهم يحتكمون للقرآن الكريم و السنّة و الاجتهاد المبني على
أساس علميّ ".
و يدلّلّ المغايرة على عِظم شأن الفتوى بعنوان كتاب ابن القيّم الذي أسماه ب "إعلام
الموقعين عن ربّ العالمين" ، حيث أنّ في ذلك "تجسيد لخطورة شأن الإفتاء الذي هو
بمثابة التوقيع عن ربّ العالمين عن أيّ تساؤل ".
من جهته ، يشير أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنيّة الدكتور إبراهيم أبو عرقوب
لِكون هذه الظاهرة تعدّ " تجسيداً لحرص المسلمين على الاستفتاء في جميع شؤونهم
الحياتيّة بما فيها الحالات الافتراضيّة ".
و إذ يقرّ أبو عرقوب أنّ البعض يرى في ذلك "إفلاساً فكرياً عند المسلمين ، يلجؤون
بسببه للتشبث بمبدأ الاستفتاء في جميع الأمور " ، إلاّ أنه لا يرى في ذلك "جانباً
سلبياً" ، بل محاولة ل "بناء حصيلة فكريّة إسلاميّة عند الفرد" .
الفتاوى و الإعلام
تستغرب (آمال ،30 عاماً) من برامج الإفتاء "التي باتت تتكاثر في جميع المحطّات حتى
الغير دينيّة " ، حيث ترى آمال في ما وصفته ب "الاستفتاءات الفضائيّة" عبر البرامج
و الإذاعات "هوساً شعبيّاً استغلّته المحطّات الإعلاميّة لجني أرباح طائلة من
اتصالات المشاهدين" .
و تزيد آمال بأنّ هذه البرامج تُطلِق "فتاوى عشوائيّة و غير مدروسة" ، معلّلّة ذلك
ب "ضيق الوقت الذي لا يتعدّى دقائق يجيب من خلالها المفتي على أسئلة لا تقلّ غرابة
و عشوائيّة".
كما تشير لِكون هذه البرامج الإفتائيّة تشهد "تضارباً فيما بينها ؛ فما يجيزه مفتي
يحرّمه آخر ". و تضيف : "بل و يذهب مذيع الحلقة في بعض المرّات للإدلاء بدلوه مع
المفتي".
يعلّق على ذلك أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنيّة الدكتور علاء السرطاوي قائلاً :
"لابدّ للمفتي أن يتروّى قبل إطلاقه الحكم الشرعيّ ، كما لا بدّ له من التساؤل عن
كافة الظروف المتعلّقة بالسائل ، ذلك أنّ الفتوى تتباين في بعض المّرات تبعاً لظرف
السائل".
و يدلّلّ السرطاوي على ضرورة عدم جعل الفتوى "مُعلّبة و سريعة " بحديث الرسول صلى
الله عليه و سلّم : "أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار ". كما أنّه ممّا أُثِر عن
ابن مالك أنّه قد أجاب على مسألتين من أصل أربعين سُأِلَ عنها ذات مرّة ، ليجيب على
الثمانية و ثلاثين الباقية قائلاً : "لا أعلم".
و يشير السرطاوي لحتميّة حدوث "الفوضى" في إفتاءات البرامج ، لا سيّما تلك "التي
تستقبل كمّاً هائلاً من الاتصالات ضمن وقت محدود".
كما تتّفق الإعلاميّة ليلى الأطرش مع السرطاوي على أنّ هذه البرامج قد بات معظمها
يتسمّ ب"العشوائيّة" ، لا سيّما تلك التي يديرها بعض الأفراد "غير المؤهلين شرعيّاً
و لا إعلاميّاً"، غير أنّها تقرّ ب "أهليّة البعض لهذه النوعيّة من البرامج
كالداعية يوسف القرضاوي الذي عُرِف عربياً و عالميّاً ببرنامجه (فاسئلوا أهل الذكر)
الذي كان يبثه تلفزيون قطر قبل حدوث الطفرة الإعلاميّة و الدعويّة الحاليّة".
و تضيف بأنّ هذه القنوات الإعلاميّة قد "صنعت نجوماً إسلاميّين كعمرو خالد ، عدا عن
كونها قد ساهمت في تشكيل الصحوة الدينيّة في المجتمعات الإسلاميّة ".
من جهتها تعلّق الدكتورة هويدا مصطفى مستشارة معهد الأهرام الإقليمي للصحافة في مصر
على ما سبق قائلة : "المدخل الديني هو أسرع المداخل تأثيراً ، كما أنّ المجتمع
الإسلامي يتسم بالحساسيّة الشديدة تجاه كل ما هو ديني، وما يحدث الآن هو استغلال
لهذه الاستمالة الموجودة لدى المسلمين عبر استخدام الإعلام و إفتاءات الرسائل
الإلكترونيّة و رسائل الهاتف المحمول ".
و تردف قائلة : " لذا لا بد من التحرك السريع في اتجاه إيجاد إعلام مضادّ يوجه
المسلمين نحو الفتاوى المبنية على أصول فقهيّة صحيحة، للمضيّ نحو تشكيل وعي ديني
قوي و صحيح".
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |