"التلاعب بالمصطلحات"

د. جُمعان عبدالكريم

jom3an_966@hotmail.com

May 09, 2007

قراءة تحليلية
في مصطلحات الإسلام في العصر الحاضر
 

يظهر أن الكلمة ستظل هي المهيمنة، لا العقل ولا المنطق ولا القوة المادية. الكلمة هي الخلود ، ولكن خلود الكلمة يرتبط بعاملين العامل الأول : هو انتقال الكلمة من الحياة فوق الرصيف مشردة إلى الكلمة فوق حاملات عملاقة " ماردة " هي (المصطلحات)
فالكلمة حينما تتحول مصطلحاً إنما تصبح كناتج تفاعل ذري لا يفنى أبداً .
أما العامل الآخر ، فهو استعمال الكلمة/ المصطلح في النص . وهنا يصبح كل شيء ممكناً بما في ذلك استعمال المصطلح لما يضاده أو يناقضه .
ولقد كان مصطلح " الإسلام " يطلق قروناً طويلة غفلاً من أية تقييدات أو محددت ليشمل ديناً سماوياً خاتماً ، ولكن في هذا العصر جدت محددات لهذا المصطلح ، وتفرع من هذا المصطلح مصطلحات عدة استعملت في نصوص مختلفة وكثيرة ، فهل أصبح الإسلام إسلامات ؟ وهل ظهرت نسخ أخرى للإسلام المعروف ؟
لعل أول مناقشة علمية لهذا المصطلح هي ما كتبه أبو حاتم الرازي إذ طفق يوفق بين أن إبراهيم عليه السلام هو الذي سمى أمة محمد " المسلمين " اشتقاقاً من مصطلح إسلام ، وكون الإسلام من الألفاظ التي لم تعرفها العرب ، إلا بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان قصارى ما وصل إليه أن إبراهيم عليه السلام سماهم بتلك اللغة أي السريانية ثم أتى المصطلح العربي المقابل ، أو المترجم ، وهو الإسلام ( انظر كتاب الزينة ، تحقيق حسن الهمداني ، ص ص 151-152 ) ، ولكن المقارنة بين اللغات السامية تثبت أن الجذر لهذا المصطلح موجود فيها جميعاً ؛ ولذلك فإن الراجح أن مصطلح الإسلام مصطلح قديم جداً قدم إبراهيم عليه السلام بلفظه ومعناه الذي يعني الاستسلام لله وعبادته ، ولهذا المصطلح صلة بتشققات دلالية مهمة أهمها (السلام) .
وقد دخل مصطلح الإسلام في تراتبية في المدلول مع مصطلحات أخرى ، أهمها الإيمان ... وكان الإسلام فيها هو أعمها ، وأقلها مرتبة فبوساطته يصبح الإنسان داخلاً في الدين السماوي الخاتم ...
وبمتابعة كثير من الأدبيات في هذا العصر يرى المرء مصطلحات جديدة سُكَّت مع الإسلام في قالب مصطلحي واحد وأهم تلك المصطلحات ما يلي :
الإسلام الرسمي ، الإسلام التقليدي ، الإسلام الحركي ، الإسلاموي ، الإسلام السياسي ، الإسلام الأصولي ، الإسلام الإخواني ، الإسلام الوهابي ، الإسلام السلفي ، اليسار الإسلامي ، الإسلام القديم ، الإسلام الراهن ، الإسلام الحضاري ، الإسلام المتطرف ، الإسلام ، الإسلام الإمريكي ...إلخ
فما المراد بهذه المصطلحات المتفرعة عن مصطلح واحد ؟
وكيف وظفها من قاموا بصياغتها ؟
وهل يمكن أن تكون هذه المصطلحات مصدرا من مصادر الخطر الفكري واللغوي والحضاري ؟
بداية يجب أن يدرك المرء أن هذه المصطلحات قد تجاوزت في عمومية إطلاقها خصوصيات المذاهب الإسلامية المختلفة ؛ فأفرغتها جميعا في قوالب مصطلحية جديدة ، ويدل هذا الأمر فيما يدل عليه أن معظم هذه المصطلحات هي مصطلحات وافدة من الآخر أي من خارج الإسلام لا من داخله ، أو بمن تأثر ذلك الآخر وحذا حذوه ، إضافة إلى كونها تحمل أبعاداً فكرية وفلسفية جديدة تؤذن بتحول في مناقشة الأفكار والمعتقدات بناء على الموقف منها ، وبناء على الأساليب والطرق ، وليس بناء على الأصول والأسس .
والأمر الآخر في مجمله حسن لأنه يوكل أمر العقائد والمذاهب إلى الله ، ويقيس العقيدة بتمثلها في الواقع ، ومن ثم يطلق الحكم عليها .
وبالنظر إلى المصطلحات المستجدة المتلازمة مع الإسلام تلازماً وصفياً يمكن ملاحظة الأمور التالية :
أنه بالنظر في المجالات التي تتداول فيه هذه المصطلحات يمكن حصرها في المجال السياسي ثم المجال الفكري الفلسفي أما في المجال الديني نفسه فهي غير متداولة ألبتة ، ومع ذلك فقد طغت تلك المصطلحات وأصبحت حتى مزاحمة للتصنيف المذهبي القديم .
ولتحديد المراد الدقيق بتلك المصطلحات يجب الرجوع إلى مجالها والخلفيات الفلسفية لمطلقيها في ذلك المجال .
وعلى ذلك فمن الممكن توزيع المصطلحات السابقة في المساقات التالية :
المساق السياسي ويحظى بأكثر المصطلحات : الإسلام الحركي ، الإسلام السياسي ، الإسلام الأصولي ، الإسلام الوهابي ، الإسلام الإخواني ، الإسلاموي .
المساق الفكري الفلسفي : الإسلام السلفي ، الإسلام القديم ، الإسلام الوهابي ، الإسلام الأصولي ، اليسار الإسلامي، الإسلام الحضاري ، الإسلام الحركي ، الإسلام الرسمي ، الإسلام التقليدي .
المساق الصحفي الإعلامي : يشتمل على أغلب المصطلحات في المساق السياسي إضافة إلى إطلاق مصطلحات تهكمية قد يتاح لها كثير من الشيوع كإطلاق مصطلح الإسلام الأمريكي !
إذن هنالك تداخل في أكثر من مساق على تفاوت في انتشار المصطلح في المجال نفسه أو انتشاره بالنسبة للمساق الآخر .
ولذلك يجب أخذ المساق بعين الاعتبار في تتبع مدلول المصطلح
والحقيقة أن بعض المصطلحات السابقة تطرح مشاكل أخرى في تتبع مدلولتها تنشأ من الأصل اللغوي للمصطلح ، ومن الترجمة ، ومن مشابهه المصطلح لمصطلحات أخرى ذات صلة به من قريب أو من بعيد .
فعلى سبيل المثال الإسلام الأصولي ليس له علاقة ألبتة بأصول الفقه في الإسلام أو أصول الدين العامة لأنه مصطلح مترجم وهو أكثر المصططلحات تداولاً لدى الباحثين الأجانب كما يقول إبراهيم أعراب .
وهذا المصطلح عند عبد الوهاب المؤيد له إيحاءات غربية ومسيحية ؛ إذ " إن لفظة Fondamentalisme
تعني تياراً محافظاً اخترق المذهب البروتستانتي الأمريكي من سنة 1900 إلى سنة 1920 "
ومع هذا الأصل البعيد للمصطلح ، إلا أنه يتقبله بقبول حسن ويجعله صالحاً للإطلاق على السلفية ، التي يبحث روادها المعاصرون عن تحديث الإسلام مع الانشغال بالاحتفاظ على الأصول أو ما أسماه يوتوبيا الأصول ، أي أنه لا يقتصر على السلفية الجامدة السلبية . و هو يُدِخل في ذلك حركة الإخوان المسلمين التي تضم جميع التيارات الراهنة كما ، يقول ( انظر أوهام الإسلام السياسي لعبدالوهاب المؤيد ص 39 ) .
وهو بهذا الصنيع يتابع الباحثين الغربيين في المصطلح كما يتابعهم في التعميم وإهمال التفاصيل المتعلقة بصحة الترجمة علاوة على التفاصيل بين الحركات السياسية المستمدة بعض طروحاتها من الإسلام .
أما محمد جمال باروت فقد لجأ بسبب ما قد تؤديه تلك المصطلحات المتعددة من لبس إلى ردها إلى ثلاثة مستويات
: المستوى الأول الإسلام الشعبي ويرتبط بآليات التدين التقليدي وهو ما يسميه بعضهم الإسلام التقليدي المنصرف إلى التعبد فقط
والمستوى الثاني الإسلام الرسمي الذي يرتبط بالمؤسسة الفقهية المؤدلجة التابعة للدولة .
والمستوى الثالث الإسلام السياسي ، ويرتبط بالحركات الإسلامية .
ويظهر أن هذا التصنيف وإن كان حد حدوداً واضحة يمكن التناول السياسي والفكري بوساطتها إلا أن التداخل في تلك الحدود كثيراً ما يقع فيتحد الإسلام التقليدي والإسلام الرسمي
أو الإسلام الرسمي والإسلام السياسي كما هوا الحال فيما يطلق عليه الإسلام الوهابي ، ثم إن الإسلام التقليدي الذي يحصر الإسلام في العبادة هو مفهوم كَنَسيٌ ؛ إذ الإسلام حتى عند عامة الناس عبادة وعمل وموقف مما يحيط بالمسلم " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " .
هذا ويمكن إضافة بعض المدلولات على بعض التصنيفات السابقة فالإسلام الرسمي يعني الآن استغلال الإسلام في أجندات سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك أكثر مما يعني أنه الدين الرسمي .
إنه الدين الذي تتخذه السياسية شعاراً لممارسة ما تريد باسمه .
ومع أن القدماء قد أطلقوا العبارة الشهيرة ( لامشاحة في المصطلحات ) ، لكن تجب المشآحة في مدلولات تلك المصطلحات وإلا تحول الأمر إلى فوضى مصطلحية بل الأدهى أنه قد يتحول إلى استغلال مغالطي حجاجي مقصود للتمويه والتلبيس والظفر على الخصوم ودحرهم .
ويحضر في الاستعمال الوظيفي للمصطلح استعمال مصطلح "الموحدين " حيث يطلقه على أنفسهم الدروز ، في حين يطلق الوهابيون على أنفسهم مصطلح " أهل التوحيد " علماً أن بين الطرفين كما بين المشرق والمغرب في كل شيء .
ويحضر كذلك عدم اعتراف الوهابيين بهذا المصطلح المطلق عليهم ( وهابيون ) ؛ لأنه كان مصطلحاً يطلقه عليهم أعداؤهم حتى وقت قريب حين ذكر سليمان العودة أنه لا عيب في ذلك مادمت أصولهم هي أصول السلف واعتمادهم على أحمد بن حنبل وابن تيمية
وأهم ما يشار إليه هنا مسألة التلاعب في التعددية المصطلحية السابقة للتمويه على المخاطب بمغالطات مقصودة نرى ذلك في الحوار ، الذي أجرته الحياة في يوم الثلاثا 9 يناير 2007 العدد 15985 مع المحامي عبد العزيز القاسم حينما يذكر الإسلام التقليدي في مقابلة الإسلام الحركي ، حيث يفهم أن الإسلام التقليدي هو ما تسميه بعض البحوث بالإسلام الوهابي . لكن الحقيقة أن الإسلام الوهابي هو إسلام حركي بمفهوم المصطلح المتداول ، بل إن الأدبيات في المملكة السعودية تصف ما قام به الشيخ محمد بن عبدالوهاب بحركة الشيخ محمد . أو دعوة الشيخ محمد ، ولم ينف عنها الحركية تبني الدولة السعودية لها ، ولأجل ذلك فالمقابلة هنا تفقد معناها ، ولكن صاحب الحوار يوظف المقابلة في إيهام المخاطب بالنتيجة التي يروم الوصول إليها .
ولعمري أن تكاثر هذه المصطلحات دون تحرير دقيق للمقصود بها قد يكون مصدر خطر للفكر كما أنه قد يستعمل بإيجابية في البناء الفكري الجدلي الذي ينهض بالبنيان الفكري للأمة . ويتجلى الاستعمال السيئ للمصطلحات بشكل عام الآن فيما تقوم به الإمبريالية وبقايا الدكتاتوريات في العالم حيث يتم التلاعب بالمصطلحات كما يجري صك المصطلح ليكِّون الطليعة الأولى في شن الهجوم على المستضعفين ، وفي استمرار استعباد عقول الناس .
إضافة إلى ذلك فإن معظم سوء الفهم الذي ينشأ بين المختلفين قد يعود إلى منشأ لغوي يتسبب في قطيعة وربما فتنة أو تناحر وقد فطن إلى هذا الأمر بعض قدماء العلماء وأشار إليه الرازي في كتاب الزينة قبل أن يشير إليه بعض الغربيين ...
وهنا أميل إلى بقاء " الإسلام " مصطلحاً نقياً من الشوائب كما هو ويمكن وصف الحركات التي تستلهم أصول الإسلام أو بعض مبادئه أو بعض تراثه :
بالحركات السياسية وتسمى بأسمائها المختلفة .
فهناك حركة وهابية ، وهناك جماعة الأخوان ، وهناك جماعة العدل والإحسان ، وهناك حزب العدالة ، وهناك حزب الأمة كما هناك حزب البعث ، الحزب الناصري ، حزب الوسط ، الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، حزب الوفد ، الحزب الوطني ...إلخ
كما كان في التأريخ الإسلامي الخوارج ، والمعتزلة ، والشيعة ، والزيدية ، و الإباضية إضافة إلى الأمويين ، والعباسيين ، والعلويين ، والمماليك ، العثمانيين ...إلخ
ويضاف إلى ذلك كل مذاهب الفكر والفقه القديمة والحديثة التي أثرت في العرب والأمم الملتبسة بهم .
أي أن أي فكر سياسي أو فكر اجتماعي وما ينشأ عنهما من تنظيمات لا تعارض أصول الإسلام الكبرى المتفق عليها هي من اجتهادات البشر التي يقبلها الإسلام ، ونحن مع الرأي الذي يقول إن الإسلام قد ترك التنظيمات السياسية وكثيراً من التنظيمات الاجتماعية للناس ، لأنها تنظيمات متغيرة بتغير الزمن والمكان الشرط الوحيد هي أنها تقوم بتحقيق العدل والحرية والمساواة ومحاسبة الحاكم على أخطائه كما تقوم بترسيخ التكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى .
لذلك فإن الإسلام يضم هؤلاء جميعاً بردائه الواسع ، ويتقبل حتى بعض الأفكار والتنظيمات ذات المنشأ الغربي و يرسخ كثيراً الدور الإنساني في التصرف وفق مقتضيات الزمان والمكان بما أطلقه من حريات حررت البشر ، وللأسف أن المسلمين الآن هم الوحيدون الذين لم يفيدوا من الحريات الواسعة في دين رب الحرية .
ولاجرم أن ما نراه أيضاً في هذه الآونة من اجترار مصطلح "إسلام" في كل عمل ، أو منحى يقوم به المسلمون ، أو تصنفه بعض الحركات الإسلامية كالعمل الإسلامي ، والتربية الإسلامية ، والأخوة الإسلامية ، والاقتصاد الإسلامي ...إلخ اجترار يشير إلى مشكلة لغوية في التعامل مع الواقع والتعبير عنه ، كما يشير إلى مشكلة فكرية مفادها ضعف النتاج الفكري للمسلمين ، وشح ذلك النتاج ووقوفهم موقف العاجز ، الذي يتمسك بمصطلح الإسلام للدفاع عن تخلفه وسكونيّته ، بدلا من إذكاء قوة الفكر وإطلاق الطاقات الإبداعية الكامنة ، التي تصل إلى الأشياء في محيط إسلامي لا داعي للتذكير به كمصطلح رديف في كل صغيرة وكبيرة .
وأخيراً فإن المصطلحات والأديان قد تتحول إلى شعارات تستعمل لأهداف ذات وجه خفي تبدأ من السعي إلى المصالح الشخصية التافهة وتنتهي بتثبيت حالات التخلف والتحالف مع ما يناقض تلك المصطلحات وتلك الأديان . كما يقوم أولئك المستفيدون من إطلاق الشعارات بتكوين نمط دوغمائي آلي ونشر ذلك النمط عرضا وطولا وعمقا وارتفاعا بحيث لا تقبل تلك المخلوقات الآلية الدغمائية إلا الشعار وما والاه ، ويترسخ دون وعي في ذهنية المجتمع إنا وجدنا كبراءنا على شعار وإننا لن نتخلى عنه ومن ثم تبدأ دورة جديدة لصك مصطلحات جديدة تتناسل من ذلك الشعار ،وتتلاعب بحياة الناس وآخرتهم وينقسم اللاعبون إلى لاعبين واعين بشروط اللعب ، وملعوب بهم يلبسون قمصان اللاعبين ولايشعرون بمن يحركهم كأنهم لعبة "الفريفرا" وهؤلاء هم السواد الذي يزداد حلكة مكوناً وقود المصطلح أو الشعار في وجه أي مناقشة أو مساءلة أو مفاتشة أو مذاكرة إلا بالطرق الدغمائية التي تستشري في هذا الليل المصطلحي وفي تطور حرب المصطلحات ، ليس لنا إلا أن نؤمل أن تكثر مصابيح الحقيقة لكشف التباسات ذلك الليل ، واعوجاجته ، وتناقضاته .




 


تم نشر هذا المقال في موقع (قضايا عربية) www.ArabIssues.net

لنشر مقالاتكم ، الرجاء مراسلة editor@arabissues.net