في المطار
 

رشا عبدالله سلامة

rasha_salameh2005@yahoo.com

June 01, 2007


 
    ما بين صالة الترانزيت .. وصالة انتظار المسافرين .. و مكتب أمن المطار .. أيام مريرة تلتئمُ الآن نحو الشهر ، مع نهاية مفتوحة ليس لها معالم واضحة..
 
  لم يكن في حسبانه أنّ إجازته الصيفيّة مع عائلته ستنتهي بكارثة عند وصوله بلد عمله .. اكتشف في ذلك المطار أنّ ربّ عمله قد سرّحه إلى غير رجعة ، لاغياً إقامته و كلّ حقوقه .. علِق في مطارات الدول التي كلّما يمّمّ وجهه شطرها رفضته .. ليس له غير أرض المطارات يفترشها و زوجته و طفليه عبد و رحمة ..
 
  يحدّق في جواز سفره .. جواز صغير بيد أنه يعني الكثير ، يعني له خلاف ما يعنيه لغيره .. يعني له آخر قطرات الأمل.. فيما يعني لغيره شبهة تستلزم تأخيراً و في أحيان كثيرة اعتقالاً أو تشريداً في المطارات ..
 
  ما بين نهار محجوبة أشعته و نوره .. و ليل يجنّ عليهم من غير رؤية ظلمته و لا قمره .. تمضي أيامهم في المطار من غير أن يدلّهم على تعاقبهما إلاّ خمول حركة المسافرين و سكون الأصوات .. و من ثم عودتها من جديد ..
 
  لم يكن يبالي بمظهره أمام المارّة .. كان جلّ ما يريده هو تأمين حدّ أدنى من الراحة له و لزوجته و ابنيه .. كان يفترش أرض صالة الانتظار عندما يحين موعد النوم .. تُطرِقُ زوجته برأسها على كتفه محاولة لثم ملامحها أمام المارّة .. عبد يتوسّد حِجره بينما رحمة بين ذراعيه .. فيما عينيه واجمتين .. تحدّقان لما هو أبعد من حدود هذا السجن الذي يتلبّس هيئة مطار ..
 
  يعود بذاكرته لأيّام سفره للبعثة الدراسيّة .. ثمّ للعمل .. يكذب إن ادّعى عدم معاناته مع المطارات حينها .. كان كابوس السفر يلوح له كلّما أمّ المطار .. مساءلات .. نظرات ريبة .. تحقيقات .. تأخير عن رحلته .. نظرات الركّاب تحدّق فيه بشفقة تارة و بعصبيّة تارة أخرى لأنه قد أربك صفّ الانتظار ..
 
  لطالما كان يعزّي ذاته و يسلّي حزنه بتذكّر الفلسطينيّين الذين قضوا و هم في خزّانات المياه الفارغة في محاولة لتسلّلّ الكويت بعد أن أجلاهم الصهاينة عن فلسطين . لم يجدوا منفذاً لعبور الكويت و تحصيل الرزق بها غير الاستلقاء في الصفائح الحديديّة التي قتلت معظمهم لشدّة امتصاصها للحرارة . كان يهمس لذاته بأنك على الأقل تجلس على كرسيّ منجّد في الطائرة ..  كان يرضى للحظات .. ليرى ذاته تطلّ بسؤال جديد .. طيّب لماذا يمرّ جميع المسافرين بسلام غيرك أنت ؟ لماذا يعود كلّ هؤلاء لأوطانهم في كلّ إجازة إلاّ أنت ؟.." نصيب .. نصيب" .. كلمته المعتادة كلّما عجز عن الإجابة ..
 
  لم يكن وحيداً في بلاد الغربة .. لطالما رصدت نظراته أيّ ملامح فلسطينيّة يصدفها.. حتى المطاعم و المتاجر لم تسلم منه .. كلما رأى فندق القدس و مطعم نابلس و استديو حيفا كان يفتعل أمراً ليلجه و ليتعرّف على مالكه .. لطالما أقرّ بما كان يقوله الآخرون عن الفلسطينيّن من أنهم شعب نهِم يريد كل الخير له مستميتً في الوصول للعلم و المناصب و النجاح .. لطالما أقرّ بنزعة الغيرة التي تخالج الفلسطينيّن حتى على بعضهم البعض .. كلّ يريد التشبّث بالمنافع و  الخيرات .. كلّما رأى مواقفاً تعزّزّ ذلك كان يبتسم بسخرية تمزجها نظرة حزن بعينين ناعستين غير أنهما متيقظتين .. متيقظتين لنفسيّة الفلسطينيّين .. آلامهم .. أحلامهم .. كبريائهم .. كلهم ضحايا .. ضحايا من نوع خاص .. لم تكسرهم المأساة بل زادتهم جبروتاً و حدّة .. لدرجة العدوانيّة في لحظات .. قد يحتسي البشر خمراً لنسيان الآلام .. فيما الفلسطينيّ يحتسي أقداح النجاح و التميّز لنسيان آلامه ..
 
  في بحر أفكاره و ذكرياته أيقظته شهقات و تمتمات زوجته .." يا رب تفرجها علينا ".. لم يكن يرغب برؤيتها و أطفاله ضعفاء .." بس تعيّطيش عشان الولاد. عادي مصارش إشي .. بكرة بلاقولنا حلّ .. ما بعد الصبر غير الفرج" .. تعالى صوت شهقاتها .. "و إنت الصادق ما بعد الصبر إلاّ القبر .. أهلنا نسيت وين ودّاهم الصبر .. أهلنا إذا ناسي بذكّرك إنهم ماتوا بعد ما فقدوا عقولهم و هم يتخيّلوا حالهم راجعين عالبلاد .. ناسي لمّا أبوك طلع من الدار و ضاع في الشتويّة و هو بفكّر حاله رايح يجيب حطب من العيزريّة عشان يدفّي الدار .. ناسي لمّا رجّعوه عالدار الشرطة و قالولنا لا تطلّعوه لأنه خوّف الناس .. ناسي لمّا إمي ماتت و هي حاضنة الراديو ليل نهار عشان تسمع إيمته بحكولهم انتهت الحرب و ارجعوا عفلسطين" .. استشاط غضباً "بس يا مرة . مش ناسي مش ناسي . بس نامي عشان الولاد ما يصحوش"..
 
  برغم بؤس ذكرياته مع أنّات أهله اللاجئين في المخيّم ، لم يكن يرغب في زرع هذا البؤس في نفوس أطفاله .. كان يسعى لغرس القضيّة في نفوسهم منذ بداية إدراكهم .. من غير أن يُجذر اليأس و الألم .. لطالما علّمهم أهزوجة "ضرب الخناجر و لا حكم العدو فيّا " .. لطالما أسمعهم أسماء المدن الفلسطينيّة و قراها .. لطالما  نسج لهم قصصاً فلسطينيّة لم يرغب في إنهائها نهاية مفتوحة أو حزينة .. بل كان يختمها دوماً بعودة عبد و رحمة لبيت جدّهما في فلسطين .. و قطفهما من شجرة التين الشامخة هناك .. و سعيهما مع باقي أبناء العائدين لفلسطين لإعمار البيوت و المساجد و الكنائس المهدّمة ..
 
  غير أنّ صوته كان يتهدّج كلما سرد عليهم مقطعاً من أغلى ما يحتضنه خياله .. كان يروي لهم أنه سيكون شيخاً كبيراً عندما يقتادانه لمشاركتهم في هدم أجزاء من الجدار العازل الذي خلّفه الصهاينة بعد طردهم من فلسطين .. كان يتخيّل لجنة تقسّم لكلّ مجموعة من السكّان هدم جزء من الجدار ، ليعقب هدم كلّ جزء حلقة دبكة و زغاريد .. لم يكن يقوى على كبح دموعه عندما يردّ عليه عبد "آه يابا أنا باخذك معي لمّا أهدّ الجدار بس إنت تفرّج عليّ عشان بتكون ختيار" .. لتعقبه رحمة "و أنا بجيب معي ميّه و كنافة عشان نسوّي حفلة بعد ما نهدّ الجدار"..
 
  استيقظ من لجّة أفكاره و أحلامه على صوت شرطيّ من المطار يستفهم عن سبب افتراشه و عائلته أرض الصالة قائلاً "و بعدين معاك إنت .. إيش تهمتك بالضبط ؟" ..
 
  حينها أطرق في عينيّ رحمة و عبد قائلاً " تهمتي فلسطيني"...
 
 

 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net