|
التربية والتدجين |
د. جُمعان عبدالكريم |
|
’June 08, 2007 |
لقد أدركت الأمم المختلفة أهمية التربية في تنشئة أجيال المستقبل ، ولكن التربية مع أهميتها ليست إلا أداة في سبيل التقدم العلمي والمعرفي والرقي بالأمم . أي إنها لن تكون بحال غاية في حد ذاتها .
إن التربية هي التي تشكل الفرد وتوقلبه في القالب العقدي والثقافي ، وفي قالب الراهن من الحاضر ، وفي قالب المتوقع من المستقبل .
ولو رجع المرء إلى بدايات التعليم الحكومي المنظم بعد الثورة الفرنسية وكيف أن التعليم كانت تسيطر عليه الكنيسة ، ثم اقتسمت السيطرة فيما بين الكنيسة والدولة وصولا إلى هيمنة الدولة على التعليم ، فإنه سيعلم يقيناً أن التعليم كان السلاح الأول في يد الدول لتثبيت قواعدها صلبة راسخة ، ولتنفيذ سياستها كما يحلو لها .
لقد وُضع التعليم بنظرياته المختلفة في خدمة مستقبل الأمم الحية الناهضة مما مكّن تلك الأمم من الحفاظ على تقدمها في سائر مجالات الحياة .
أما لدينا نحن العرب فواقع التربية لا يبشر إلا بمزيد من التخلف لأجيال ، وربما لقرون مقبلة .
فعلى المستوى الفكري يفتقد التربويون للأصالة في طرح أفكار ونظريات تربوية تنبع من الواقع العربي ، ومن الأصول الإسلامية دون اجترار للنصوص ، وتجميع عمليات القص واللزق والقيام بالتلفيق دون الإلمام بأبسط القواعد لإقامة فكر النظرية .
بل صارت التربية أول المطايا للتباهي بالحصول على الشهادات العليا ، وحجز موضع في مقدمة الأنف (للدال) . لماذا لأن الحصول على تلك الشهادات لا يكلف إلا بعض الاستبانات أو دراسة لبعض الكتب المترجمة وكتب القص واللزق .
لقد كثر تنافس الناس حول الحصول على الشهادات العليا التربوية لسهولة الحصول عليها دون بذل جهد معرفي حقيقي . بل وصل الأمر إلى انتشار بيع تلك الشهادات ؛ إذ السوق السوداء للشهادات التربوية تتفوق على بقية الشهادات الأخرى.
إن المستوى العلمي المعرفي الرفيع ، والقيم الثقافية تنعكس على الجانب الأخلاقي ، فتنتشر قيم الصدق والأمانة والإخلاص ، وتوقير الآخر . ولضحالة المستوى المعرفي عند كثير من التربويين نجد كثير منهم من أبعد الناس عن التحلي بالأخلاق العلمية الرفيعة ، وهم في الوقت نفسه يدعون إلى التحلي بها ، بل نجدهم أقرب إلى التفكير العامي غير الفطري ( إذ التفكير العامي الفطري ذو حساسية شديدة للخير والشر) في أسلوب حياتهم ، وفي اهتمامتهم ، وفي سطحية طروحاتهم .
ومما زاد الطين بلة أن بعض التربويين بما يطبع أخلاقهم من انتهازية ووصولية قد يصلون إلى مواضع قيادية ، فتكون الكارثة تأخراً معرفياً ، وتكلساً إدارياً ، والأمر الأهم هو الخلط في مستوى الممارسة بين كون التربية وسيلة وبين جعلها غاية والانطلاق في كل القرارات من كونها غاية .
ومن مظاهر الخطر الأكبر في جانب التربويين حمل بعضهم لأفكار إيديولوجية ، ومحاولة حمل الناس عليها بمنهج ظاهر أو خفي انطلاقاً من المطلقات التي تنزع إليها كل إيديولوجيا ، إضافة إلى القصور الحاصل في الوعي المعرفي بأن الجانب التربوي ليس حكراً لأيدلوجيا ضيقة وإنما هو لكل الأمة بجميع أيدلوجياتها المختلفة يحملها إلى المستقبل المزهر بإذن ربها .
ولأن الغرب يعرف أهمية التربية فقد توالت صياحته لإصلاح المناهج في العالم العربي ، ليس بما يوافق النظرة المستقبلية للعالم العربي ، بل بما يوافق رغبات الغرب ومستقبله .
بعض الدول العربية تحولت التربية فيها إلى تدجين ، وإلى غرس الولاء المطلق للزائل والمتغير متخذة من شعار الثابت تسويقاً لبقاء منظومة المتغير ، وصارت الشعارات كلها تصب في هذا الجانب وصار التربويون هم فريق غسل المخ للشعوب العربية .
أما مأزق التربية التدجينية الأكبر فهي في التوفيق بين الصدق والكذب فإذا كانت دولة ما من الدول العربية تدعي التقدمية والمساواة ، وحرية التعبير ومحاسبة المسؤول وتفرض ذلك في منهجها التربوي فيما الواقع يؤكد بما لايدع مجالا للشك أنه ليس هناك تقدمية بل إن العرب يعتبرون بمقياس شعوب العالم في أقصى نقطة من ذيل البشرية إن كان لها ذيل . إن أجزاء العالم كلها تتقدم ، ونحن العرب ( أخص العربَ ) نتأخر . أما المساواة ، وحرية التعبير ، وحرية المحاسبة ، وتعاقب الحكومات بطرق سلمية تدافعية فهي أحلام في رؤوس كبار المثقفين العرب ، وهي هم ثقيل في مؤلفاتهم وإبداعاتهم ، لكنها واقع عند كل شعوب العالم يمارسها الرجل العادي إلا نحن .
وتلكم المبادئ في النهاية لا تتعارض مع أحكام الإسلام كما يحاول بعض المنتسبين للإسلام ، وبعض المتخصصين في التربية الإسلامية ترسيخه في وعي المخدوعين من الأناسي . إنهم بعملهم هذا يصورون الإسلام ديناً كريهاً يحث على الظلم ، وعلى الفساد ، وعلى الاستبداد ويشجعون كثيراً ممن يلبسون رداء الدين لاحتكار ملكية ملابس الدنيا إلى الأبد .
فماذا تفعل التربية التدجينية حتى توافق بين المتناقضات بالمفهوم الفلسفي ؟ تهرب إلى الشعارات ، وإلى السطحية وإلى إشاعة الأمية الثقافية ، والسياسية .
ولكن الوقائع أثبتت أن التربية التدجينية ليست عاملاً حاسماً في القضاء على مستقبل إرادة التحرر ، ومستقبل الكرامة الإنسانية ، فالكرامة الإنسانية ، مثل الهواء الذي يتنفسه الناس بتلقائية فإذا فقدوها شعروا بالاختناق . ولن تفلح كل الوسائل التضليلية وكل الوسائل التدجينية ، في خداع الناس عن كرامتهم
فقد تنوعت الوسائل المعرفية التي تتيح للإنسان البسيط المقارنة السياسية والاقتصادية والعملية ، وحتى التربوية بين ما يشاهده في محاضن التدجين العربي ، وبين ما يشاهده في شتى بقاع العالم ، بل ما يشاهده في دولة العصابات (إسرائيل ) ليدرك كمية التخلف والغبن واستلاب الحرية وفقدان المؤسسات التي تنهض بالدولة العصرية إلى مراقي العزة والكرامة الإنسانية ، وإلى مجتمع تطبيق الحقوق .
كل ذلك لا يمكن أن تقود إليه التربية التدجينية التي تنهض دائماً إلى تسويق ثقافة الشعارات التي صار المخدوع فيها أعلم من الخادع .
إن كثيراً من التربويين- كما أراهم - يقفون الآن في الصف الأول أو في فريق المساندة لذلك الصف الذي يصدُّ كل تقدم ممكن لعالمنا العربي التعيس . إنهم المُدجِّنون وويل لهم مما صنعت أيديهم وويل لهم مما يكسبون . فالتاريخ والمستقبل لن يرحما إلا الرحماء .
والرحمة التي هي مبدأ أولي في التربية كلمة واسعة واسعة جداً ، فهل التربويون العرب الذين في مستوى صنع القرار ، والذين في مستوى المشاركة في تنفيذه من الرحماء بشعوبهم ،وبأوطانهم ، وبأطفالهم .(( وقفوهم أنهم مسؤولون )) .
|
تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة : editor@arabissues.net |